الرئيسية / مقالات / الملا علي بن محمد آل موسى الرمضان — بقلم المرحوم الشاعر الكبير/ محمد بن حسين الشيخ علي الرمضان( بو سمير )

الملا علي بن محمد آل موسى الرمضان — بقلم المرحوم الشاعر الكبير/ محمد بن حسين الشيخ علي الرمضان( بو سمير )

كتب هذا المقال بمناسبة الذكرى المئوية على وفاة

الشاعر الكبير  الملا علي بن محمد آل موسى الرمضان

بقلم المرحوم الشاعر الكبير/ محمد بن حسين الشيخ علي الرمضان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على اشرف الأنبياء والمرسلين…وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, نجتمع اليوم بمناسبة الذكرى المئويه على وفاة شاعر أهل البيت في زمانه وشاعر الأحساء في أوانه, الشاعر الكبير والأديب المتميز ألا وهو الغني عن التعريف ابو محمد الملا علي بن محمد آل موسى الرمضان, وإنها لذكرى عطره نحييها إحياءً لذكرى علمٍ من أعلام العلم والأدب في عصره رحمه الله رحمة الأبرار وجزاكم الله خير الجزاء لحضوركم قياماً بواجب التنويه بهذه الشخصية العظيمة, ولقد صدق من وصفه بأنه النجيب المنجب والخطيب المتفوق والد الخطباء العظام وهو في الحقيقة شيخ من أكابر الفقهاء ولكنه اشتهر في حياته بالملا, والملا في أصلها العربي تعني المولى حرفتها ألسن الأعاجم فتابعناهم على التحريف فقلنا بدلاً من مولى “ملا” للخطيب وجمعناها على ملالي واختصت بخطيب المنبر الحسيني الشريف.

والخطابة الحسينيه لها عند اتباع مذهب أهل البيت أينما حلوا وحيثما وجدوا مكانةٌ بعيدة الأثر في نفوسهم وعن هذا المنبر العظيم ومنه يكتسب الفرد منهم ثقافته الدينيه الأصيله وعقيدته المذهبيه الحقه, والشيخ عندنا كما هو معروف لاينطق حتى يستنطق, والمرجع الديني يتصل بالجمهور بواسطة رسالته العمليه, أما الخطيب فهو الناطق دائماً يرشد ويوجه ويذكر ويوضح العقيده ويدافع عنها, فهو في الحقيقة مجاهد ديني دائماً، وهذا أحد الشعراء يقول معبراً عن اثر استشهاد وشهادة ابي عبد الله الحسين أرواحنا له الفداء في اتباع آل محمد وأثر مجالس العزاء او التعزيه في الجمهورفيقول:

ولولا      مآتمه     فيكم       تذكركم  بفروض   الولا

لمات   التشيع   ما بينكم       وانزله  الكبت   دار  البلا

فليست   مآتم      لكنها       مدارس  منها الهدى يجتلا

ومن حرموها مع  الأنحراف       غدوا من  بهائمهم  اجهلا

وأمِيّكم    ثقفته    فصار       من     متعلمهم     افضلا

فشيدوا    مآتمه    بينكم       تكونوا بها الخلص  الكملا

هذه كلمة أقولها لأقيم بها الدليل على خطورة خطيب المنبر الحسيني الشريف, من ذلك جاء المثل الشعبي يقول “بحراني حجته على طرف لسانه” والبحراني هنا المراد به الشيعي نسبة إلى بلاد البحرين الطبيعيه وهو مايطلق عليه اليوم بالمنطقة الشرقيه في تقسيمات مناطق المملكة العربية السعوديه, وليست البحرين الحاليه آوال فتلك من باب تسمية الجزء بأسم الكل, والمثل يشير إلى أن الفرد المنتمي إلى مذهب أهل البيت هو دائماً على بصيرة ودراية بمذهبه فهو يحسن الدفاع عن عقيدته, كل ذلك بفضل مجالس عزاء سيد الشهداء سلام الله عليه, فصح للشاعر أن يقول :

وامِيّكم   ثقفته       فصار     من    متعلمهم    افضلا

ومن حرموها مع الأنحراف     غدوا من  بهائمهم  اجهلا

والمحتفى به أحد عمالقة المنبر الحسيني الشريف, وقد أثراه بديوان ضخم هو ثروة أدبية عظيمه مع العلم ان هذا الديوان على ماظم من إنتاج فكري يستحق الإعجاب والإكبار.

أقول : لايحتوي على كل مانظم الملا علي طيلة عمره المديد بما له من بديهة وقريحةٍ معطاة وفكر وقّاد وتوجه وانفعالٍ بهذه المصيبة العظمى، والفاجعة الكبرى، وإنما هو غيضٌ من فيض وقطرة من بحر, كان رحمه الله غزير الأنتاج، سريع البديهة، طويل النفس، ذا بيانٍ وقوة عارضه, يقول في إحدى قصائده متوعداً ومهدداً خصومه:

ألا  لا تأمنوا   مني   فإني     لساني كان في الدنيا سلاحي

واللسان في الإنسان عضو ذو خطر وله اشد الأثر في شخصيته, وفي مجال نزاعه وصراعه مع الخصوم يقول المثل العربي “رب قولٍ انفذ من صول”. ويقول شاعرهم:

كفا بالمرء عيباً ان تراه     له وجه وليس له لسان

يقول تعالى في كتابه المجيد” بسم الله الرحمن الرحيم , الرحمن, علم القرآن, خلق الإنسان, علمه البيان ” صدق الله العظيم. والبيان وضيفة اللسان في الإنسان.

أيها الحفل الكريم, اقف بينكم اليوم لأتحدث عن شخصيةٍ لم أرها لأني ولدت بعد وفاة شاعرنا العظيم بما يقارب سبعة وعشرين عاماً, ولكن كان لي معه اختصاص, هو اولاً ولعي بالأدب والشعر علاوةً على رابطة النسب, فهو طاب ثراه جد ابي لأمه كما هو جد امي من جهة امها, وكانت الأسرة من حولي منذُ طفولتي الأولى تلهج بذكره وتتهجى بأشعاره، وكنت أعي كل ذلك واحفظه واستمتع بترديده في نفسي، واسأل عما اشكَلَ علي من العبارات والألفاظ كلما استبْهَمَتْ علي او عسرت على فهمي, وماكدت ابلغ العاشرة من العمر وتتكون عندي المقدرة على القراءة وكنت علمت قبلها ان لشاعرنا العظيم ديواناً محفوظاً لدى ابنه الخطيب الكبير الملا عيسى بن علي الرمضان رحمه الله, عندها طلبت منه الديوان للأطلاع والأستفاده فتكرم مشكوراً وسلم إليّ الديوان مع حرصه على سلامته وانا آنذك طفل، ولولا انه علم بتوجهاتي الأدبيه ماسلم إلي الديوان وانا في تلك السن, ولقد اتحفني به فمضيت إلى البيت وأنا أحمله مسروراً به اكاد أطير من الفرح وكررت قراءته طيلة بقائه عندي, هذا عن ديوانه وشعره عليه الرحمة.

أما عن سيرته طاب ثراه فيعود الفضل لأكثرها لأبنه الملا عيسى السابق الذكر. كان رحمه الله علاوة على حفظه لجميع ماقاله والده الكريم من شعر، وفياً مولعاً بالتنويه بذكر ابيه, فما تلا شيئاً من شعره إلاّ ومهد له بقوله “قال الوالد عليه الرحمه”. وكان حافظاً لشعر والده وما قد يدور حول هذا الشعر من قصص وحكايات ممتعه مفيده كل ذلك عن ظهر قلب وكأنه يقرأ من مدونة كتاب, والحق ان الملا عيسى رحمه الله اعجوبة في الحفظ وسرعة الخاطر, ولكثرة ماسمعته منه عن سيرة والده كنت كمن عاصره وعايشه.

ومن وعى التاريخ في صدره     اضاف   اعماراً  الى   عمره

ومما حدثني به عن سيرة ابيه, قال رحمه الله , كان والدي رحمه الله ذا عناية خاصه بأولاده حتى انه كان يستغل اجتماعهم معه على مائدة العشاء بعد مجيئهم من المسجد وأداء صلاة الجماعه, وهو لايسمح لاحد منهم مهما كانت الظروف في التأخر عن الجماعة في مسجد المحله, فإذا تحلقوا جميعاً على مائدة العشاء القى عليهم درساً في الفقه او اللغة العربيه ثم هو يطلب من احدهم ان يعيد الدرس ليأكده ويركزه في ذهن اولاده ليستوعبوا جميعاً ماالقاه وكان يعتمد في إعادة الدرس على الأخوين الكريمين الشيخ احمد المتوفى سنة الف وثلاث مئة وخمساً وخمسين والملا عيسى لتميزهما في الحفظ والضبط , رحم الله الجميع, من هذه العناية الكريمه والحفاوة المتميزه كان اولاده جميعاً ادباء وخطباء يشار إليهم بالبنان. وصدق واحسن من وصف الملا علي بالنجيب المنجب.

فمن اولاده الفقيه والأديب والخطيب والشاعر المبدع وحسبك بالملا موسى عليه الرحمه من شاعر واديب, وسنتحدث عنه إن شاء الله تعالى في الحديث عن اولاد المحتفى به.

 

نشأته رحمه الله.

أما عن نشأة الملا علي بن محمد بن علي الرمضان, فقد ولد في مدينة الهفوف في حي الفوارس من الرفعة الوسطى سنة الف ومئتين وثمانيه وخمسين هجريه, ونشأ في رعاية والدٍ كريم كان كما قال لي حفيده الملا عيسى اديباً خطيباً غزير المعرفه والفتى سر ابيه, فنشأ نشأةً صالحه وكان اكبر اولاد ابيه, ونعرف له اخوين احدهما إبراهيم الذي توفي وربما لم يتزوج, والثاني عبد الله ليس له عقب من الذكور وله من البنات اربع

  1. إحداهما زوجة ابن اخيه الملا موسى وهي ام اولاده جميعاً.
  2. والبنت الثانيه هي زوجة الحاج محمد بن حسين المؤمن رحمه الله, وهي ام ابنه الشيخ علي بن محمد المؤمن عليه الرحمه.
  3. والثالثه زوجة الحاج احمد بن علي الياسين آل ابي خمسين وله منها بنت تزوجها المقدّس الشيخ موسى بن عبدالله آل ابي خمسين طاب ثراه وتوفيت قريباً من اقترانه بها رحمها الله تعالى.
  4. والرابعة زوجة الحاج حسن آل عبد الباقي وهو من احفاد الشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار القطيفي قدس سره وهي ام ابنه حسن واخواته رحمهم الله جميعاً.

 

تحصيله العلمي طاب ذكره.

لانعرف له اساتذة اشرفوا على تخريجه ويكفيه ما عاش فيه من جو الأسرة الأدبي, وقد سمعت من اكثر من شخص من غير آل رمضان من المسنين يقول عن آل رمضان وهو ليس منهم “كان آل رمضان فيما مضى كلهم اما عالم او عارف.” انقل هذا غير مفاخر ولكنها الحقيقه, وفي هذا الجو المفعم بالعلم والمعرفه نشأ الملا علي فكان رحمه الله مستوعباً لكل ذلك ويظهر انه بعد إكتمال السن واشتهارهِ بملا علي لازم دروس العلامة الأكبر الشيخ محمد ابن الشيخ حسين آل ابي خمسين المتوفى سنة الف وثلاث مئة وستة عشر هجريه, لذلك رغم تحصيله للفقه لم يشتهر بالشيخ علي وإلا فهو من انبه تلامذة ذلك الشيخ, وهو والشيخ عبدالله بن علي الوايل المتوفى سنة الف وثلاث مئه هجريه كلاهما لقب بشاعر الشيخ محمد آل ابي خمسين وهذان العلمان شديدا الشبه ببعضهما فكل منهما خطيب وشاعر وتلميذٌ ملازماً ومادحاً ومنافحاً عن ذلك الشيخ العظيم وحاملاً لأفكاره في العقيدة والعرفان .

آثاره عليه الرحمه.

له ديوان شعر مطبوع, وجزا الله خيراً من تحمل اعباء طبعه فأحيا بذلك وحفظ آثاره من الضياع وليته تمم إحسانه فطبع ديوانه بأكمله لتعم الفائده, ولم يقتصر في نشره على ماقاله في مدائح ومراثي اهل البيت ولا ننكر انها الأهم ولكن لانوافقه على استثناء ماعدى ذلك وإلغاء قصائده التي تشير الى شخصيات واحداث ووقائع لو نشرت لأغنت وشغلت حيزاً كبيراً من مكتبات الأدب المحلي, ونرجوا والله الموجه ان يقيض الله لما اهمل بناشر , والله على كل شيئ قدير.

 

شعره وشاعريته عليه الرحمة.

كان رحمه الله شاعراً طويل النفس مشرق العباره بعيداً كل البعد عن التعقيد والمعاضلات. يقول أمير المؤمنين عليه السلام ” خير الشعر ماكان مثلاً وخير الأمثال مالم يكن شعراً”. ومراد الإمام عليه السلام هو ان يخلوا الشعر من التعقيد والمعاضلات كما يقول الشيخ صالح التميمي عليه الرحمه:

وما الشعر إلا ماأبانت صدوره     قوافيه  لاما  العقل  فيه تحيرا

والمثل خير مثال على ذلك, ففي المثل تجتمع اربع لاتجتمع في غيره من الكلام اولاً إيجاز اللفظ, وثانياً إصابة المعنى ,وثالثاً حسن التشبيه ورابعاً جودة الكنايه. فهو غاية البلاغه.انتهى كلام الإمام سلام الله عليه.

اقول: عليك السلام ياابا الحسن كنت لنا إماماً في كل شيء، ولقد اتبع الملا علي عليه الرحمه في شعره ماامر به سيد البلغاء, فخلا شعره خلواً عجيباً من التعقيد المحير وكل شعره من نوع السهل الممتنع يدخل الى الآذان بلا استئذان. خذ مثلاً هذه القصيده وهي عبارة عن رسالة شعريه بعثها من مورد “رماح” قرب الرياض الى امير الرياض حين ذاك وهو ابن ضبعان في عهد آل الرشيد , وقد تعرض هو وإخوانه إلى السرقه من قبل بعض افراد عشيرة سبيع او كما يسميهم السبعان وهم في طريقهم الى البيت الحرام حجاجاً ,وهذه هي الرساله:

لنا قد كنت  مفتاح  الفلاح        لما قد كان فيك من الصلاح

اماط  الله  عنكم  كل سوء        وآمنكم   من  القدر   المتاح

اقمنا  عند   سبعان   مساءاً        وكانوا   قاطنين على  رماح

وبين  ظهورهم  كنا  ظيوفاً        على   ماءٍ  به    اثر   الملاح

ومنهم من  يعشي الضيف ليلاً       وينهب   رحله   قبل الصباح

إذا انسدل الظلام تراه يمشي         يغيُبها   الى  بعض  النواحي

وقد سرقوا عباتي من متاعي         واثوابي  جميعاً  من   مراحي

كبيرهم   هناك   ابو   ثنينٍ         ترى  في وجهه  اثر الصلاح

لححت عليه  ان تأتي  عباتي         إلى ان مل من  كثر  اللحاح

فأوعدني   بها   قبل  ارتحالي         وليس   بوعده  اثر  النجاح

فقلت لبعضهم  قولاً صريحاً         وفي  الأحشاء  داءٌ  كالجراح

ألا   لاتأمَنوا   مني     فإني         لساني كان في الدنيا سلاحي

سأكتب لأبن ضبعان  كتاباً         وأرسله   ولو   بيد   الرياح

لعلمي   انه  بطلٌ   شجاعٌ         كميٌ  ادعج  العينين    صاح

سيرسل من بني نجد  رجالاً          اسوداً  فوق  افراس  صحاح

إذا دهمت تدك الأرض دكاً          فتطوي بيْد   وديان  البطاح

فيأخذ  حق  اخواني وحقي          من السبعان سكان  النواحي

فماكان من امير الرياض آنذاك ابن ضبعان إلا ان هزته هذه الرسالة فبعث كوكبةً من الفرسان الى رماح , واخذ بحق الملا علي وإخوانه وانعم عليه بجائزة سنية على مدحه إياه بهذا الشعر الجميل.

سيرته في نفسه رحمه الله.

كان رحمه الله كما حدثني معاصروه من اولاده وغيرهم كثير العباده تقول ابنته فاطمة _وهي جدتي لأمي رحمها الله نقلاً عن امها “رحمه” ابنت الشيخ على الشهيد_ قالت رحمها الله تعالى, منذ اقترنتُ بوالدكِ زوجاً حتى توفاه الله ماترك قيام الليل قط وما نام إلا على وضوء , وكان يقول (ماصليت منذ اكتهلت إلا صلاة مودِع). وكأنها عملٌ بوصية ابن عمه الشيخ محمد طاب ثراه أخذاً بقوله في وصيته :

وصلِ صلاة الوداع التي       تظن  الصلاة  بها  تختمن

وكان دائم الذكر ملازماً لورده ,حج الى البيت الحرام عدة مرات وزار قبر النبي والأئمة في المدينة المنوره وله قصيدةٌ انشدها ارتجالاً وهو في دار الأحزان في البقيع استهلها بقوله:

ياحي دارَ  كثيرة   الأحزان    بنت النبي  المصطفى  العدناني

كم عبرة يادار فيك  تحدّرة     من  عينِي  الزهراءِ  كالمرجان

الى آخر القصيده وهي مثبته في ديوانه, وتكررت زياراته طاب ثراه للعتبات المقدسه في العراق وما تشرف بالدخول الى عتبةٍ من تلك العتبات الاّ واحتفل بإنشاد قصيدة او اكثر, واستمع إليه وقد حل بكربلاء المقدسه وما ان وطأت قدماه ذلك التراب الطاهر حتى رفع عقيرته بهذه القصيدة العصماء قائلاً:

إحبس الركبا  فهذ  كربلا      من بها ركب البلا قد نزلا

واسكب الأدمع فيها ساعةً      لنروّي   بالدموع  الجندلا

واسألوا  كل  مقام  وحِماً      نزلت   فيه   الهداة  النبلا

كم به من شمس  قدس  كُسِفت      من بني الهادي  وبدر  افلا

وفي النجف الأشرف وصل شاعرنا في قافلته ليلاً وكان الوقت شتاءً وفي ساعةٍ متأخرة من الليل والبرد قارس والسماء تمطر وقد طلب الزوار من سادن الروضه الشريفه ان يفتحها لهم ليلجأوا إليها من البرد والمطر فأبا السادن خوفاً على الروضة من التلوث بالرطوبات والاوحال فبقيت القافله بنسائها واطفالها في غاية من الضر الشديد وهم يضجون ويتضرعون , فما كان من كرم الله وبركة الإمام إلا ان فتحت الأبواب فدخلوا جميعاً, عندها ارتجل شاعرنا هذه القصيدة العصماء قائلاً:

سقت ارجاك ياوادي   السلامِ      سجال السحب من مقل الغمام

رحابٌ شرفت  بضريح  مولى       يدير رحى الوجود على الانامي

بما قد شاء  من  امضاء  حكمٍ       عن   الباري  و تدبير   النظام

ومنه   للورى   ظهرت  مزايا       كرامات     و  آيات     عظام

كفتح    الباب    لزوار    لما        اتوه   في دجى  غسق  الضلام

وكان  الباب  محروساً حصيناً        بحجاب     و نواب      عظام

فضعضعه   ابو   حسن  علي        فصار   بناه     منتثر     الدعام

ولاح   لهم  ضياء  منه اسنى        وابها    من   ضياء  بدر  التمام

وعندما طاب ثراه زار الإمام الحسين في كربلاء للمرة الثانيه قال مخاطباً ابا عبد الله الحسين عليه السلام :

ازكى السلام عليك يابن  الهادي         فاقبل    سلامي    يا  أبا  السجاد

إذ انت تسمع صوت كل مُسَلِمٍ         لك   زائرٍ   من  حاضرٍ  او   بادي

فلقد  اتيتك  ياشهيد  الطف من         اقصى   وابعد   منزلي   و   بلادي

حتى انتهيت الى  حماك وفي  الحشى         مني  شجى  مثل  الغضى  الوقادي

متذكراً بالطف  مصرعك  الذي         تهتز    منه     رواسخ     الأطواد

وهذه قراءات من شعره عليه الرحمه, وتعمدت ان تكون مما لم ينشر في ديوانه لتطلعوا عليها.

كان رحمه الله له اتصال بأمرآء زمانه وخاصةً آل بن رشيد وله إليهم رحلات إلى حائل ومدائح, وله منهم جوائز وهبات، وهذه قصيدة ارسلها الى الأمير عبدالعزيز بن متعب آل رشيد يقول فيها:

بعثت إليك يابدر السعود       بخطة حائل  مأوى   الوفد

كتاباً من محب فيه كانت       تحيات   كدر   في   عقود

وتهنأة  لما قد  نلت  قدماً        من الإقبال يازاكي الجدود

وبالنصر الذي لك قد سمعنا        من الباري على  رغم الحسود

ويوماً جائت الأخبار  فيه        إلينا  كان  ذلك يوم  عيد

إلى ان يقول:

اجارك ذوالعلى من كل شرٍ        وصولة   كل   شيطان  مريد

وزادك رفعةً وعلو   شانٍ        وعز  كل  يوم  في   مزيد

فشرفنا  بخط  منك  يأتي         على  عجل  إلينا  في بريد

لنجعله  لنا  ذخر  وفخراً        مدى  الأيام يااسد الاسود

إلى آخر القصيده.

وهذه قصيده القاها وقد وفد على الأمير في حائل يقول:

إليك وردنا أيها الكوكب الدري      نهنيك هذا   اليوم  بالفتح والنصر

على كل من ناواك بالسوء والبلا      فجرعتهم كأساً امر   من   الصبر

طلعت  عليهم   مستعداً  بعدةٍ       من الخيل والفرسان في اول الفجر

فحل  بهم  منك الفنا  فتطايرت        اعاديك   إشفاقاً   بأجنحة  الذعر

فغادرتهم صرعى وخرت بيوتهم        وعدت  بعون الله  منشرح  الصدر

ودانت لك العربان طوعاً ومهدت        مسالكها  عن ذلك  الأخذ والقهر

فلما آتى  منك  البشير  مبشراً         بنصرك ليلاً والورى لم تكن تدري

سررنا  جميعاً  في البلاد بأسرنا         مسرة    إنسان   رأى   ليلة القدر

إلى آخر القصيده.

وقال في رحلة الى الرياض وافداً على اميرها ابن ضبعان :

وردنا بعون الله   فوق  الركائب         دياراً بها السامي سليل  الأطائب

أميراً  يسمى  بأبن ضبعان اصيدٌُ          طليق  المحيا عند  بذل   الرغائب

يلاقي وجوه الوفد  عند قدومهم          إليه   بوجه  مسفرٍ  غير   قاطب

وليث كفاح  تتقي  الاسد  بأسه        ولكنه   في   الجود بحر  المواهب

وفي كل يوم  يرتقي  منبر  العلى        ترادف   فضلاً  شامخات  المراتب

فما  نتجت انثى  فتى  قط  مثله         ولو  انها  في الدهر  ام الكواكب

الى آخر القصيده.

 

وفاته عليه الرحمه وانتقاله الى الرفيق الأعلى.

وفي ذلك قصة لاتخلوا من طرافة تدل على حظوة ومكانة له عند اهل البيت الطاهر سادته ومواليه عليهم السلام, وانا انقل عمن شاهد ذلك ورواه عن اثنين من اولاده وابنتيه وبعض من احفاده رحمهم الله تعالى. قالوا جميعاً, عندما بلغ الستين من عمره اصيب بمرض ألزمه الفراش حتى يأس من نفسه ويأس اهله منه, وكتب وصيته وودع بنيه وذويه, واستعد للقاء الله وبكاه اولاده واقاربه وظنوا انه الفراق, ولكن حدثت المفاجئه, فإذا بشاعرنا الميئوس منه يهب مما ظنوه سكرات الموت والأحتظار, وكأنه نائم فاستيقظ من سبات عميق وهو باسم مستبشر ليقول لأهله, استمعوا لما اقوله لكم, فقالوا جميعاً قل عافاك الله , فقال: لقد رأيت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فقال لي لقد مد الله في عمرك خمسة عشر عاماً خاليةً من الاوجاع والأسقام ,وبعد ذلك ستلحق بساداتك ومواليك فابشر وبشر اهلك . وهاءنا مستبشر ومبشركم. قالوا ,ثم عاش بعد تلك البشرى خمسة عشر عاماً كاملةً لم يشكوا فيها نصباً ولا وصب مع تقدمه في الشيخوخة والكبر, وبعد ان مرت الخمسة عشر عاماً المحدده ودع اهله وداع مفارق واستعد للموت, فقيل له ولكنك لست في حال تدل على دنو اجلك. فقال هيهات ذلك حد محدود ووعد موعود ,فكانت وفاته عليه الرحمه مأسوفاً على حياته من اهله ومعارفه ,وقد امر ان تكتب وتوضع معه في اكفانه اربعاً من قصائده في مدح الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه , وهذه مطالعاها.

الأولى قافيتها الراء :

حسرت جميع  دقائق   الأفكار      عن  وصف اول نقطة الأدوار

والثانيه قافيتها الدال:

من بالوصي توالى واقتدى سعدى       ولاه ينجيه من نار الجحيم غدى

والثالثه قافيتها الضاد

مصدر الفيض علي المرتضى      ومدار    لمقادير   القضى

والرابعه قافيتها النون:

حب الوصي لنا غنى وامان       وحمى   به   تستدفع   النيران

وقد نفذت وصيته هذه ووضعت القصائد في اكفانه. رحمه الله رحمة الأبرار وحشره ممن كان يتولاهم ويتفانى في حبهم, محمد وآله الطيبين الطاهرين، وقد سميناه طاب ثراه بالنجيب المنجب, وتحدثنا بإختصار شديد عن نجابته والآن نتحدث ولو بإيجاز اشد عن النجب من اولاده وكلهم نجباء.

 

اولاده عليه الرحمه.

اقول, من اولاد الملا علي طاب ثراه:

  1. محمد ,وهو اكبر اولاده رحمهم الله جميعاً.كان تقياً ورعاً خدم المنبر الحسيني الشريف ولم ادرك زمانه, وكان مع تعامله مع المنبر يشتغل عطاراً او كما يسمى حواج, لكسب قوته وإعاشة اولاده, وله رحمه الله ثلاثة اولاد هم على التاوالي: احمد وهو اكبرهم سناً وله ولد واحد واسمه جمعه, وله اولاد صلحاء وللاولاد اولاد بارك الله في الجميع. والثاني من اولاد محمد , موسى ولم يخلف سوى بنت واحده هي زوجة ابن عمها جواد بن ملا عبدالله بن ملا علي وذرية جواد رحمه الله في الكويت.والثالث من ابناء محمد بن ملا علي , علي وله رحمه الله ولد واحد واسمه مهدي هو مهدي بن علي بن محمد ,ولمهدي أولادٌ حفظهم الله ورعاهم.
  2. ومن أبناء الملا علي طاب ثراه الملا حسين ولم أدرك زمانه رحمه الله ولكن والدي حدثني كثيراً عنه فوصفه بكرم الأخلاق وحب المعرفه وكثرة الحفظ وكان له صوت جهوري وحسن إنشاد للشعر مما جعله من أبرع أهل زمانه في إلقاء المدائح النبويه إلى جانب تمرسه وإجادته للتعامل مع المنبر الحسيني الشريف ولم يعرف عنه توجهاً لقرض الشعر, وفي اواخر عمره إشتكى مرضاً في عينيه مما إضطره إلى إسلام نفسه إلى أحد ادعياء طب العيون الذي وصف له الكي في صدغيه وهو ما إصطلح الناس على تسميته بالداغ, والكلمة من اصل فارسي وتعني الكي بالعربيه وقد كواه فعلاً ذلك المتطبب في صدغيه فكان أن عمي على أثر ذلك رحمه الله فصدق فيه المثل الشعبي ” أراد طبه فأعماه ” فكان الملا حسين يردد دائماً مع نفسه ” داوى عيوني بالداغ وأعمى عيوني بالداغ ” وليس للملا حسين عقب من الذكور.
  3. ومن أولاد الملا علي الملا عبد الله رحمه الله تعالى وقد خدم المنبر الحسيني الشريف مدة عمره خدمةً متميزة وكان إلى جانب ذلك عطاراً يصف بعض الأدويه للمرضى ويروى انه اصيب بداء البواسير وإستطاع بأدوية خاصه ان يستأصلها من نفسه بنفسه وعندما تسامع بعض المبتلين بذلك ولم يكن بالأحساء من يعالجها بذل له أكثر من واحد مبالغ مغريه ولكن لم يستجب لذلك كراهة منه للإطلاع على عورات الأخرين وله قصص طريفه في مداواة بعض المرضى حتى من الحيوانات وقد توفاه الله سنه 1352 للهجرة عن ثلاثه اولاد حسب التقدم في السن أولهم الحاج جواد وله موهبةٌ في نظم الشعر والثاني الشيخ عبد الكريم والثالث الحاج سلمان توفي منهم الحاج جواد في الكويت والشيخ عبد الكريم يعيش الآن في الكويت و أبو داوود سلمان كذلك في الأحساء حفظهم الله جميعاً.
  4. ومن أولاد الملا علي طاب ثراه الشيخ احمد قدس الله سره كان رحمه الله تقياً ورعاً زاهداً كثير العباده لا يفتر لسانه عن ذكر الله درس المقدمات من نحو وصرف ومعاني وبيان على والده الملا علي ثم حضر دروس المقدس الشيخ محمد آل أبي خمسين المتوفى سنة 1315 للهجره وكان قبله قد لازم مجلس أبن عمه أحمد بن الشيخ علي الرمضان وكان في بدء أمره لا يقصد التخصص في الفقه وإنما يبتغي التفقه في دينه وأن يتعلم من علم الدين ما لايعذر في جهله ولكن والده الملا علي حمل إبنه الشيخ أحمد على طلب المزيد, فحضر دروس الشيخ محمد آل ابي خمسين في حوزته ثم بعد وفات الشيخ محمد آل ابي خمسين حضر دروس الشيخ محمد بن عيثان المتوفي سنه 1331 للهجرة وأوكل الشيخ موسى آل ابي خمسين المتوفى سنه 1354 أوكل إلى الشيخ احمد بن علي الرمضان المذكور تدريس الفقه لطلابه كما أوكل تدريس المقدمات إلى الشيخ إبراهيم الخرس ليتفرغ لإدارة شئون زعامته الدينيه والإجتماعيه وكان للشيخ احمد الرمضان رحله مدة يومين من كل أسبوع هما الخميس و الجمعة مرة إلى قريه الفضول ومرة إلى الجفر أو الجشه يأمهم في صلاة الجماعه ويجيب على إستفتائاتهم ويوقع العقود فيما بينهم في الزواج او سائر المعاملات وكان من سبقه إلى الحياة من رجالات آل رمضان يقوم كل منهم بما يقوم به الشيخ أحمد, تشهد بذلك تواقيعهم على بعض صكوك المبايعات رحمهم الله جميعاً وليس للشيخ أحمد عقب من الذكور وعقبه ينحصر في أبناء إبنتيه بارك الله فيهما.
  5. ومن ابناء الملا علي الملا موسى عليه الرحمه, ورث الخطابه عن والده الملا علي وموهبة قرض الشعر ولم يقل الشعر من اولاد الملا علي غيره عليه الرحمة والرضوان, ولتسميته بموسى قصة طريفه حدثني اخوه الملا عيسى قال كان لأبي ولدٌ اسمه موسى ولد معي في اسبوع واحد, كان رحمه الله اعجوبةً في الذكاء وسرعة الحفظ عمل مقدماً لوالده في مجلس العزاء وبرع في الخطابه واعجب به الجمهور, وطار صيته ولهج الناس بذكره واكبروا موهبته, وبعد ان بلغ سن الخامسة عشرة من العمر اجتاز وهو مع ابيه متوجهاً الى احد المآتم بنسوةٍ فتهامسن بينهن قائلات: هذا ملا موسى الصغير فصعدن فيه اعينهن, فاصيب منهن بالعين فحم من ساعته تلك ومات بعد ايام مأسوفاً على حياته من والديه ومن الجمهور .وذات يوم وفي مسجد المحله قال احد معارفه من المؤمنين عندي لك بشرى من الإمام الحسن العسكري هو يقرئك السلام ويقول عظم الله لك الأجر ويبشرك بمولود سيولد لك وستقر به عينك, وفعلاً وبعد البشرى بمدةٍ يسيره وضعت زوجته مولوداً اسماه موسى هو الملا موسى صاحب الصيت الطائر والمثل السائر في الشعر والأدب طاب ثراه, وقد توفاه الله في الكاظميه ودفن في صحن الإمامين عليهما السلام وذلك في النصف من شهر شعبان سنة 1368هجريه.ولي فيه مرثيةٌ جاء فيها:

لك  قبر   بالكاظمية  ريان      سقته  من  العمام   درور

نم هنيئاً  الى جوار  الإمامين      فمأواك    جنة  و  حرير

وتلقاك حيث حياك رضوان      بكأس   مزاجها    كافور

فهنيئاً  لك الجنان  وصبراً لي      على   خافق  يكاد  يطير

إلى آخر القصيده.

والإبن السادس من ابناء الملا علي عليه الرحمه الملا عيسى وهو المعمر من بين  اخوته رحمهم الله جميهاً, وله من الأولاد:

1.  الحاج عبد الله

  1. الحاج علي
  2. الحاج عبد المحسن حفظه الله

وحسبما روى المولى عيسى رحمه الله من تاريخ مولده فإنه جاوز المئة عام بسبع سنين, وكان رحمه الله اعجوبةً في الحفظ ولقد سمعت من احد الفضلاء وهو ابن عمه الحاج عبدالله بن احمد الرمضان يقول: كنت مستمعاً لمجالس ابن عمي الملا عيسى بحضور ذهن فما وجدت على كثرة ماكان يلقي على اسماع حاضري منبره من شبابه حتى شيخوخته غلطةً واحدةً في صرف او نحو او مفرده لغويه. وتلك موهبةٌ ومقدرةٌ لايستهان بها والخطيب ربما اخذته الدهشه فتلعثم وأخطأ ولكن الملا عيسى لم يقع له مثل ذلك رحمه الله . اقول وانا اعتبره استادي الأول وكنت اعرض عليه ماانظمه من شعر فيفيدني ويوجهني في الوزن والقافيه وفي النحو والصرف والمعاني والبديع على رغم كونه لم يقل في عمره ولا بيتاً واحداً من الشعر كما قال لي طاب ثراه, رحمه الله رحمة الأبرار وحشره مع ساداته ومواليه .

وأشكركم على حسن اصغائكم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وإلى اللقاء إن شاء الله في مناسبة أخرى لإحياء ذكرى علمٍ آخر من اعلام آل رمضان رحمهم الله جميعاً وما أكثرهم .

والسلام عليكم.

شاهد أيضاً

الأحساء تحتفي بكتاب الأمير عن حارس ذاكرتها الجواد

بقلم الأستاذ / علي محمد عساكر. كان مساء الأربعاء 5 رجب 1445هـ 17 يناير 2024م …

تعليق واحد

  1. رحم الله الملا علي ال رمضان
    و جزى الاه كل خير العم تلمرحوم محمد تلرمضان ابا سمير يرحمه الله على هذه المعلومات الوافيه عن المرحوم شاعر ال البيت عليهم السلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *