الرئيسية / شخصيات تاريخية / المهندس مهدي بن ياسين الرمضان

المهندس مهدي بن ياسين الرمضان

بقلم / سلمان بن حسين الحجي

كانت معرفتي بالأخ المرحوم المهندس مهدي بن ياسين الرمضان مع الفوز بعضوية المجلس البلدي عام: 1426هـ، ترجم في كتاب هكذا وجدتُهم ص: 749، ومن ذلك التاريخ حتى كتابة هذه السطور، أستطيع القول إنني معجب بهذه الشخصية للأسباب التالية:

(1) شخصية تجبرك على احترامها لما يتعامل به مع الآخرين من احترام وتقدير وتواضع.

(2) يتمتع بقدرة على إدارة وقته، وتوزيعه بدقة، وهو سبب نجاحه في مشاريعه التجارية والأسرية.

(3) يعشق القراءة، ويتابع مستجدات الساحة الثقافية، ويوثق بين الحين والآخر ملخص حراكه الثقافي في قوالب مقالية.

(4) داعم للمشاريع الخيرية، ومتبن بعض اللقاءات الثقافية، وله بصمة بمشاريع تنموية عدة، ويستعان به في حلحلة بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية.

(5) يشجع الكوادر الشابة، ويرفع معنوياتهم، ويشحنهم بطاقة إيجابية تدفعهم نحو السير للتميز.

(6) تواجده في مختلف المشاريع التي تتطلب أمثاله.

(7) يملك مهارة في أن تكون شخصيته مقبولة لدى كافة الاتجاهات والأطياف بالمجتمع.

(8) احترامه للرأي الآخر، والتزامه بآداب الحوار.

(9) كفاح وصنع مجد وتنمية ذات.

(10 يذوب في المشاريع التي تنمي مستوى التفكير، وتشجع على التنمية، وتقوي من العطاء الوطني، وتوجد التعايش بين مختلف الأطياف بالمجتمع.

السيرة الذاتية:

المهندس مهدي بن ياسين بن عبد اللَّه الرمضان، من مواليد عام: 1365هـ، حصل على شهادة البكالوريوس تخصص علوم زراعية من الجامعة الأمريكية في بيروت عام: 1969م، وحصل على شهادة الماجستير تخصص علوم زراعية من جامعة شمال ويلز – المملكة المتحدة – عام: 1975م، شريك ورئيس مجلس إدارة شركة الياسين الزراعية: 1993م، مهندس زراعي بوزارة الزراعة والمياه: 1969-1973م، خبير أبحاث زراعية بوزارة الزراعة والمياه: 1975- 1993 م، عضو مجلس المنطقة الشرقية: 2001- 2005م، عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية والصناعية بالأحساء (لدورتين)، عضو مجلس إدارة الشرقية للتنمية الزراعية (ثلاث دورات)، عضو مجلس مديري شركة الأحساء للصناعات الغذائية – مصنع التمور، رئيس مجلس إدارة الجمعية التعاونية لتسويق البيض والدجاج اللاحم بالأحساء، عضو اللجنة الوطنية الزراعية، ومن العضويات السابقة: عضو مجلس إدارة جمعية البر بالأحساء، عضو في صندوق الزواج الخيري بالأحساء، عضو لجنة الإشراف المحلية على انتخابات المجلس البلدي بالأحساء، عضو مجلس إدارة صندوق التنمية الزراعية، عضو مجلس إدارة هيئة الري والصرف، عضو مجلس إدارة جمعية النخلة التعاونية، عضو مجلس أمناء جائزة الأحساء، ممثل غرفة الأحساء في مجلس الغرف السعودية بالرياض، ساهم بورقة عمل عن المياه في الأحساء في المنتدى الاقتصادي للأحساء: 2003م، ساهم في مؤتمر الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي، له مساهمات مختلفة في نشاطات الغرف التجارية، وفي مجال إدارة الأعمال، والقطاع الزراعي السعودي، من اهتماماته والهوايات: الاطلاع على المستجدات في مجال العلوم الإدارية والاقتصادية، ومجال التقنيات الزراعية، والاهتمام بمجالات الاقتصاد والسياسة والشؤون الاجتماعية في المنطقة والقراءة في مجالات علوم الفيزياء، والفلك،،

لنتابع مراحل حياته التي لخصها لنا:

(1) المرحلة الأولى من حياتي: اللعب، اللعب، ثم اللعب:

ولدتُ وترعرعتُ، وأكملت دراستي في المراحل الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية في البحرين. وكانت البحرين في الخمسينات والستينات من القرن الماضي أيام الاستعمار البريطاني مقارنة بمجتمعات دول الخليج والأحساء في المملكة أشبه ما تكون بسويسرا المنطقة لانفتاحها الحضاري والثقافي، فوجود خليط من الجنسيات والخلفيات الإثنية تتعايش في بيئة مدنية منفتحة، مع وجود دور السينما، والمسرح، والمقاهي، والحدائق، والمكتبات، والنوادي الرياضية والأدبية، والمدارس الأهلية لتدريس اللغات، جعلت من البحرين مركزاً حضاريّاً إقليميّاً، ونقطة استقطاب للعمل والعيش المريح الممتع لسكانها، وللمغتربين فيها من دول الخليج ولزوارها.

كان النظام التعليمي متطور بمقاييس ذلك الزمن، حيث يبدأ تدريس اللغة الإنجليزية من الصفوف الابتدائية الأولى، والنظام الإداري الإنجليزي الحازم يسّير الحياة اليومية بانضباط وعدل. وسط هذه البحبوحة الحضارية من العيش، بدأت مرحلة حياتي المبكرة. لم يكن والدي رحمه اللَّه متعسفاً، أو صارماً في تربيتنا، بل كانت للحرية مساحة واسعة في فكره، وفي سلوكه معنا، الأمر الذي سمح لي ولإخواني أن تكون لنا خياراتنا اليومية ضمن حدود الأدب وسلامة السلوك. كان خياري هو اللعب اليومي في الفريج ومع الأقران، وكان هو عنوان تلك المرحلة من عمري، اللعب غالباً كان يتم بشكل جماعي بعضه مخصص فقط للذكور، والبعض الآخر مختلط بين الجنسين، ولكن كانت تحكمه البراءة بين الذكور وبنيات الفريج من الإناث في الحارات من تلك الألعاب، كنّا نلعب التيلة، والقلينة، والصرقيع، والدوامة، والحنبوص، ولكل من هذه اللعب موسمها المحدد الذي ينشغل فيها الجميع.

تعرفتُ خلال فترة الصبا والعمر اليافع على أصدقاء العمر مثل: إبراهيم الدهمش، وعباس التحو، وجواد الشيخ، وعلوي الهاشمي، ومحمد السليمان، ومحمد بن موسى بوحليقة، والعم عبد الحميد الرمضان، وغيرهم من الأصحاب، وشكلنا شلة بقيت متلازمة طوال فترة الدراسة حتى الانتهاء من المرحلة الثانوية. بداية كنّا محصورين ضمن نطاق الفريج، وما حوله من حارات، أو الذهاب للتسكع في الأسواق، أو بقرب السينما عصراً، وبعدها زادت جرأة الفعاليات وتوسعت مساحتها الجغرافية، فلم يعد لعبنا ومرحنا ينحصر في الفريج، فكنا نذهب ماشين لمسافات، ولساعات لنصل للسباحة في عيون المياه مثل: عين أم شعوم، وعين عذاري، وغيرها، ونتحيّن الفرص، ونغافل الأهل، تفادياً للعقاب للذهاب مرات للسينما.

كان موسم العشرة من محرم موسماً مشهوداً ومؤثراً جدّاً في وجداننا، وصياغة مفاهيمنا المبكرة عن واقعة كربلاء، خلال أيام عاشوراء يتزايد نشاطنا، كما كنا نسهم في تقديم الخدمات للمستمعين في مأتم الحساوية بتقديم المياه الباردة والشربت، وكان حينها لمأتم الأحسائيين دور كبير في إقامة الشعائر والقراءات الحسينية، خاصة مع تواجد جالية أحسائية كبيرة من المخايطة والفلاحين والكسبة والتجار المقيمين في البحرين، بعد القراءة الحسينية ليلاً، تخرج مواكب العزاء من المآتم على هيئة حلقات، كل حلقة تحفظ جزءاً من أبيات شعر ومقاطع كلامية تختص بواقعة الطف، لتذكّر ما حدث للحسين عليه السلام، وأهله، وأصحابه، وتكملها الحلقة التي تليها والتي تليها تكمل سابقتها.

ولوجود أعداد كبيرة من المغتربين الأحسائية، كان عدد حلقات عزاء الحساوية لا يقل عن عشر حلقات، يتقدمهم حاملو الأعلام والأنوار ورؤساء المواكب، ومنهم: المرحوم الحاج ميرزا طاهر التحو الذي يقرأ قصائد النعي الشجية. يتزامن موكب الأحسائيين في مسيرته حسب ترتيب زمني دقيق ليلتحق بمواكب عزاء مآتم أخرى، وتسير كل المواكب في خط متفق عليه بين الحارات، والشوارع حتى تعود مرة ثانية لمواقع حسينياتها، ويستغرق فترة مسير الموكب حتى يعود لمقره حوالي ثلاث ساعات تقريباً. كنّا نتابع المواكب في مسيرتها، وكنا نسير حفاة لمواساة الحسين C في مصابه بحسب قناعتنا. ترك ذلك المشهد بصماته وآثاره على نفوسنا الغضة من أيام الصبا المبكر، وخاصة وقع أحداث نهار يوم العاشر، حيث قمة المأساة وتمثيلها على المنبر ابتداءً، وفي المواكب التي تجلب لها الخيول، والرايات، والتشبيهات، لاستثارة العواطف والشجن، وكانت النساء والأطفال يملأن أطراف الشوارع في طريق المواكب، والجو مشحون بالحزن والأسى والبكاء. إنها من المشاهد التي لا تنسى بمواكب العزاء والتجمعات والمسيرات، فكنا نلاحق مواكب التطبير، ونشاهد حينها بإعجاب شديد المطبرين يدمون رؤوسهم.

بشكل عام كانت هذه مرحلة من عمري حتى سن عشر سنوات تقريباً، بما تضمنته من صداقات، وبما اتسمت به من حرية شبه تامة في أوقات اللعب، شكلت نوعاً من الإشباع لنهم ودافع نفسي وفكري طفولي، فأخذتُ حقي كاملاً بالتمام في حصة اللعب بدون حسرات لاحقة، لفوات فرص لعب ومرح.

وأظن انعكس ذلك على شخصيتي لاحقاً بعدم وجود عقدة شعور بالغبن لتفويت فرصة المرح واللعب في الطفولة.

كان والدي ياسين رحمه اللَّه من خيرة الآباء فهماً وإدراكاً لأسلوب التربية السليم، فمنحنا عطفه ودلنا بصداقته معنا على الطريق السوي في الحياة، ودفعنا لطلب العلم وللاستزادة منه، تسانده في ذلك وتدعمه والدتي أطال اللَّه عمرها في رعايتنا وتربيتنا. لا زلتُ أتذكر بشعور عميق من الحنين لجلسات الفطور صبيحة أيام الجمع ففيها يلتم الشمل للأسرة، ويجمعنا كلنا، ويفتح رحمه اللَّه لنا قلبه، ويقضي ما لا يقل عن ساعة في أحاديث شتى ممتعة، بأسلوبه الرائع، فكان يمثّل القصة تمثيلاً ليضحكنا. فكان يسرد لنا قصص مقالب أصدقائه في الأحساء، ويروي لنا عن الأحداث التاريخية الإسلامية، ويدخل ضمنها نصائحه وتبياناً لبعض المسائل الفقهية.

أكسبتني جلسات الجمعة معرفة مبكرة، وزادت اهتمامي بالانفتاح على العالم، وشوقاً لمعرفة المزيد. كان F رجلاً صاحب مبادئ، لا يهرب من مسؤولية أبداً، فقد كان يدير فرع عمل جدي الحاج عبد اللَّه في البحرين، حيث يشتري البضائع من السوق المحلي أو يستوردها من الهند وإفريقيا ليعيد شحنها بالبواخر الصغيرة لميناء العقير، ولاحقاً لميناء الخبر، ومنها للأحساء لمحل جدي. كان رحمه اللَّه علماً ورمزاً في عشيرة الرمضان في الأحساء، حتى وهو في البحرين بحبه لأهله، ومواصلته لهم، واستضافته في منزلنا من يأتي منهم للبحرين للعلاج، وكانت له صداقات قوية مع كل أطياف المجتمع البحراني من المسلمين الشيعة، والسنة، وغير المسلمين من البونيان، واليهود، والمسيحيين، فليس لديه تحسساً أو انعزالية تجاه المختلف في البحرين، أو الأحساء، ذو رأي سديد، يلجأ له البحارنة في الملمات والأزمات، التي تمس الطائفة الشيعية أيام الاحتلال البريطاني للبحرين. كان أديباً وشاعراً، وصاحب مبادرات اجتماعية، وخيرية، إضافة لكونه مثقفاً واسع الإطلاع يقرأ بنهم، ومشترك في المجلات والدوريات التي تصله من دور النشر في لبنان و مصر، ولديه مكتبة زاخرة بأنواع العناوين. تعلمتُ منه التجارة، وأهمية العمل الجاد والمثابرة، وأخذ المبادرات، والتعبير بصدق عن حبي لمن أحبهم، ودفعني بحبه وصداقته لي للسير في طريق العلم والدراسة لأكون محبّاً للاطلاع، ومجتهداً في التحصيل الدراسي حتى إنه بعد انتهائي من المرحلة الإعدادية، قرر أن يبعثني للدراسة في إحدى المدارس الأهلية الداخلية في لبنان، فكان ذلك المشروع مصدر فخر لي وسط الأصدقاء وتبهرجي عليهم بالسفر والعيش في لبنان. أعددتُ العدة وتجهزتُ للرحلة بتفصيل البدلات، وشراء الملابس، وتوديع الأصدقاء في البحرين، والسفر للأحساء لاستخراج جواز السفر، وقطعتُ تذاكر للسفر بالطائرة لمطار دمشق، ولكن تشاء الصدف قبل يوم من موعد سفري من مطار الظهران أن يحدث انقلاب عسكري سوري عام: 1961م والانفصال بين طرفي الجمهورية العربية المتحدة. فعدتُ للبحرين خائباً كي لا تفوتني الدراسة، وتلقيتُ ألم شماتة الأصدقاء وهزلهم، وبعد أن أكملتُ دراستي الثانوية عام: 1964 م قرر والدي أن أتوجه للدراسة على حسابه الخاص في الجامعة الأمريكية، وكانت وقتها تعد أرقى وأقوى جامعات الشرق الأوسط.

(2) المرحلة الثانية: بناء الشخصية:

قبل وصولي بيروت، كانت والدتي قد سافرت للزيارة في العراق مع أخي الحاج منصور الذي اضطر للعودة للبحرين، فكان أن طلب مني والدي السفر لأكمل فترة زيارة والدتي للعراق، ومنها أتوجه بالباص إلى سوريا، ومن ثم بيروت. تركتُ والدتي بمعيّة العم المرحوم السيد عبد اللَّه اليوسف، لتكمل زيارتها، وتعود للبحرين معه، وسافرتُ عن طريق الحافلة من بغداد عبر منفذ الرطبة إلى دمشق، وصلتُ بيروت بعد أن أمضيتُ أسبوعاً في سوريا، والتقيتُ ثلاثاً من خالاتي وأزواجهن وأبنائهن، ولم أكن قد تعرفتُ عليهن من قبل، فقد كن يقمن في الكاظم بالعراق، ومنها انتقلن للسكن في الشام، حيث أزواجهن يعملون في خياطة المشالح. كان أسبوعاً جميلاً اتسم بكرم ضيافة، وحسن استقبال خالاتي وأزواجهن لي، فسعدتُ مع أقراني من الأولاد كثيراً بزيارة معالم دمشق، وأسواقها، ومتاحفها، وسينماتها. رحلتُ من دمشق لبيروت لأستقر في السكن مع خالتي الرابعة المقيمة مع زوجها في منطقة الشياح في الضاحية الجنوبية من بيروت. توجهتُ لحرم الجامعة الأمريكية في اليوم الثاني لوصولي بيروت، وبدأتُ مرحلة التسجيل، واستلمتُ استمارة التسجيل، وكانت الدراسة باللغة الإنجليزية، ولكي أعبئها كان لزاماً عليّ أن أشتري قاموساً أترجم كلمات الاستمارة للعربية كي أفهم المطلوب. أنهيتُ التسجيل، وتقرر أن آخذ فترة صيف لدراسة كورس إنجليزي، ويوم بدء الدراسة التقيتُ بعدد من زملاء الدراسة في البحرين المبتعثين، فخف بلقائهم شعوري بالغربة. ودرسنا كورساً في اللغة الإنجليزية مكثفاً، أعطانا دفعة قوية لرفع مستوانا. بعد إنهاء دراسة اللغة، تقدمتُ للالتحاق بكلية الزراعة، والسبب في اختياري لهذا التخصص، أني كنتُ أهوى دروس مادة الأحياء في الثانوية، ولجمع هذه الهواية مع الرغبة في الدخول في مجال العمل التجاري لاحقاً، الذي أيضاً كنتُ شغوفاً بممارسته، ووجدتُ أن الزراعة هي ما يمكن أن يوفر لي مجال الجمع، والتوفيق.

كان عليّ أن أتكيف مع بيئة الجامعة بعد استقلالي عن أهلي في البحرين، واستلامي لزمام أموري بعيداً عن أية رقابة، وأنا في سن مقتبل عمر الشباب، فوجدتُ تحديات كبيرة وحقيقية عليّ مواجهتها للمرة الأولى، فأنا هنا أمام بيئة دراسية جادة لا ترحم المتخاذل، وفي ذات الوقت لا تماثل ما أعتدتُ عليه، فهي دراسة مختلطة، ومتوفر فيها كل المغريات، وفي بلد مفتوح، لا توجد فيه خطوط حمراء، وأنا مطالب أمام كل ذلك بتحقيق نتائج أكاديمية، لم أكن مسلحاً نفسيّاً لها، أو أعي متطلباتها حينها، ففي المذاكرة لسيل الامتحانات المتلاحقة في النظام الأمريكي في الجامعة الأمريكية، لم أتكيف بداية الدراسة بل وصلتُ على نفس منوال ما تعودتُ عليه أيام دراستي في البحرين، حيث المذاكرة للامتحان النهائي لا تتم إلا قبل أسبوع أو أسبوعين من الامتحان، فشلتُ في الفصل الدراسي الأول، فكانت درجاتي فضيحة تفشل وتقطع الوجه. والأسوأ أن نسخة من تلك الدرجات أرسلتها الجامعة للبحرين لوالدي ليطّلع عليها، شعرتُ بالمرارة القوية والخجل، وانتابني خوف شديد من عدم قدرتي على مواصلة الدراسة. ومن حسن حظي ربما كان وجود طالب لبناني اسمه هاني شاتيلا هزأني أمام الطلاب من الجنسين لسوء درجاتي، وأشعل بذلك شعلة التحدي بداخلي، وقررتُ أن أقبل التحدي، وأتغير في طريقتي الدراسية. لاحظتُ أن الطلاب اللبنانيين بالذات لا يلهون أو ينشغلون عن المذاكرة طوال أيام الأسبوع عدا نهاية الأسبوع فقط، فلا نجدهم في السينما، أو يتسكعون في الشوارع فهم يختلفون تماماً في إدارتهم للوقت، وأساليب مذاكرتهم عن الخليجيين، فعرفتُ أنهم يذاكرون أولاً بأول، ويحضّرون للدرس القادم، ما يساعدهم على دقة الحوار في الفصول مع المعلمين. بعد اكتشافي للمعادلة، طبقتها بجد على نفسي، فوجدتُ الفرق الشاسع في كمية التحصيل، وجودة الفهم، وشدة الاستيعاب للمعرفة.

حققتُ في الفصل الثاني من السنة الأولى أول تفوق دراسي في حياتي منذ الابتدائي، وأذهلتُ بذلك زميلي اللبناني هاني الذي غير نظرته بعدها عني، وأرسلتُ النتيجة لوالدي، وكانت مصدر فخر لي. لم أتخلف عن تحقيق نتائج متميزة بعدها طوال فترة الدراسة في كلية الزراعة، حتى تفوقتُ على هاني وغيره من اللبنانيين.

كان مجتمع الجامعة مجتمع دولي بامتياز، حيث يضم ما يزيد عن أربعين جنسية من الطلبة، وبه حراك ثقافي عالي الوتيرة، إضافة لوجود كل أحزاب قومية وأممية يمكن تخيله. جل الطلاب تقريباً مسيسين عدانا نحن السعوديين والخليجيين. بعد رحيل خالتي وزوجها من لبنان لدمشق، سكنتُ في شقة مشتركة مع طالبين في كلية الزراعة أردني وفلسطيني، لم أعرف عن خلفياتهما شيئاً يذكر، عدا عن كونهما من زملائي في كلية الزراعة. وفي أحد الأيام، وبعد فترة ليست قصيرة اكتشفتُ أنني ساكن مع بعثيين، وكانا يعقدان اجتماعات حزبية لدينا في صالة الشقة، وأنا يا غافل لك اللَّه في غرفتي أذاكر، ومن طرائف تلك الفترة حدث أن انقطع الماء عن عمارة سكننا، وغيرها في الحارة لفترة يومين، ولم نجد ماءً يكفي للاستحمام، فبقينا ليومين بدون استحمام حتى أصلح الخلل، وتوفر الماء ذات مساء، وسبقتُ زميلي بالدخول للاستحمام. كان الماء دافقاً قويّاً وساخناً، وأنا مستمتع وأغني، وإذا بباب الحمام يرتج بقوة مرة ومرتين وثلاث، فظننتُ أن زميلي الأردني فاروقاً أو موفقاً يريدان استعجال خروجي، فصرختُ إنني لم انته بعد. خرجتُ أنشف جسمي من الحمام، ولم أجد صاحبيّ في الشقة، بل سمعتُ ضوضاء، وصخباً، وجلبة عظيمة في الشارع، فنظرتُ من الشرفة، وكنا في الدور الخامس، فرأيتُ منظراً غريباً، والشارع مكتظ بالناس من الرجال والنساء، بعضهم بملابسهم الداخلية، والبعض يحمل الشنط، ويتراكضون في كل اتجاه، فقلتُ: ربما هي خناقة كبيرة بين الجيران، غيرتُ ملابسي على مهلي، ونزلتُ للشارع أسأل ما القضية، فنظر أحدهم لي باستغراب قائلاً: «ولو يا خيي ما بتعرف أن زلزالاً ضرب شووين كنت حضرتك…؟».

أنا طبعاً أصبتُ بالهلع بأثر رجعي، متخيلاً منظري ميتاً في الحمام تحت الأنقاض، عارياً كما خلقني ربي،

انتقلتُ بعدها في موسم دارسي آخر للسكن في شقة مع فاروق وقبرصي اسمه جورج.

جورج هذا أقرب أن أسميه أرسطو، تعلمتُ منه الكثير في تقييم الحياة، والاستمتاع بالوقت. من أقواله التي لا زلتُ أذكرها وأكررها للجامعيين من الأبناء: إنك في الجامعة تؤسس ليس فقط لمهنتك، بل الأهم لصياغة شخصيتك وترسم لمسيرة حياتك فلا تخسر حياتك بسبب تلهفك على تحقيق تفوقك فقط.

أقنعني بأن أقبل بدرجة: 95 في الامتحان بأداء مريح بدلاً من الانتحار كي أحصل على درجة: 98، لأن الفرق في كلفة حصولي على آخر ثلاث درجات تساوي كل كلفة الخمسة وتسعين التي قبلها. أقنعني أن أخصص الوقت الذي كنتُ سأبذله للحصول على الثلاث درجات الأخيرة، بالتعرف على شؤون الحياة، وبناء شخصيتي وثقافتي، بقراءة الكتب، والجرائد، والاستمتاع بالحياة بشكل عام. كان يكرر القول بأن قبرص مثل الأحساء مشهورة بحميرها، فكان يقول لي: ليست الأحساء أو قبرص محتاجة لحمار إضافي مثلك أو مثلي، ففيهما ما يكفيهما من الحمير.

ثم يضيف جورج: الجامعة يا صديقي فرصتك التي لا تعوض لتخلق لك أسلوب حياة، ولتخلق لك شخصية متكاملة الجوانب، فلا تضيع الفرصة في غير ذلك.

لعلها أثمن نصيحة تلقيتُها، وعملتُ بها، وعلى تحسين تطبيقها، فقد تنبهتُ مبكراً لمطب يقع فيه الكثيرون، وهو بذل كل جهدهم ووقتهم لتحقيق نجاح في ناحية واحدة من نواحي الحياة، ويكون ذلك بدفع أثمان باهضة بخسارة تحقيق أي شيء ذا قيمة في النواحي الأخرى. تعلمتُ من الممارسة لهذه الفكرة الفلسفية في حياتي: أن النجاح الكامل هو مجموعة متراكمة من نجاحات صغيرة، وإن النجاح الحقيقي الكبير هو أن تحقق مجموعة كبيرة من النجاحات في مجالات عديدة من الحياة، وليس في مجال وحيد.

ألم أقل لكم إن القبرصي هو أرسطو.

(3) مرحلة بناء الحياة العملية:

رجعتُ بعد التخرج من كلية الزراعة للعمل لدى وزارة الزراعة والمياه على وظيفة باحث زراعي في مركز الأبحاث الزراعية بالأحساء، تخصصي كان إنتاجاً حيوانياً، وفي مركز الأبحاث كان يوجد قطيع من سلالة أبقار هولندية وسلالات أغنام محلية، فأعددتُ ورقة عمل للتعرف على تلك السلالات وإمكانياتها الإنتاجية، ثم أعددنا مع بعض المهندسين سجلات لها لتدوين إنتاجها، وتنظيم مواسم التلقيح، وعملتُ بعض التحارب على تغذيتها، وقّعت الوزارة اتفاقية إجراء أبحاث وتدريب مع جامعة شمال ويلز، وحضر مجموعة من الخبراء لمركز الأبحاث، وتطور العمل البحثي، وأدخلتُ أصنافاً جديدة من السلالات، وأصنافاً من نباتات الأعلاف، وأجريتُ أبحاثاً على الأبقار والأغنام، وكانت نتائجها مفيدة جدّاً لمشاريع الألبان، التي أنشئت في فترات لاحقة في المملكة.

وخلال بداية عملي في المركز كانت تراودني فكرة إنشاء مشروع دواجن خاص، وفاتحتُ والدي وإخواني وتمت الموافقة، وبدأنا البحث عن موقع للمشروع، واشترك معي في ذلك المرحوم الخال الحاج عبد الهادي بن الشيخ أحمد بو حليقة، فحصلنا على مزرعة مناسبة في قرية التهيمية بها مصدر مياه، ويمكن إنشاء حظائر الدواجن بها، بدأنا التأسيس ببناء الحظائر فراسلتُ شركة أمريكية لجلب المعدات اللازمة منها، وتم تركيب المعدات، وتجهيز الموقع، وباقي إحضار الصيصان، والمصدر حينها كان من بلجيكا بالطائرة للمراسلة مع الشركة البلجيكية، فكنتُ اذهب للخبر لفندق الخاجة لوجود جهاز تلكس لأرسل الطلب، وأتلقى الرد بالموعد، وفي يوم حضور الصيصان، كنتُ أذهب ليلاً لمطار الظهران بسيارة ونيت بهدف توصيل الشحنة للمزرعة وتفريغها في الحظائر. وقد كانت هذه الفترة من حياتي صعبة من ناحية ضغوط الوقت، والجهد المبذول لتلبية متطلبات العمل الرسمي والشخصي في المزرعة، فكنتُ أعمل بمعدل لا يقل عن ثمانية عشر ساعة يوميّاً. خلال نفس الفترة أيضاً عرضت علينا الوزارة إكمال دراسة الماجستير مع الفريق الإنجليزي من خلال إجراء أبحاث للدراسة في الهفوف والسفر للجامعة لتقديم الرسالة والامتحان. التحقتُ بهذا البرنامج وزادت مسؤولياتي، وارتفعت الضغوط عليّ، وأمضيتُ سنتين قاتلتين حققتُ فيهما معجزة أداء في التوفيق بين العمل الخاص والعمل الرسمي خاصة بعد أن ارتبطتُ في برامج بحث دراسي بإشراف الخبراء معنا في المركز.

نجح مشروع الدواجن، وأنتجنا بيضاً في وقت كان البيض شحيحاً، والطلب عليه كبيراً ومتزايداً، وبعناه بأرباح فلكية، مع بداية الطفرة الاقتصادية الأولى.

وبعد إنهاء الأبحاث لرسالتي في الماجستير سافرتُ لبريطانيا لتحليل النتائج على كمبيوتر الجامعة، وقدمتُ الامتحان وحصلتُ على شهادة الماجستير بعد قضاء حوالي سنتين ونصف بين البحث و تقديم الرسالة. رجعتُ للبلد وقررتُ مع الإخوان مع بداية عام: 1980م أن نوسع عملنا بتأسيس شركة الياسين بهدف استيراد وبيع معدات الدواجن، وكان وقتها الطلب كبيراً على معدات الدواجن للتوسع السريع في إنتاج الدجاج اللاحم والبيّاض. استمرت المزرعة تعمل والشركة تتوسع، حتى وجدتُ صعوبة في الاستمرار في الوظيفة وإدارة الشركة، فقدمتُ استقالتي التي رفعت للوزير وكان حينها الدكتور عبد الرحمن آل الشيخ هو وزير الزراعة فرفضها، وطلب أن أقابله شخصيّاً. بعد مقابلتي أقنعني أن أستمر سنة أعمل لدى الوزارة، فقدمتُ مرة ثانية على الاستقالة، ووعدني على إنهاء إجراءات قبول الاستقالة، وبعد مضي ستة أشهر قبلها الوزير، وتفرغتُ للعمل في الشركة، وساعدني أخي الحاج محمد تقي، وأخي الحاج صادق خريج جامعة البترول بما يحمل من تخصص في الإدارة، وفتحنا فرعاً ثانياً في الدمام، ووسعنا النشاط ليشمل استيراد وبيع الأسمدة والبذور والكيماويات لتخدم مزارعي الخضار والفواكه والأعلاف والنخيل. استمر توسع الشركة بفضل من اللَّه، وبالعمل الجاد، وتقديم أفضل المواد التي نحرص على انتقائها من الأسواق العالمية، ونجربها فنيّاً في مزرعتنا للتأكد من فاعليتها. واصلنا النمو، وتم افتتاح فروع إضافية في المناطق الزراعية في المملكة حتى بلغ عدد الفروع حاليّاً اثنا عشر فرعاً، وتنامت مبيعاتنا، وعدد الموظفين ليبلغ مئة وعشرون أغلبهم مهندسون زراعيون.

تأسيس الياسين الزراعية هو مصدر فخر لي، فقد تمكنا بفضل اللَّه من الوصول بعمل الشركة لتكون أحد أكبر خمس شركات بيع مدخلات زراعية، وساهمنا بتحسين الإنتاج الزراعي في المملكة بإدخال أصناف متميزة من البذور، والأسمدة، والتقنيات الزراعية، مما ساهم في رفع الإنتاج وتحقيق مداخيل مجزية للمزارعين، وتوفير منتجات عالية الجودة بأسعار في متناول المستهلك. وأيضاً لأنني حققتُ حلمي بالعمل التجاري بما تعلمتُه واستقيتُه مبكراً من والدي التاجر، لا زلنا نطمح في مزيد من النمو بإدخال أقسام ري وميكنة، وتقنيات جديدة للشركة لخدمة القطاع الزراعي.

وخلال فترة العشرين سنة الماضية، كان لي شرف العمل الاجتماعي التطوعي، فأسستُ مع أبناء عمي مجلس عشيرة الرمضان، وساهمتُ بالعمل في جمعية البر بالأحساء، وكنتُ أحد مؤسسي غرفة التجارة، والعضو الأصغر سنّاً في دورتها الأولى، وعضوية مجلس المنطقة، ومجلس إدارة شركة الشرقية الزراعية، ورئاسة مجلس إدارة جمعية البيض في الأحساء، ومجلس إدارة صندوق التنمية الزراعية، وترأستُ مؤخراً فريقاً لإعداد دراسة مستفيضة لصالح صندوق التنمية الزراعية لتحسين تسويق الخضار والفواكه في المملكة، سيكون لها انعكاسات كبيرة على جودة وسلامة المنتجات المعروضة في الأسواق.

لم أغفل عن متطلبات العائلة الصغيرة، فعلاقتي الأسرية مرضية، وساهمت زوجتي بدور فأعل في تربية أبنائي. خرّجنا للمجتمع بحمد اللَّه ثلاث بنات جامعيات إحداهن حصلت على الدكتوراه في اللغة الإنجليزية، وأبناء أحدهم الدكتور محمد تخصص طبيب جراح، وأحمد مهندس كهربائي يعمل لدى شركة أرامكو.

لم يأخذ أي من أبنائي مهنتي في الزراعة أو التجارة، فقد تركتُ لهم الخيار كما أتاح لي والدي الخيار.

في النهاية، أظن أنني بفضل اللَّه حققتُ تجربة حياة ثرية، وسعيتُ أن أجيد وأتقن كل عمل أقوم به، وأكون منصفاً مع من أتعامل معهم، فحققتُ نجاحات ربما ليست باهرة، ولكنها متعددة على المستوى المالي والأسري والاجتماعي، وتمتعتُ بصداقات كثيرة ومتينة مع العديد من الأصحاب من كل الأطياف بدون حساسية، ولدي اهتمامات بالشأن العام، ورغبة للمعرفة في العديد من المجالات الثقافية.

لكل مرحلة من حياتي بهجتها وجمالها وإشباعها لرغباتي، فمرحلة الصبا كانت إشباع للعبي ومرحي، ومرحلة الدراسة إشباع لمعرفة أسرار الحياة وبناء شخصيتي وتحقيق خطي و منهجي فيها، وفي حياتي العملية إشباع لطموحي بتحقيق مستوى متميز بين منافسين، وفي الحياة الاجتماعية والثقافية أنا طالب نجيب أتعلم من الجميع، وأسريّاً لي حياة زاهرة في بيتي مليئة بالود والحنان والحب والاحترام والصداقة مع زوجتي وشريكتي، ولي أبناء كل منهم مصدر فخر لي ولأمهم،

المرحلة التي عشتُها شهدت تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة في منطقتنا ودولنا، واكتسبتُ منها الكثير، وسجل حياتي خلالها يشكل نوعاً من الشهادة على تلك الفترة، آمل أن يجد من يقرأها فائدة تاريخية، وعبرة لما واجهته من تحديات في بداياتي العملية، فلم أنهزم أمامها بفضل من اللَّه، وتمكنتُ من تحقيق ذاتي، وحاولت أن أحقق رضا ربي بحسن تعاملي مع غيري بعدل وإنصاف. كان عملي يقوم بالدرجة الأولى على بذل الجهد الشخصي دون تسلق على أكتاف أحد، ولذا شعرتُ بلذة كل منجز تحقق بفضل من اللَّه أولاً وبالمتابعة والمثابرة وعدم النكوص. صنعتُ مراحل حياتي واستمتعتُ بكل مرحلة، ولم أحرق أي منها على حساب الأخرى، ولو أعادني الزمن للماضي لما غيرت شيئاً في مسيرتي. (أنهى كتابة ذلك في يوم الجمعة 20/12/1437هـ، ونشر في المواقع الإلكترونية في 8/2/1438هـ، وتوفي رحمه اللَّه يوم الجمعة 28/11/1439هـ)

شاهد أيضاً

أمانة مسؤولية الأوقاف “الحاج علي بن عبدالله بن ابراهيم البحراني نموذجاً”

يا شيخَ ( بحرانٍ ) ويا عَلَماً بها …..بالتضحياتِ مضى وأفنى عُمرَهُ   بقلم الأستاذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *