
بقلم / أ.د. دايل بن علي الخالدي

أستاذ التاريخ الحديث المشارك- جامعة الملك فيصل
ملخص:
هذه الدراسة تتناول الرحلة التي قام بها العالم البريطاني ” تشيزمان ” إلى الأحساء عقب الحرب العالمية الأولى. ورغم أن الجزيرة العربية شهدت في العصر الحديث عديدا من الرحلات الاستكشافية التي اختلفت في دوافعها وأزمانها وأصحابها، إلا إن رحلة تشيزمان تميزت بما لم تحظ به هذه الرحلات جميعا بموسوعيتها ودقتها وزمنها.
فالرحالة عالم طبيعي جاء للبحث الجاد والدراسة العلمية للطيور والحيوانات والمعالم الجغرافية والحضارية المجهولة في هذه المنطقة، فتمخضت رحلته عن اكتشافات علمية جديدة إضافة إلى تصحيح بعض الأخطاء العلمية السابقة.
وإلى جانب الوظيفة العلمية فقد كان تشيزمان – وقت الرحلة – ضابطا في الجيش البريطاني، ويشغل منصب سكرتير السير “بيرسي كوكس” أول مندوب سام بريطاني في العراق عقب الحرب العالمية الأولى، مما أضفى على الرحلة أهمية سياسية وعسكرية وتاريخية، خصوصا وأن صاحبها قابل الملك عبد العزيز أكثر من مرة سواء أثناء رحلته أو قبلها.
كما أن تشیزمان استطاع أن يقدم لنا وصفا موسوعيا لمنطقة الأحساء من الناحية الجغرافية والإنسانية والاقتصادية والسياسية.
من أجل هذا – وغيره – اكتسبت هذه الرحلة أهمية فائقة في تاريخ المنطقة.
لقد بدأ الارتياد الأوروبي للجزيرة العربية منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي، إلا إنه أتخذ شكلا فردا وغلب عليه طابع المغامرة. ولكن تطور المعرفة – نتيجة النهضة الأوروبية – شجع الأوروبيين، وجذبهم إلى الشرق بصفة عامة والجزيرة العربية بصفة خاصة، فقامت العديد من الدوائر والهيئات العلمية بإرسال بعثات علمية، وأبرزها البعثة العلمية التي أرسلها ملك الدنمارك، وكان أبرز أعضائها كارستن تیبور. ولم تلبث بعد ذلك أن أخذت الدوافع السياسية والدينية والتجارية وغيرها بالارتباط بالدوافع الاستكشافية والعلمية.
والجدير بالذكر أن الجزيرة العربية قد شهدت وصول عدد من الرحالة الغربيين خلال القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي)، وقد تعدت دوافع هؤلاء الرحالة مابين أهداف دينية تنصيرية، وأهداف استعمارية بجانبيها السياسي والاقتصادي، إضافة إلى الأهداف العلمية والمعرفية التي كانت دافعا لبعض هذه الرحلات ، كما أن منهم من أوفدته حكومته لدراسة طبيعة الأرض أوسكانها، ومنهم من أرسل الإثارة الفتن أضف إلى ذلك حب المغامرة واكتشاف المجهول الذي كان سييا لبعضها الآخر .
ورغم أن معظم هؤلاء الرحالة قدر جايوا أرجاء شبه الجزيرة العربية، كل حسب اهداف رحلته والملابسات التي أحاطت بها، إلا إننا سنقتصرا هنا على ما اتصل منها بالأحساء، هذا الجزء الغالي من المملكة العربية السعودية، الذي يمثل أهمية بالغة الوطننا الحبيب، بحكم موقعه على ساحل الخليج العربي، ويحكم ما يحتوي عليه من ثروات زراعية ومعدنية، مما أضفى عليه أهميته الاقتصادية والسياسية والعسكرية والتاريخية والثقافية.
وهذه الدراسة تتناول أحد هؤلاء الرحالة الذين كان لهم ثقل علمي في مجاله. اسأل الله العظيم أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما تعلمنا.
شيزمان” في شبه الجزيرة العربية المجهولة
إن “تشيزمان” لم يكن من هؤلاء الرحالة المغامرين الذين يلقون بأنفسهم في مهاوي التهلكة، بل لم يخطر بباله يوما أن يقوم بمثل هذه الرحلة، فقد كان يقضي حياته بهدوء وسكينة في مسقط رأسه بمقاطعة “كنت” kent في بريطانيا، منشغلا بدراسة أنواع الطيور والحيوانات الموجودة على ظهر الأرض، حيث قال معبرا عن ذلك: ” كانت الرحلة خارج حدود المقاطعة تعتبر حدثا مهما “، ويضيف قائلا: ” وسيكون عراقا جريئا من كان يتنبأ لي برحلة بحرية طويلة عادية.
إذا.. ما الذي قذف بهذا الرجل – الذي يعيش في دعة واستقرار – إلى رحلة طويلة شاقة ” في شبه الجزيرة العربية المجهولة”، وهو الاسم الذي اختاره لكتابه؟!.
النجيب عن هذا التساؤل يجب أن نمر مرورا سريعا على السيرة الذاتية للرجل.
الحرب والطيور:
ولد “روبرت إرنست تشيزمان – Robert Ernest Cheesman” في مقاطعة “كنت – Kent” التي تقع جنوب شرق العاصمة الندن – London”، وذلك عام ۱۸۷۸م. وبعد أن أتم تعليمه بحصوله على شهادة في الكيمياء عام 1895م عمل في مجال التاريخ الطبيعي، وظهر ولعه بدراسة الطيور والحيوانات.
عاش التشيزمان” حياته بطريقة هادئة حتى اشتعلت الحرب العالمية الأولى، فانخرط – مع أقرانه من الشباب – في الجيش البريطاني. وهو يعبر عن تلك الفترة بقوله:” ثم جاء شهر أغسطس المشؤوم من عام ۱۹۱4م، وانخرطت في كتيبة التفس”- (Buffs) – مؤملا أن تنتهي الحرب في غضون ثلاثة أشهر بطريقة أو بأخرى”
“أمضينا سنة في الهند في تدريبات مركزة ثم نقلنا إلى مكان غير معلوم، ونزلنا في بلاد ما بين النهرين. وأخيرا الخدمة العسكرية المباشرة بعد ۱۸ شهرا من إعلان الحرب، وما زال الألمان باقون.
وفي بداية صيف عام ۱۹۱۹م قابلت المقدم السير “برسي كوكس”- Percy) (Zachariah Cox – في البصرة، الذي كان وقتها كبير الضباط السياسيين في الحملة البريطانية لبلاد ما بين النهرين.
ويبدو أن الحرب لم تستطع أن تنسي التشيزمان” ولعه بدراسة الطيور، بل فتحت له آفاقا جديدة في هذا المجال. وهو يصف ذلك بقوله:” كانت طيور بلاد ما بين النهرين جديدة تماما بالنسبة لي، وكان السير “برسي كوكس” أول عالم طيور أقابله في هذا البلد. مع أنه كان لديه أسبقية المعرفة الطويلة بطيور الخليج العربي، إلا إنه مثلي كانت معرفته بأصناف العراق شحيحة، ولكنه شاطرني رغبة التعرف أكثر على هذه الطيور. بدأنا جمع العينات في ذلك الصيف”(۱۰).
ويكشف “تشيزمان” عن دوافع رحلته إلى الأحساء قائلا:” بحصولي على رتبة ضابط في الجيش الهندي أرسلت في الخريف إلى الشعيبة – (بالعراق)- وطوال الليل والنهار كانت أسراب من الطيور المهاجرة تمر فوق خيامنا متجهة جنوبا صوب صحراء الجزيرة العربية (11).
لقد أثارت أسراب الطيور المهاجرة فوق العراق في اتجاه الجزيرة العربية فضوله لدراسة الأصناف التي تعيش في الجزيرة، وهذا ما عبر عنه قائلا:” إن مجموعات العينات التي حصلنا عليها زادت لهيب حماسي لمعرفة الأصناف التي تعيش في وسط الجزيرة العربية. لا يوجد شيء من الجنوب في متاحف العالم لمقارنة عيناتنا “، ويواصل حديثه قائلا:” كثيرا ما ناقشت مع السير برسي كوكس الطرق والوسائل لإرسال جامع للعينات إلى الداخل .
للإطلاع على كامل البحث اضغط هنا
Alahsa Turath تراث الأحساء