بقلم الأستاذ / ناجي حرابة
هذه الورقة عن الأحساء في وجدان جاسم الصحيح الشعري، ليست دراسة ولا مقاربة، إنها محاولة تلمس لخيوط متناثرة في نسيج تجربته الشعرية، ورصد يشبه البيبليوغرافيا الأبياته ذات النكهة الهجرية.
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
لا أظن أن ابن الرومي في بيتيه السابقين يريد أن يقصر أسباب الحنين إلى الوطن على عهود الصبا، ومآرب الشباب فيه، لأنها أكثر وأعمق من ذلك، لكنه يمثل صورة من صور حضور المكان وتجدره في الشعر القديم، أما في عصرنا فقد احتل المكان حيرا كبيرا في الدراسات الأدبية في جميع الأجناس الأدبية ومنها الشعر، إذ تتعدد تجلياته، وتتجدد انزياحاته، وحين نذكر (الأحساء) أو (هجر)، تلك العروس الخضراء القابعة وسط الصحراء الذهبية، ينتصب أمامنا تاريخ طاعن في الشعر حيث تحضر الأحساء بينابيعها ونخيلها وتضاريسها المختلفة.
وحين ننعم النظر بحثا عن الظواهر العامة في شعر جاسم الصحيح، نلم حضور الأحساء واضحا خالصا بمعنى أنه ليس حضورا ترفا فائضا عن الحاجة، بل نراه يتدفق في شعره مثل ينبوع صاف، اسمعه يقول:
هي الأحساء قبلتي القديمة والهوى الدائم
وليست بقعة بركت على صدر المدى الجاثم
أقام صلاته الأولى على بوغائها (آدم)
فحلت في محل الهام من سجادة العالم
هذا التواشج بين الأحساء وشعره امتد أكثر من ثلاثة عقود، أي أن جذوة هذا العشق للأحساء لم تخفت، وأن حبله السري الذي يغذي شغفه بها لم ينقطع، منذ قصيدته التي أظنها الأولى له في الأحساء:
تبقين ملء خواطر الأناء زهو النخيل على جبين الماء
أحساء ما وشم الهوى أقماره بأرق منك على جبين سماء
مرورا بالكثير من قصائده، تحضر الأحساء في شعره بكامل التجلي في قصائد كاملة، كما تحضر أيضا وميضناً في ثنايا قصائد متنوعة الأغراض، كالذاتية والغزلية الدينية حتى الرثائية كقوله في جمع من الحجاج الأحسائيين الذين قضوا حتفهم في طريق العودة:
بريد عظامهم يا هجرآت فضمي باقة السور الرفات
هي الأحساء واهبة الضحايا فداء الباقيات الصالحات
الانصهار مع الأحساء
وفي صورة الانصهار مع الأحساء، يتحول الصحيح سببا لوجود الأحساء، كما كانت سببا لوجوده:
يامن تسائل عن بلادي إنما ساءلت عني
فأنا من الأحساء جئت وجاءت الأحساء مني
إن الأحساء هويته التي يعرف بها نفسه، وهو قادم منها وهي امتداده، في ما يشبه الدوران في حلقة الوجود . ويقول أيضا :
جاءتك ملء معاناتي فما هجر إلا أنا وأنا في لوعتي هجر
وفي جهة أخرى نسمعه في إحدى قصائده يبتهل باسمها فيما يشبه هالة قدسية، متغنا بلهجتها التي تكتنز قدرا فائقا من العفوية والرحابة التي تشبه حقول الريحان :
هوت من خاطرالأملاك أغنية سماويه
تتيه بلهجة البسطاء في عمق الألوهيه
وحين شممت في الأنغام رائحة نخيليه
عرف بأن للأملاك لهجتي الحساويه
هذه الهالة نراها مبثوثة في مقاطع أخرى في شتى دواوينه مثل:
قالوا: وماذا عن الأحساء، فاختلجت روح الصبابة في أعماق تكويني
أحساء حوريتي في الخلد سجلها رضوان باسمي في سفر الميامين
هذا النفس وما يحمله من شحنات وجدانية دينية، يذكر ببيت أحمد شوقي:
وطني لوشغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
إلا إن جاسم تجاوز فكرة شوقي، بأن أخذ الأحساء معه للجنة وأحالها حورية دون أن يعذب نفسه بجدل المنازعة بين الجنة والأحساء.
الأحساء الأم
الأحساء بصفتها (أما)، فكرة تتكرر في شعر جاسم ولكن نرها تلبس أثوابا مختلفة، وتأتي بأساليب متنوعة يقول:
أسميك أمي كي أوفي لك الاسما فبينكما في نطفتي وحدة عظمى
أسميك أمي.. والأمومة موطن.. بمقدار ما (ننمو) عليه له (ننمي)
ويقول:
أحساء .. كم مرة أنجبتني؟ فأنا نسيت من كثرة الميلاد : كم عددي
لم تنعقد في أمشاج بمكرمة إلا وناديت أمشاجي : بها انعقدي
كأنني منذ فجر الطلق في (هجر) أدى لأولد إذ تدعين كي تلدي
وفي قصيدة أخرى يراها ملفقا لأمه متوهجا بالحنان:
( الحسا) طبق من نخيل
(الحسا) ملفع من ملافع أمي
يتوهج فيه الحنان الأصيل
الأحساء الأنثى الأحساء
أيضا عنده فتاة ناضجة الأنوثة، وعروس فاتنة، اسمعه متغزلاً بها:
هجر وتنفتح الجهات على فرادیس التمني
أنثي من النخل الموشـ ۔ ح بالخضار المطمئن
(هجر) عروس (الخافقين) لها الحياة يد تحني
والطير (طرحة) عرسها فبياضها ثغر يغني
وفي صورة أخرى يركب التفعيلة ويبحر بنا في مشهد جميل من مشاهد الحياة الريفية الناضجة بالفتنة:
(الحسا) امرأة ملؤ عرش العفاف..
بتول المضاجع.. مثقلة بالضفائر.. دافئة كالهديل
(الحسا)
فتنة (الديرم) الغض يضحك فوق شفاه النساء
و(علك اللبان) يغازل أسنانهن بعطر البياض
و(ريحة مشمومهن)
تعيد الرجال من الحقل قبل أوان الأصيل
( الحسا) كل هذا الخليط الجميل
جاسم الذي أغرم بالطبيعة الأحسائية، وانتشى برمانها وليمونها وتمورها، يقلقه السؤال عن الجوهر، ولكنه يملك من ماء اليقين ما يبلل به جفاف الشك:
يسائلني غريب في ملء كيانه مذبوح
أما زالت قرى الأحساء تنجح في امتحان الروح
إذا ما نخلة ناحت ترى كل النخيل تنوح
العاشق الفدائي
جاسم هو العاشق الفدائي للأحساء، لقد شف حتى تراءى له الشعر في صورة عاذل قاتل، يريد أن يقتص من جاسم اسمع وصيته:
أحب حد الشعر.. والشعر قاتلي… أحبك.. رميا بالقصائد أو رجما
سأودع في كف الليالي وصية وأنقشها في وجه هذا المدى وشما:
إذا مت.. و(الأحساء) في عز بردها.. فدسوا رفاتي في مواقدها فحما
يرى الصحيح في الأحساء أنموذجا متفردا، الأمر الذي أهلها لأن يصدح بالفخار بها:
اليوم يرفع بالكرامة رأسه وطن علامة رفعه (الأحساء)
اليوم تمتحن النخيل بصبرها فكأنها والأمها سواء
أحساء يا (ألف) الكلام.. لطالما حسدتك في أقصى الحروف، (الياء)
لكن هذه الألف الشامخة نراها تخر صريع حزنا على فقد أحد أعلامها:
آن للفصحى بأن تلجم فاها.. همزة (الأحساء) خرت من علاها
الأحساء قبلة التسامح
ولكن هل يكتمل عقد الجمال الأحسائي الذي تغنى به الصحيح في الإنسان وفي الطبيعة، إن لم يهذبه من الشوائب الطائفية؟ ها هو يجيب:
لا النخل (شيعي) هنا كلا، ولا الينبوع (سني)
فأنا من (الأحساء) جئت وجاءت (الأحساء) مني
مستمسكون بعزوة (الثـ ۔ ـقلين): آداب وفن
أخيرا .. هذه الورقة عن الأحساء في وجدان جاسم الصحيح الشعري، ليست دراسة ولا مقاربة، إنها محاولة تلمس لخيوط متناثرة في نسيج تجربته الشعرية، ورصد يشبه البيبليوغرافيا لأبياته ذات النكهة الهجرية، قد يجد النقاد الأكادميون في ذلك محفزا لهم لخوض غمار هذه الظاهرة الصحيحية، علهم يستخرجون منها دلالاتها الشعرية، و يكشفون من خلالها مكامن الإبداع في تمسك الشاعر بجذوره المكانية.
Alahsa Turath تراث الأحساء
جاسم الصحيح و النخيل صنوان الأحساء ، لا تذكر الأحساء إلا ذكرا …فأنا من الأحساء جئت و جاءت الأحساء مني ،، أحسنت شاعرنا الأستاذ ناجي على هذه الرحلة التي تنزهت بذائقتنا في حقل الكبير أبي أحمد