الشیخ عبد الوھاب بن سعود الغریري( 1318 – 1418ھ) ،شخصیة حافلة – بالدروس والعبر،تراكمت لدیه معلومات وخبرات جمة من معایشته لواقع ازدھار المرجعیة الدینیة المحلیة،فقد عاصر الحكمة السیاسیة لدى أستاذه الشیخ موسى آل أبي خمسین في عھد نشأة الدولة السعودیة،وشاھد الحراك العلمي والأدبي للسید ناصر بن السید ھاشم السلمان،وعاین الزاد الدیني للشیخ عمران السلیم،وارتوى من الغذاء الفكري للشیخ حبیب القرین في تصدیه لمسؤولیاته الدینیة والاجتماعیة.إضافة لدراسته لدى المیرزا علي الإسكوئي،وعمق ارتباطه بالشیخ محمد الھاجري،والأدیب الشیخ عبد الكریم الممتن، وتحصلیه لدى الشیخ سلمان الغریري،والشیخ محمد البقشي،والشیخ أحمد البوعلي،والشیخ حسین الشواف،وتواصله مع ممثلي الاتجاھات الفكریة بالمنطقة.
فإذا ما أضفنا لذلك سجیة الشیخ الغریري السلمیة التي رصدھا القریبون منه والتي بدت وفق منھجیة واحدة سواء كان حال الحدیث أو الصمت،أمام الجمھور العام أو في جلساته الخاصة،في محضر مخالفیه أو في محضر مریدیه.فمشروعه الإیماني جامع لا مفرّّق،موحّد لا ممزّق،مقرب لا مبعدّ.ھذه السمة التي تقوم على الاندماج والتواصل مع الآخر مع الحفاظ على كامل مرتكزات الھویة،مكنته من احترام اجتماعي لمختلف المشارب الفكریة بالساحة الأحسائیة.ولكنه في الوقت الذي یرفض فیه التحجر والجمود،فإنه لا یدعم أي مشروع یظھر على الساحة إذا كانت آلیاته ناقصة بحسب رؤیته وتشخیصه. بل حتى المسائل التي تقع في مورد النزاع إن كانت ستقطف ثمارھا وفق مشارب سلمیة كان بھا،وأما إذا كانت الوصفة الفكریة المقترحة ستمّرض المجتمع على مستوى التفكك والتشنج والقطیعة بین الأرحام، بمعنى أن تكالیفھا الدینیة من وجھة نظره لا تمثل شیئا یذكر أمام منافعھا
فقطعا سیتجاھلھا،ولكنه في نفس الوقت لا یشھر سیفھ في وجه من یفجر بركانھا.لذا كان یمتنع بھدوء عن الإجابة عن بعض التساؤلات الخلافیة بما لا یتعارض مع وظیفة الأمر بالمعروف والنھي عن المنكر،كما إذا سئل سؤالا لا وزن لھ،أو أن الإجابة تجیرّ لمآرب أخرى ،أو أن كشف القناع عن بطون السؤال لا یضیف للسائل ثقافة یحتاجھا،أو أن الخوض في الإجابة على ذلك التساؤل الفضولي،سیحدث شرخا اجتماعیا یبعد المجتمع مسافات عن المبادئ التي تجسد التسامح والألفة والتواد.فكان یرى أن تلك المنطقة حمراء لا یجدي النقاش فیھا،بل أكثر من ذلك ومن وجھة نظره،قد تجر معھا مشاكل لا حصر لھا مع ھشاشة الأرضیة الثقافیة في مجتمعه التي لا تصمد مع طموحه على مستوى الحوار الھادف،ومساحة التعبیر عن وجھة النظر،وإیضاح الحقائق بشفافیة.وھذه السمة أبرزته في ساحته الاجتماعیة بمھارة مكنته من التعامل وبفن مع أطیاف المجتمع المختلفة،حتى أطلق

علیه بعض الأساتذة الأكادیمیین بالمصلح الاجتماعي .ففقاھة الشیخ الغریري الاجتماعیة برزت على السطح بحجم القرارات الصائبة التي یتخذھا،أو یقدمھا لمن یستشیره،أو حتى مبادرته بالنصح لمن حوله.فمنھا تنبیھه لأحد الفضلاء أثناء إلقاء المحاضرات الفقھیة،بأن یطلق بشمولیة آراء الأعلام الفقھیة بدلا من حصر القرار الفقھي لفقیه دون غیره،إضافة لاختیاره المصطلحات الدبلوماسیة عندما
یسأل،بما یقرب المجتمع مسافات لبعضه،ویتجنب إثارة ما یمزق اللحمة الاجتماعیة،كذلك وفي ھذا الشأن بان بدقة قراءته للقرارات الطارئة،فقد أشار على أحد طلبة العلوم الدینیة بأھمیة مغادرة البلاد،عندما شخص أن الأجواء الساخنة المحیطة به ستجر الفتن علیه من كل حدب و صوب.
Alahsa Turath تراث الأحساء