بقلم الدكتور / محمد جواد الخرس

لحفلة الزواج أهمية كبيرة في عرف سكان مدينة الهفوف؛ لأنه يُعطي فرض كبيرة لتعميق معاني الألفة والمحبة والترابط والتعاون بين أبناء (…).
وتبدأ مراسيمه بخطبة البنت؛ حيث تسعى لها رجال أبناء إذا كانت الخطبة من خارج العائلة، وتسند مهمتها لأكبرهم سناً، وعادة ما يكون الاختيار راجعاً إلى رأي الأب والأم، وما على العريسين آنذاك غير الموافقة؛ وذلك يعود إلى صغر سن كل منهما حيث كان من المألوف أن يتم زواجهما وهما صغيرين، فالبنت يبدأ سن زواجها من التاسعة، والولد من الثانية أو الثالثة عشرة.
وعادة ما يحتفي الأصدقاء بعريسهم في هذه المناسبة حيث يأخذونه إلى أحد عيون الماء مثل (أم سبعة، الجوهرية، المطيرفي، أم خريسان، أم الخيس)؛ وذلك لتنظيفه وإشاعة جو من المرح والنكتة في أيام العرس، وفي ليلة الزواج بعد أكل الوجبة يستضيف أبناء (…) زفاف ابنهم عن طريق دعوتهم له لشرب القهوة، وتناول المرطبات في مجالسهم وهو من مظاهر الزواج التي دخلت مؤخراً.
وعادة ما يبرز أصدقاء العريس وفاءهم له وذلك بترديد أناشيد الفرح (الجلوات) في ليلة الزواج وهي كثيرة جداً، وعادة ما تتضمن الصلاة عل النبي محمد m، وبعض منها شعراً غزلياً لمناسبته التامة لليلة الزفاف، ومنها على سبيل المثال:
ابشروا بالمواهب
آل فهر وغالب
شاع في الناس فضلكم
وعلا في المراتب
افخروا يا لقومنا
بالثنا والرحائب
قد فخرتم بأحمد
زين كل الأطائب
فهو كالبدر نوره
طالع ليس غائب
قد ظفرت خديجة
بجليل المواهب
بفتى هاشم الذي
مال من مناسب
جمع اللَّه شملكم
فهو رب المطالب
أحمد سيد الورى
خير ماش وراكب
فعليه الصلاة ما
سار عيس براكب
وجلوة أخرى:
صلى الإله وسلم
على الحبيب المكرم
إن الصلاة عليهم
تفرج الهم والغم
أحمد الهادي أميني
وهو شفيعي مسلم
أودع طه علوم
أسرارها له علم
حج وصوم صلاة
بالمرتضى له ألزم
وجلوة أخرى عادة ما تُقرأ والشبان يحوطونه وهو متوجه إلى بيت الزفاف:
ألف صلى اللَّه على أحمد
سيدي بدر التمام
وصلاتي وسلامي
على المُضلل بالغمام
زارني المحبوب ليلاً
يا خليلي في المنام
فدنى مني وأبدا
عن مُحياه اللثام
والذي أدهى فؤادي
فبرى مني العظام
قد بصرت الوجه منها
زاد شوقي وغرامي
وجهها يشبه بدر
أو كشمس في تمام
وبعضهم كان يدعوا فرق العرضة، وكانت قليلة جداً لدى سكان حي الرفعة الوسطى والشمالية، ومألوفة لدى سكان الرفعة الجنوبية والنعاثل، ويستمر الزواج قديماً سبعة أيام، تبدأ من صباح يوم العرس الذي ستكون الحفلة في مساءه، تُستضاف فيه العائلة بأكملها وبعض من الأصحاب والأصدقاء.
ومن العادات في الهفوف قبل عهد النفط ما ذكره محمد طه الشيخلي، أن صديق له أخبره “أن الزفاف يقع في بيت العروس فيدخل العريس إلى الغرفة ويكون قد رأى أربعة نسوة قد وضعوا العروس فوق حرام (جاجيم) وحملوها كل منهن من ركن فيقولون للعريس: اشتر، فيجب أن يعطيهن ما تيسر من الإكرام (البخشيش)، وحينئذ يضعنها ويتركونها ويخرجون، وعلى العريس أن يبقى في بيت العروس ثلاثة أيام لا يخرج خلالها مطلقاً، فإذا فعل قيل: أنها لم تعجبه”[4] .
أما في بعض الأحياء ومنها حي الرفعة الوسطى يكون الزواج في بيت والد العروس طيلة الأيام السبعة، وفي آخر ليلة تنتقل العروس إلى بيت زوجها، وإذا أرادت الانتقال إلى بيت العريس سبقتها النسوة على باب البيت، وقد وضعوا سفرة من الخوص وعليها حب هريس وفوقه جت (برسيم)؛ لتدوس عليه عند الدخول تطلعاً لدخول الخير على بيت العريس بدخولها، إذ كثيراً ما يعتقدون بقول “تباركوا بالنواصي والبقاع، وبعضاً من الذرية”.
وعادة ما يجلس العريس ووالده وأبناء عمومته لتلقي التهنئة بالزواج لمدة ثلاثة أيام، أما في عهدنا الحالي فقد تقلص إلى يوم واحد، كان يجلس فيه من الصباح حتى الظهر، ومن بعدها بعد صلاة العصر وحتى المغرب، بل انتهى الحال في تاريخنا الحالي إلى الجلوس فقط من بعد صلاة العصر وحتى المغرب.
ومن الأعراف أن يُقال حال التهنئة للعريس: “مبروك، منك المال ومنها العيال” ويرد عليه بعبارة: “اللَّه يبارك في حياتك”، وحال الخروج يُقال: “حركة مباركة”، وكان آنذاك يلزم القادم للتهنئة أن يُصافح جميع الموجودين بالمجلس، وخلال المجلس تُدار القهوة على الحضور، والمبخر المجهز بجمر (الغضا) والموضوع فيه قطعاً من طيب العود (الصنفي) المجلوب من الهند، أو جاوه من أندونيسيا، أو تايلند.
الأعياد هي الأخرى من المناسبات التي يغتنمها سكان مدينة الهفوف؛ لتأصيل معاني المحبة والإخاء، حيث تبدأ تقاليدها بلبس الثياب الجديدة، وأكل شيئاً من الحلوى أو التمر إذا كان في عيد الفطر، ثم الذهاب إلى المسجد لصلاة العيد، وبعد الصلاة يقوم كل فرد منهم بزيارة أبناء عمومته من كبار السن في منازلهم، ويمكث في بعضها وفقاً لوجاهة صاحب المجلس، ومستوى علاقته الاجتماعية به.
وعادة ما يلزم على القادم على المجلس أن يُصافح الجالسين، وتبادل القبلات بصفحة الخد، غير أنه يخص كبير السن بتقبيل رأسه، وهو يقول: “عيدك مبارك”، وفي المجلس تُدار القهوة والتمر، والطيب بالمبخر. وعند مغادرة المجلس يقول: “أشرف الأعياد” ويردون عليه: “أعادكم اللَّه على أمثاله”.
ومن أوجه تداعيات زيادة دخول الأفراد في عهد الطفرة الاقتصادية، فقد عمدت الكثير من العوائل إلى تأسيس مجالس لأفرادها، الشيعة منهم جعلوها تحت مُسمى (حسينية)؛ وذلك لكونها تُستغل بشكل كبير في إحياء ذكرى المناسبات الدينية، أما السنة فيطلقون عليها مجالس العائلة، وفي هذه المجالس استمرار ظاهرة توحد حضور أغلب أفراد العوائل في تلك المجالس.
عند حدوث وفيات في أحد أفراد العائلة -وهي سنة اللَّه في خلقه- تجد في أبناء الحي حالة تكاتف وتعاون جديرة بالذكر، حيث يتولى مجموعة منهم إبلاغ أبناء عمومتهم جميعاً وأصدقائهم بحالة الوفاة، ومن ثم عليه التوجه بسرعة إلى المقبرة؛ لإبداء معاني مشاطرة الحزن مع أبناء عمه مهما كانت عنده من المشاغل والالتزامات، وهناك تؤدى الصلاة عليه خلف أحد المشايخ.
وبعد مراسيم الصلاة والدفن، يقفلون راجعين إلى إحدى مجالسهم الرئيسية أو في بيت المتوفى، وعادة ما توضع أجزاء القرآن على إحدى الطاولات في منتصف المجلس، وتقرأ الفاتحة على روح المتوفى لعدة مرات.
والتكرار يعود لمراسيم لابد وأن يقوم بها المعزين الوافدين إلى المجلس، حيث يلزمه بعد الدخول أن يُصافح الجميع من أول المجلس إلى آخره، قائلاً لكل واحد منهم: “عظم اللَّه أجرك”، وقبل أن يأخذ مكانه من المجلس يتوجه إلى أجزاء القرآن إذا كان يعرف القراءة؛ ليأخذ أحد الأجزاء، وقبل القراءة يقول بعالي صوته: “رحم اللَّه مُعيد الفاتحة”، فيرد عليه البعض من مجاوريه في المكان: “أحسنت”.
ومن لا يعرف القراءة يقرأ ما يحفظه من قصار السور، أو أي من الذكر الحكيم، ويكثر من قول: “رحم اللَّه مُعيد الفاتحة”، وكذلك تُقال بين الحين والآخر حتى ممن قرأ بعض أجزاء القرآن؛ وذلك لإشاعة أجواء الوقار على الفاتحة، وإهداء أكبر مقدار من الثواب إلى روح المتوفى، بهذا تتردد سورة الفاتحة كثيراً على روحه.
كما أنه يُجلب بعض الخطباء الوعاظ المذكرين بسنة اللَّه في عباده (هذا عند الشيعة منهم)، وما يلزم العباد من الصبر والسلوان والاتعاظ بحال الماضين، وعليهم أن لا يغتروا بالدنيا وزينتها، وأن يتوجهوا إلى اللَّه بالتوبة والمغفرة… وغيرها من مجالس الوعظ، وكثيراً ما يتلوا الخطيب وصف الإمام علي بن أبي طالب A للمتقين عندما طلب منه أحد أصحابه ذلك ويُقال له همام، وكذا قصيدة أبو الحسن التهامي في رثاء أبنه، وعند خروج المُعزي عليه أن يقول: “أحسن اللَّه عزاءكم”، ويُصافح المُعزى وبعض أقربائه، وعليهم أن يردوا عليه بقول: “شكر اللَّه مسعاك” و “جزاك اللَّه خير”.
ولعل أبرز ما تتميز به مجالس العزاء في عهد الطفرة هو انتشار ظاهرة الإطعام في مجالس العزاء للحاضرين بشكل ملفت حتى لقد تخللتها وجبتي طعام غداء وعشاء من اللحم والرز المبالغ فيه، هذا غير تقديم المرطبات سائر وقت العزاء من الصباح حتى المساء، وذلك يعود إلى حالة اليسر المالي الذي أطلت به الطفرة الاقتصادية على حياة الناس؛ وقد سبب ذلك إرهاقاً شديداً لغير المقتدرين على مجاراة هذه الظاهرة حيث يجمع في أيام عزاءه مصيبتين، مصيبة فقد المتوفى والثانية تحمله نفقة أيام الفاتحة الباهظة.
وصف طه الشيخلي العديد من العادات والتقاليد فقي مجتمع الهفوف قبل عهد النفط، فقد ذكر بأنه: “إذا دعوا أحداً في الأيام الاعتيادية (غير الولائم الخاصة) يقدمون له القهوة فقط، وللإكرام يتقدمها تمرات يُقال لها (كدوع)، وإذا أضيف إلى ذلك اللبن كان مبالغة في الإكرام”[5] .
كما يصفه عند زيارة أحدهم لصاحب الدار أنه”إذا شرب الضيف القهوة وأراد الخروج قال له صاحب الدار: تطيب تطيب، فيجلس ثانية، فيأخذ (المبخرة) وهي من الخشب لها مقابض من أسفلها، ومبطنة من النحاس، فيضع فيها الجمر، وينفخ عليها، وعند صعود الدخان يتطيب بها هو أولاً يُسوق الدخان بكفه إلى جانبه ، ويشمها بأنفه بصوت مسموع، ويضعها تحت لحيته، ثم تحت عبائته وثيابه، ثم يُعطيها للجالس بجانبه فيفعل مثل فعله، وهذا إلى الذي بجانبه، وهكذا تدور المبخرة إلى أن ترجع إلى صاحب الدار، ثم يُعطيها كذلك للدور الثاني، ثم ترجع إليه إلى أن يضمحل العود الذي بها، ولا يخرج منها دخان”.
أما بالنسبة للقهوة فإنهم” يعلمون لكل وافد سواء كان شخصاً واحداً، أو أكثر قهوة جديدة باسمه، فإذا جلس الضيف قال صاحب الدار لعامل القهوة: شب أو شب الضوء، فيقول الضيف: لا القهوة زاهية أي أعطوني من القهوة الموجودة، ويقول الأول (صاحب الدار) لا باللَّه شب يكررها مرتين أو ثلاثاً، وأخيراً تنتهي القضية بإشعال النار وعمل القهوة مجدداً.
ليس منها من محيص إلا في العيد، فيعيدون هذه النغمة ولكن الضيوف لا تقبل، فيقول الضيف: قهوة العيد زاهية ولا يدعهم يشبون الضوء إلا ما ندر، كأن يكون الضيف غريباً عن الديار، أو قد أتى من إحدى القرى البعيدة، وإن كان شخصية كبيرة ولو من نفس البلد، فيشبون الضوء على كل حال.
فإذا اشتعلت النار ذهب عامل القهوة، أو أحد أعضاء البيت، أو صاحب الدار نفسه إلى داخل الدار، فأتى بشيء من القهوة في يده ،وأعطاه لعامل القهوة، وأحياناً تكون حاضرة عند صاحب الدار، فيُخرج منها مقداراً ويعطيه لعاملها، فهذا يضعها في المحماس فيقليها ويعملها شقراء على حد قولهم.
ثم يصبها في طبق صغير من ألياف الأشجار؛ لتبرد، فيضعها في الهاون (النجر) ليدقها، ثم يأخذها وفي هذه الفترة يكون الشربت (الماء) قد فار (غلى)، فيضعها في أحد المعاميل (الأباريق) (الدلال) ويصب عليها من الشربت فتطبخ، ثم يصب صافيها في إبريق أصغر منه (دلة القهوة)، ثم يغسل الفناجيل ويعرضها على النار؛ لتذهب عنها الرطوبة، ثم يصب ويقدم القهوة للضيوف وللموجودين قبلهم وإذا أتى أحد بعد ذلك فيعملون كذلك وهكذا”[6] .
أما عند صب القهوة فإنهم”يعطون القهوة بيدهم اليمنى، ويمسكون الإبريق (الدلة) في اليسرى كما عليك أن تستلم الفنجان بيمينك” ويُضاف على ذلك “ينبغي للضيف إذا اكتفى من شرب القهوة أن يهز الفنجان أمام الذي يصبها إشارة منه بعدم الرغبة في فنجان آخر.
أما في عهد ما بعد النفط، فقد استمرت تقاليد الضيافة كذلك لاحتفاظهم بالوجاغ، وأدواته من دلال قهوة نحاسية، ومحماس، ونجر، غير أن هذه التقاليد تغيرت بعد عهد النفط، لتجدد ديكور المجالس حيث صارت القهوة تُعد في داخل المنزل، أما من حيث تجديدها للضيوف فهو لا يزال قائم في الكثير من المجالس الكبيرة هذا بالنسبة إلى القهوة وتقاليدها، أما بالنسبة إلى تقديم طيب العود فلا يزال كما كان منذ ذلك الزمان وحتى عهدنا الحاضر.
في فترة ما قبل النفط، يقول طه الشيخلي وقد عايشهم في فترة قاسية، خيم فيها الفقر على الكثير من سكان المدينة نظراً لما كانت تأخذه الحكومة العثمانية من ضرائب، وأتاوات تحت عناوين كثيرة، وللسلب والنهب التي تتعرض له المدينة من البدو المحيطين بها، ولانخفاض كبير في إيراداتهم المالية، أنهم: “يحملون اللحم تحت ثيابهم للحسد الموجود عندهم”، و”يلبسون العباءة مقلوبة إلى أن يتغير لونها ثم يلبسونها على وجهها قدر تلك المدة لفقرهم المدقع”.
أما القصابون فإنهم “يضعون اللحم على لوحات خشبية ولا يعلقونه لئلا يشبه المصلوب”[7] أما من حيث ركوب الحمار، فإنهم يركبونها”قعوداً فوقها ورجلاهم على جانب واحد وهو الأيسر من الحمار، ويقولون: لا يليق بالرجل أن يركب الحمار كما يركب الخيل”[8] .
أما بالنسبة للمساومة فهي أمر ضروري عندهم يدل على نباهة المشتري وحذاقته. ومن ممارستهم في الشراء فإنهم يعتمدون علامات تدلهم على جودة الصنف المطلوب شراؤه وهي علامات كثيرة:
ففي شراء القعود يتحسسون السنام، إذا كان مليئاً بالدهن أم لا وهو الجيد، أو من ضلعه إذا كان مكسوا باللحم.أمال في شراء البقر فيتحسسون أبط الفخذ إذا كان متين وبه شحم، وكذا يتحسسون كامل المنطقة الواقعة من الذنب إلى ضرع البقرة، أما الضرع ففيه علامة يحرصون على التأكيد منها؛ فإذا كاان الضرع به دسماً خارجياً وليناً واضحاً دلهم ذلك على طيب الحليب وكثرته.
أما الخروف فيتحسسون فيه الرقبة إذا كانت مكتسية باللحم أم لا، بينما التيس يدلهم على وفرة لحمه ذيله إذا كان متيناً، ووفرة الحليب في الماعز يستدلون عليه بارتفاع الضرع وامتلائه، إذ لو كان شبه المعلق المتدلي فإن ذلك دليل على خلوها من الحليب. والدجاج علامتهم في طيب لحمه ليونة جلدته، هذا في الحيوانات.
أما في الخضار والفواكه فلهم علامات عده على الجودة، منها: أن يكون البامية لونها أخضر وينكسر رأسها المدبب، أما القرع أن يحكون مشرباً بالخضرة وبه زغب، والبعض منهم يعمد إلى إدخال أضفره بها للتأكيد من ليونته، أما الباذنجان فعلامته شدة السواد وأن تكون قاعته خالية من التقعر؛ لاعتبارهم بأن المتقعرة أو الشبيهة بالمثقوبة ذكراً وهو خلاف الجودة.
أما الخوخ فهم يفرقون بين نوعين منه ماله زائدة في أسلفه أشبه بالسر، والآخر خالي منه، والطيب الحلو هو الخالي منه، أما البطيخ الحساوي فيستدل عليه بالشم، وأن يكون قشرها الخارجي خشن؛ إذ كلما ازداد خشونة دلهم ذلك على أنه مليء بالماء، وعلامة أخرى أن يكون شبه المفرد في خارجه إلى قطع طولية واضحة، ويُدعى في هذه الحالة بـ(الفريدوني)[9] .
وهي تعقد مرتين خلال العام، إحداهما تُسمى بالناصفة (حجو مدينة) وهي تصادف النسف من شعبان، والأخرى بالقرقيعان وتصادف النصف من رمضان. وهما كالآتي:
الناصفة (حجو مدينة): من أفراح الأطفال السنوية المقتصرة على البنات فقط في فترة ما قبل النفط؛ حيث يجتمع بُنيات الحارة في بيت إحداهن، ويؤتى بقدر (الغبوبة) وهو عبارة عن كمية الرز المتبقية من عشاء ليلة البارحة، حيث يكثرون من كميته احتياطاً لمجيئهن، ومن المراسيم التي اعتدنها في هذه المناسبة آنذاك أن يُقلب غطا القدر إلى الداخل ويُدق عليها أثناء نشيدهن المعروف:
أنشودة الناصفة (حجو مدينة):
حجوا مدينة يا الله
لقمة وسمينة يا الله
عسا نعوده يا الله
نركب قعوده يا الله
قعود لحمر يا الله
القرقيعان: من العادات الجميلة التي تحتفي بها عوائل مدينة الهفوف فرحة للأطفال بمناسبتهم السنوية التي أشبه شيء بالكرنفال السنوي؛ حيث ينظمون مع أبناء حارتهم في المشاركة بإنجاح تلك الاحتفالات البهيجة الواسعة النطاق التي لا تقتصر على البنات فقط كما في (حجو مدينة) بل يُشاركهم الأبناء.
فتجدهم يستعدون قبل يوم أو يومين بشراء الحلويات والمكسرات؛ لتوزيعه حال مجيء الأطفال أمام البيوت وأثناء تجوالهم في السكك، وهو يرددون أنشايدهم الطفولية الجميلة، لابسين الثياب الجديدة، وقد طوق كل منهم رقبته بكيس صغير من قماش السواحل أو علقه على كتفه؛ وذلك لجمع ما يُفرق عليهم من هدايا الجيران.
انشودة القرقيعان:
قرقع قرقع قرقيعان
يم قصير وارميضان
عاما اعام يا صيام
يا صايمين شهر رمضان
كله كله بالتمام
الله يعز الإمام
إلي عطانا البستان
نقطق خوخ ورمان
عطونا الله يعطيعك
بيتمكة يوديكك
يوديكم لاهليكم
أما ثواب وأما جواب
وأما قطيعة من الباب
قرقش له يا قرقش له
خل الطير ينقش له
نقش الطير بضروسه
لوما علياكم ما جينا
كب الكيس يعطينا
ياربي سلمه لأمه
ويلحفه بالجاعد
عن المطر والرعد
والعيش عيش القار
طارت به السحارة
عطونا من مال الله
يسلم لكم عبد الله
عطونا من مالكم
يسلم لكم اعيالكم
عطونا وإلا بنروح
ورانا سبعة بيوت
واقريقشه حلاوات
على النبي صلوات
واقريقشه حلاوات
على النبي صلوات
عساكم من عواده
ولا تقطعون العاده
تسكب عوائل مدينة الهفوف حناناً دفاقاً في قلوب أبنائها من خلال ملاعبتهم ألعاباً ممزوجة بالحركة والإيقاع الشعري البسيط، الذي يُشيع جو الفرحة والتسلية للأطفال، ومن تلك الألعاب ما يلي:
قرصة القروص وإلا مهفة العروس: يُجمع أكثر من طفل، ويجلسون على الأرض وأيديهم على وجه الأرض، مشكلين في تجمعهم نصف دائرة، وعندها يقوم ملاعبهم بقراءة هذه الكلمات الرقيقة، وهو يتنقل بإيقاعها على أيدي الأطفال واحداً بعد الآخر بيده، وهو يقول:
حديرجه بالديرجه … مريت على غرابين … وقلت يا عمي حسين … ويش بقى على رمضان … قال … سبعة أيام تمام … والحركة والبركة في ذيي.
وما أن ينتهي بكلمة (في ذيي) إلى على يد أحد الأطفال مصادفة، وهنا يسأله: هل تريد قرصة القروص وإلا مهفة العروس؟ وطبعاً يطلب الطفل مهفة العروس؛ لأنها أحسن، وهنا يهف عليها بيده، ويقول له: احفظها دافئة وإلا نقرصك قرصة القروص، وعندها يستجيب الطفل بدسها في جيبه وقد جمع على راحة يده بأصابعه الصغيرتين بأقوى ما عنده. وهكذا يعيد قراءة الكلمات مرة أخرى كما فعل في الأولى حتى ينتهي من آخر يدين، حيث يراوح بالتنقل بينهما بيده.
لعبة يكاكسي ينابتي: يستلقي الأب على ظهره، ويثني ساقيه واضعاً رجليه على الأرض، بعدها يضع طفله واقفاً على قدميه محتضناً ساقيه،وهنا يرفع ساقيه إلى الأعلى وهو يقول في كل مرة إحدى مقاطع هذه الكلمات:
يا كاكسي يا نابتي … يا حبيش … يا ربيش … يا أكال العيش.
وهكذا يعيد الكلمات بعد نهايتها مراراً والطفل في فرحة غامرة؛ لنزول الأب إلى هذه الدرجة من اللعب والمؤانسة. ……………..يتبع
المصدر / ![]()
Alahsa Turath تراث الأحساء