الرئيسية / بحوث ودراسات / الشيخ باقر بوخمسين وأدب المقالة لدى الأستاذ أحمد حسن الزيات

الشيخ باقر بوخمسين وأدب المقالة لدى الأستاذ أحمد حسن الزيات

بقلم الدكتور / محمد بن جواد الخرس

خلاصة البحث

يستهدف هذا البحث الاطلاع على أدب المقالة لدى الشيخ باقر بوخمسين كلون من ألوان عطائه الأدبي، حيث شخصه الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي بأنه ينتسب إلى مدرسة الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب مجلة (الرسالة)، التي تعنى بالتنسيق اللغوي، وترعاه أيما رعاية، وكما وصف الدكتور أحمد هيكل بأن:

الزيات يمتاز بـ “البيان المنسق أو البيان المهندس”،  ووصف بيانه أنه كان يقوم بما يشبه الهندسة في الناحية التعبيرية، فالجملة في مقالاته تعادل الجملة غالباً، والفقرة توازي الفقرة كثيراً، بل الكلمة تقابل الكلمة في أغلب الأحيان”، ومن أجل التحقق من مدى موافقة تشخيص(الفضلي) تمت محاولة لتقريب هذا الحكم إلى ميدان الشيخ باقر، وفي هذا الصدد تم عرض شطرا من تاريخه الأدبي، والخلفية التي عاشها في النجف الأشرف،  كما تم عرض عينه من مقالاته الأدبية، وتحديد أي الكتب تضمنت مقالاته الأدبية، وقد تمخض الفحص عن ملائمة الظروف للشيخ باقر لاكتساب هذه الملكة بحكم معاطاته لألوان الأدب، واطلاعه على أعداد مجلة (الرسالة) في العراق، منذ بدء انطلاقتها عام 1352هـ/ 1933م وحتى تاريخ توقفها  1361هـ/1942م، أي مدة عشرين سنة.

وانتهت ورقة البحث إلى مستوى أن مهدت الطريق لذوي الاختصاص في مجال نقد النصوص الأدبية وتحليلها للمزيد من الأحكام والرؤى بخصوص تراث الشيخ باقر في مجال المقالة الأدبية.

مقدمة 

وددت لو أن الشيخ باقر بوخمسين قد حرر شيئاً عن سيرته الذاتية، لنقف على مصادر بناء شخصيته العلمية والأدبية، فقد بدا لنا من خلال  كتابته أنه متنوع المشارب والأساليب، متجدد في العديد منها، فهو الحوزوي الذي انغمس في بوتقة العلم الأصولي والفقه الشرعي، كما يلاحظ في بعض ما كتب، و الألقاب العلمية الكبيرة التي نالها من مراجع الدين العظام كالسيد محسن الحكيم (ت1390هـ/1970م)، والسيد عبد الهادي الشيرازي(ت1382هـ/1962م)، والسيد الخوئي(ت1413هـ/1992م)، والسيد محمود الشاهرودي(1394هـ/1974م)، والسيد عبدالأعلى السبزواري(ت1414هـ/1993م)،  الأمر الذي ينم عن اشتغاله بالمسائل العلمية في الدراسات العليا الشرعية، كما ينم على ذلك أيضا تقريراته لبحث أستاذه السيد محمد باقر الشخص(ت1381هـ/1961م) على كتاب كفاية الأصول للآخوند الخراساني(ت1329هـ/1911م)، وفي الوقت ذاته نجده الأديب المتجدد في لباس أساطين الأدب العربي وعمالقته آنذاك، كطه حسين، وعباس محمود العقاد، والمازني، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وشتان بين الحقلين من حيث طبيعة الطرح وقوالب الكلمة، ففي الأول: الغموض، وتعقيد الألفاظ، و كثرة الاصطلاحات العلمية وقدمها، وفي الثاني:  الإشراقة، وجمال اللفظ، بل وهندسة الكلمة كما هو الحال لدى عَلَمها الأستاذ أحمد حسن الزيات، والذي يمكن الخروج به من هاتين المقاربتين أن الشيخ كان يحمل بين جوانبه روحاً وثابة نحو الجديد كمتفاعل مع معطيات عصره مع الحفاظ على الهوية في أشد معانيها ومراميها.

ولعل إدراك ومعرفة الشق الأول من منظومته العلمية كدارس وأستاذ في الحوزة العلمية النجفية، وطبيعة مناخها العلمي وما تتسم به من خصائص ومزايا، أمر ليس من الصعوبة بمكان، بل سهل المؤونة، وذلك لكثرة ما كتب عنها وعن أساطين علمائها وطلابها لمن عاصر الشيخ باقر في زمانه.

 

لكن الشق الذي يحتاج إلى مزيد من الإضاءة والبحث هي الجنبة الأدبية في شخصيته، وهو ما أسعى له في هذه الورقة، ولن أستوعبها بأجمعها؛ لأنه متعدد الزوايا والجهات عند دراسته وتحليل تجربته، فهو على صعيد الأدب نجده: المؤرخ لعلماء وأدباء هجر، والشاعر الحاضر البديهة الذي استطاع أن يسجل حضوراً في نوادي النجف الأشرف الأدبية، على كثرة روادها ومبدعيها، كما أنه المقالي الأدبي الذي شكل حضورا بمقالاته في العديد من الصحف الأدبية العراقية واللبنانية، وكانت مقالته تتسم بالإشراقة وجمال اللفظ في عمق فكرة وتحليل، ولكن قلما يعرف هذا الجانب (المقالي) في شخصيته الأدبية، وإن عرف فهو لم يكن بالمعرفة التامة لكامل مراحل نمو مكانته الأدبية، غير أقرانه في النجف الأشرف أمثال الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي(ت1432هـ/2011م)، والشيخ باقر شريف القرشي(1433هـ/2012م)، والشيخ جعفر الهلالي. ولما قدم إلى الأحساء عام1375هـ، بحكم عدم الحراك الأدبي فيها آنذاك إلا على صعيد اللقاء الفردي بين أديب وآخر، ولعدم وجود وسائط نشر صحفية تناسب رغبة الشيخ باقر في نشر نتاجه الأدبي، ولانشغاله بعد ذلك بالقضاء، وتبليغ الأحكام الشرعية، والتصدي للإصلاح الاجتماعي، وغيرها من المهام المألوفة لدى المبلغين، مضافاً عليها اهتمامه بتاريخ الأحساء وتدوينه، لكل هذه العوامل مجتمعة جعلت منه غريباً في دياره، عدا مقالتين نشرهما وهو في الأحساء كانت إحداها مقدمة ديوان (قلائد وفرائد) للشيخ كاظم المطر، ومقدمة لكتاب الدكتور حسن الشيخ والذي صدر بعنوان :(السيدة زينب: بطولة ورسالة)، وكان ذلك بمثابة صدمة على من يجهل مقام الشيخ الأدبي، في أن يختفي تحت هذه الجبة صاحب قلم أدبي كبير، ولا يعرف عنه طيلة هذه المدة، وكنت ممن تعرض لمثل هذه الصدمة، ولكن الصدمة لدي زالت لما اطلعت على نتاجه بعد وفاته، في مخطوطتها الأصلية، قدمها لي نجله الشيخ حسن بوخمسين، للاطلاع عليها، وقد هالني جمال أسلوبه، وترسله، وإشراقة عبارته، ورشاقة قلمه، فكنت في إحدى زياراتي إلى منزل الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي أستاذ الأدب واللغة العربية في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وأحد علماء حوزة النجف، والكاتب المجدد لمناهجها الدراسية، وهو ممن عاصر الشيخ وتتلمذ عليه، بل وشاركه في إصدار مجلة محلية في النجف الأشرف تحت اسم (الندوة)  صاحبها (بوخمسين)، ومديرها المسؤول (الفضلي)، وقد عقب على إعجابي ذاك بأن أثنى على الشيخ وعلى مكانته، وتأسف عليه أن بقي قلمه مغموراً طيلة هذه المدة، وصرح عن نمط أسلوبه في مقالاته: “بأن الشيخ يصنف ضمن أدباء مدرسة أحمد حسن الزيات”، ومما لا شك فيه أن تشخيص (الفضلي) بحكم خبرته الأكاديمية، وتدريسه لمواد الأدب العلمية، ومعاطاته فنون الكتابة، وتحليلها، وإشرافه على العديد من رسائلها العلمية، و تحكيمه لبحوث العديد من المجلات العلمية المعدة للترقية؛ تجعله في مقام الأخذ بجدية الحكم، ومسؤولية الكلمة.

لذا فمن الأهمية بمكان ونحن في قراءة لنتاج الشيخ باقر بعد ربع قرن تقريبا على وفاته، أن نتعرف على ماهية الوسط الأدبي الذي تشكلت فيه شخصيته الأدبية بشكل عام. و تسليط الضوء على نتاجه المقالي بالمقارنة مع ما يتمتع به أسلوب الزيات الأدبي بشكل خاص، وذلك في ظل إفادة الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي عن أدب الشيخ باقر.

 

وتبدو أهمية هذه الورقة في كونها ستسهم في تلمس بعض مصادر تنوع ثقافته ومعارفه، كما أنها ستسد جزءاً من فراغ فيما يكتب عن سيرته الذاتية، و ستقدم للساحة الأدبية الأحسائية تعريفاً وترجمة جديدة لأديب معروف في بلاد مهجره، غريب في دياره في الجانب المقالي، وإن كان قد ملأ الأسماع بحضوره على دكة القضاء زهاء خمس وعشرين سنة، وإمام جماعة ومبلغ للأحكام الشرعية ومصلح اجتماعي فيها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ستعرف الساحة الأدبية العراقية واحداً ممن عشق أرضها واستفاد من أساطينها، وساهم في إنجاح تجربة المقالة الأدبية فيها في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري من خلال نشر بعض مقالاته على صفحات مجلاتها الأدبية إبان تواجده في النجف الأشرف، كما أضاء بقلمه صفحات العديد من المجلات اللبنانية آنذاك أيضاً، كما أنها ستطلع من له اهتمام بامتداد آثار مدرسة الأستاذ أحمد حسن الزيات في أسلوبه الأدبي خارج مصر-لا سيما أصحاب الدراسات الأكاديمية الاستقصائية- عن أثار المدارس الأدبية ومستجداتها.

ومما لا شك فيه أن عدم استجلاء هذه المسألة-بشهادة الشيخ (الفضلي) وهو أحد الأكاديميين في حق الشيخ (بوخمسين)- فيه تضييع لفرصة التراكم المعلوماتي حول رجال العلم والأدب ليس لحاضرة الأحساء خاصة بل وحتى على صعيد الأدب العربي والمهتمين به.

 

للإطلاع على كامل البحث اضغط هنا

شاهد أيضاً

أعلام القرن الأول والثاني ودورهم في نشر الثقافة والعلوم الإسلامية في البحرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *