
بقلم: د. محمد بن جواد الخرس- غرة شهر صفر 1447هـ
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وبعد..
لقد ترك الملا طاهر البحراني في نفسي انطباعًا مبكرًا بين المستويات المتقدمة في الأداء الحسيني، تلك التي كانت تميز أعلام المنبر قبل أكثر من نصف قرن في أحسائنا الحبيبة. كنتُ أرى في كلٍّ منهم سماتٍ خاصة تجذب السامعين: فمنهم من يأسر القلوب باستشهاداته الشعرية، وآخر بسعة اطلاعه في ميدان التاريخ، وثالث في حسن تنظيم مادته المنبرية.
أما الملا طاهر، فقد كان له نصيبٌ من كل تلك الجوانب، لكنه تفرّد بطابع خاص يميّزه: التفاعل الصادق مع ما يقرأ. كان لا يتصنّع مشاعره، ولا يُبالغ في إظهارها، بل يتعاطاها بعفوية آسرة، تحفظ للمنبر هيبته، وتُضفي عليه مسحة من الوقار والوجاهة.
لم يكن حضوره يفرض الاحترام عن رهبة، بل كان مقامه في النفوس مقام التقدير والتبجيل، سمات خالصة كان يمتلكها؛ تُشعرك، وأنت تستمع إليه، بأنك في حضرة رجلٍ لا يخيب عنده أحد في مواساة آل رسول الله (صلوات الله عليهم). كان يُشبع نفوس مستمعيه بما يفيضه عليهم من أطوار تخلع القلب حزنا على آل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وآهات وشجن، حتى يعود كلّ منهم وكأنه غسل قلبه بندبةٍ صادقة، أو دمعةٍ خاشعة.
ما زالت ذاكرتي تختزن مواقف لا تُنسى من صدق مشاعر الملا طاهر البحراني، تلك التي لا يُمكن تمثيلها أو استنساخها، لأنها كانت صادرة من أعماق قلبٍ اعتاد أن يحيا بالحسين، ويحزن للحسين، ويذوب في مجالسه شوقًا ولوعة.
إحدى تلك اللحظات التي تظهر فيه مشاعره الصادقة، عند ختام خطبته الحسينية في ليالي المحرّم؛ إذ كان يبلغ مجلسه الذروة، فيرمي الجميع شواغلهم، ويخلعون علائقهم، وكأنهم حضروا لشيء واحد فقط: أن يبكوا الحسين عليه السلام. والمفارقة أن الملا لم يكن يجهش بالبكاء أمامهم، ولكن قلبه كان يعتصر ألمًا، وملامحه تتكلم بالصمت، فينقل التأثر إلى الحضور من دون صخب، فيخشع المجلس، وتغمره رهبة الفقد والولاء.
أجل.. وكان هذا التأثر الصامت هو سرّ تعلق القلوب بمجلسه عامًا بعد عام .
لكن أعمق ما رأيتُ من صدق مشاعره، حين فُجِع برحيل نجله الشاب، الأستاذ جعفر في عام (1403هـ- 1983م )، ذلك المثقف الواعي الذي كان صديقًا لنا، ورفيق فكر ومجلس. يومها، كان الأبُ الحزين هو ذاته الخطيب الحسيني الذي طالما بكى وأبكى على شباب الطف، وإذا بالجرحين يلتقيان: جرح الطف وجرح البيت، فإذا بالمجلس يتحوّل إلى مأتمين… مأتم الحسين، ومأتم جعفر وأخته، اللذين رحلا في عمر الورد.
لقد أبكى الملاُ الجميع، لا بصوته فحسب، بل بحاله الذي امتزج فيه الحسين بأولاده، حتى إن الخطباء الذين شاركوا في العزاء حاولوا التخفيف عنه بذكر شموع كربلاء التي ذابت في ظهر عاشوراء. وأذكر جيدًا كيف فُتحت أبواب البكاء حين أنشد أحدهم أبيات الشاعر ابن فايز:
نوحي على الأولاد يا زهرا الحزينة
في كربلا واحد وواحد في المدينة
عندها ضجّ الملا بالبكاء، وضجّ المجلس كله، ولا أدري كيف كان ذلك الضجيج، أكان مرآةً لمصابه الشخصي؟ أم مرآةً لفجيعة كربلاء وقد انعكست على جدران الحسينية والمعزين؟
كانت تلك لحظات لا يُمكن وصفها، لأن الحزن فيها كان من معدنٍ آخر… معدن الولاء والفقد معًا.
وهذا الصدق العميق في الحزن، كان يقابله شموخٌ في الأخلاق وتواضعٌ في المعشر، وهو ما يكمل صورة تلك الشخصية الفذة التي عرفناها..
من الشمائل التي اجتمعت في شخصية الملا طاهر البحراني، والتي عرفها القاصي والداني، ما كان عليه من شموخ وهيبة ووجاهة اجتماعية، لا تخفى على من عرفه أو جاوره في ميدان المنبر والمجالس. ومع ذلك، كان من ألطف الناس خلقًا، وأكثرهم ودًّا ومودّة، لا يتردد في إظهار مشاعره تجاه من يحب، بل يبادر بكل تواضع ليُشعر الآخرين بقيمتهم في قلبه.
وقد لمستُ ذلك منه في مواقف عديدة، لكن أعظمها وأبلغها وقعًا في نفسي، حين توقّفت سيارة عند منزلي، ونزل منها سائق خاص ليطرق الباب. وعندما خرجت، علمت أن الذي في السيارة هو الملا طاهر بنفسه، وقد حضر خصيصًا ليُوصل لي قصيدة نظمها ابنه الأستاذ علي، لما بلغه من اهتمامي بجمع التراث العلمي والأدبي في الأحساء.
لم ينزل من السيارة، ولم يكن ذلك عن ترفّع، بل عن وقارٍ اعتاد عليه، فبادرت أنا بالذهاب إليه، توقيرًا لشأنه، وإجلالًا لمقامه، وتبادلنا كلمات قصيرة كانت وقتها غنية بالدلالة والعاطفة.
لقد كنت أقرأ في عينيه الفرح والنشوة، ليس لأنه يحمل ورقةً فقط، بل لأنه كان يحمل بصمة ولائية، امتدادًا لما طالما نادى به في خطبه الحسينية: أن على الفرد الصادق في ولائه لآل محمد -صلوات الله عليهم أجميعن – أن يترك خلفه من يواصل مشوار الولاء ، والقيم التي ضحّوا من أجلها بأرواحهم وسعادتهم.
وكان المشهد أبلغ من الكلمات… لقد كان الأب الذي غرس وسمّى، ثم جاء يحمل الثمرة بيده، ليجعلني طريقًا لوصولها إلى فضاء القراء النوعيين، ممن يقدّرون الكلمة الولائية ويحتفون بأدبها.ويحق له ذلك، بل وأكثر، فإن نجله الأستاذ علي البحراني كان وما يزال أيقونة أدبية ولائية، لم تخفت أنوارها، وقد تشرّفت حينها بأن استلمت منه رائعته الولائية التي ألقاها في حفل الغدير بحسينية بوخمسين عام 1413هـ، وقدمها لي في العام التالي 1414هـ، ما يدلّ على متابعته الدقيقة لنتاج نجله أولًا بأول، وحرصه على أن يقدّمه لمن يقدّر الكلمة الولائية ويحتفي بها.
وإذا تأملت المقطع الأول لهذه القصيدة، أدركتَ سرّ فخره بها، فقد جاء فيها:
شوقٌ إلى قدسك السامي أعانيهِ
وموعدٌ لجلالِ الحَقِّ أوفيهِ
ولوعةٌُ لسناء الفَضلِ تَغمرني
أبا الحسين وهديٌ أنتَ تهديهِ
ورَوعـةٌ أنتَ معناها تُعانقـنـي
فِكرًا، وتمنحني ما لستُ أُخفيــهِ
ونفحةٌ طوّقَتْ تـاريـخَنا عَبقـًا
من راحتيكَ وفاضت في حواشيهِ
أبا الحسينِ، وما لي عن هواكَ غِنىً
يُعيدُني للهوى شوقٌ أُناغيهِ
تلفُّني في الدياجي عبرةٌ سُكبتْ
من مقلتيك، ووِردٌ كنتَ تحييهِ
وهمهماتٌ إذا ما الليلُ خالطها
سرتْ تعانقُ دمعًا من مآقيهِ
وأستعيدُ رنينَ السيفِ في أذني
فتطربُ الأذنُ من تطريبِ ماضيهِ
ويرجعُ الصوتُ يشجيني وإن بَعُدَت
بيني وبينك آمادٌ فأطويهِ
صوتٌ يُجلجلُ في الآفاقِ ما برِحَت
أصداؤهُ صرخةً في مسمعِ التيهِ
في مسجدِ الكوفةِ الغرّاءِ شقشقةٌ
هدرتْها، فأبانتْ كلّ تمويهِ
أجل، يحق له أن يفخر بهذه الأيقونة الأدبية… التي تُواصل حضوره في مشهد الولاء بروحه، وإن غاب عن الأنظار شخصه.
وختاما أقول: إن سيرة الملا طاهر البحراني في ذاكرتي ليست مجرد صدى لصوتٍ خطابيّ، بل تجسيدًا حيًّا لمعنى الولاء الذي يُعاش حزنًا وفرحًا، صبرًا وفخرًا، دمعةً وقصيدة. رحمه الله رحمة الأبرار، وألحقه بمن تولاهم وأحبهم صلوات الله عليهم أجمعين.. هذا والحمد لله رب العالمين.
Alahsa Turath تراث الأحساء