الرئيسية / مقالات / ملامح الحياة الاجتماعية لسكان مدينة الهفوف – لغة ولهجات سكان مدينة الهفوف(الجزء الرابع)

ملامح الحياة الاجتماعية لسكان مدينة الهفوف – لغة ولهجات سكان مدينة الهفوف(الجزء الرابع)

د. محمد جواد الخرس

بقلم الدكتور / محمد جواد الخرس

سكان مدينة الهفوف يتكلمون العربية، عبر عدة لهجات، منها ما هو مشهور على صعيد الوطن العربي، وآخر محلي على مستوى حاضرة الأحساء.

ويجدر بنا قبل التعرف على تلك اللهجات، أن نقف على طليعة العلاقة التي تربط بين اللغة واللهجة.

يقول (رمضان عبد التواب 1983م): “العلاقة بين اللهجة واللغة، علاقة الخاص بالعام”[10] . معللاً ذلك بما ورد عن (إبراهيم أنيس 1963م) وذلك بأن “بيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل، تضم عدة لهجات، لك منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعاً في مجموعة من الظواهر اللغوية، التي تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث، فهماً يتوقف على قدر الرابطة، التي بين هذه اللغات، وتلك البيئة الشاملة، التي تتألف من عدة لهجات، هي التي اصطلح على تسميتها باللغة”[11] .

وقد عكست لهجات سكان مدينة الهفوف المتعددة عمق تراثهم الحضاري القديم، وتنوع أصولهم القبلية، والديار التي هاجروا منها، ويتضح هذا الواقع من خلال تطبيق واقع لهجات سكانها على القواعد اللغوية التي أصلها علماء فقه اللغة في هذا لمجال، حيث لم يكتفوا بان وصفوا تلك اللهجات، بل وعينوا القبائل العربية الناطقة بها، وفيما يلي اللهجات الدارجة على ألسنة سكانها:

أولاً: لهجات سكان مدينة الهفوف المشهورة عند علماء اللغة العربية القدامى:

هناك العديد من اللهجات المشهورة عند علماء اللغة العربية قديماً، فقد روى عن الأصمعي، وأبو الحجاج البلوي أنه جرى في إحدى مجالس العرب سؤال عن أفصح الناس، فقام إعرابي، مادحاً إحداها، ومورداً أسماء اللهجات المتداولة على ألسنة العرب آنذاك، وقد ورد في تلك الرواية على اختلاف راويها العديد من الأسماء منها:

رتة العراق، وكسكة بكر، وكشككة وعنعنة تميم، وشنشنة تغلب، وغمغمة قضاعة، وطمطمانية حمير.

وبعد مطابقة أوصاف تلك اللهجات على لهجات سكان مجتمع الهفوف اتضح ، بأن فيهم من ينطق ببعضها وبغيرها من اللهجات الغير مسماة حتى وقتنا الحاضر، وهي كما يلي:

1- الكشكشة: “ويعزى هذا اللقب إلى ربيعة ومضر، كما يعزى إلى بكر، وبني عمر بن تميم، وناس من أسد.

وهذه الظاهرة عند اللغويين عبارة عن إبدال كاف المؤنثة في الوقف شيناً، أو إلحاقها شيناً، وقد ذكر سيبويه هذين المذهبين من مذاهب العرب في الكشكشكة، فقال: فأما ناس كثير من تميم، وناس من أسد، فإنهم يجعلون مكان الكاف للمؤنث الشين، وذلك أنهم أرادوا البيان في الوقف؛ لأنها ساكنة في الوقف، فأرادوا الفصل بين المذكر والمؤنث بحرف، كان أقوى من أن يفصلوا بحركة … وذلك قولك، إنش ذاهبة، ومالش: يريد، إنك ومالك.

ويقول ابن دريد: وإذا اضطر الذي هذه لغته، قال: جيدش، وغلامش، بين الجيم والشين، إذا لم يتهيأ له أن يفرده، كما يقول البلوي: ومن العرب من يلفظ بهذه الكاف، بين الجيم والشين، وذلك في اللغات المرغوب عنها، لما لم يتهيأ له أن يفرد الجيم، ولا الشين”[12] .

وهذه اللهجة كثيرة التداول لدى أهل الهفوف خاصة عند الشيعة منهم، في (حي  الرفعة، وحي الكوت، وحي النعاثل)، غير أن البعض منهم يستبدل الكاف بالشين مطلقاً، كما هو حال (محلة الرقيات)، وبعض عوائل (محلة الفوارس)، ومنهم من يلفظ الكاف بين الجيم والشين كما هو الحال لدى عوائل (محلة سوق الصاغة)، كقول أحدهم: ثوبش، وكتابش في: ثوبك، وكتابك.

ويجدر بنا التفريق هنا بين الكشكشة والشنشنة التغلبية اليمانية، كما روت المصادر هذا اللقب، منسوباً إلى لغة اليمن، ورواه بن عبد ربه، لقبيلة تغلب، وهو عبارة عن جعل الكاف شيناً مطلقاً، فقد سمع بعض أهل اليمن في عرفه يقول: لبيش اللهم لبيش، أي لبيك اللهم لبيك[13] ، فأهل اليمن يقولونها مطلقاً[14]  (للمذكر والمؤنث) بينما الكشكشة للمؤنث فقط.

2- العجعجة: “ينسب اللقب إلى (قضاعة) فقد حكى الأزهري، عن أبي زيد أنه قال: والعجعجة في قضاعة، كالعنعنة في تميم، يحولون الياء جيماً، كقوله:

المطعون اللحم بالعشج

وبالغداة كسر البرنج

يقلع بالود وبالصيصج

أراد بالعشي، والبرني، والبصيصى”[15] .

وظاهرة هذه اللهجة غير منتشرة في كلمات أهل مدينة الهفوف في الوقت الراهن ولا من قبل، غير أن حالة واحدة عثر عليها قديماً قبل عهد النفط (محمد رؤوف الشيخلي 1321هـ) وهي كلمة يهودي يحث كانوا ينطقونها جهودي وقد علل ذلك بانهم لا بد وأنهم فهموا أن بعض العرب يلفظ الجيم ياء، ففي وهمهم أنهم يرجعونه إلى أصله[16] ؛ لما كان منتشر عندهم بعض الكمات التي ينطقونه على لغة تميم من حيث إبدال الياء جيماً إذ يقولون في “مسجد” مثلاً: “مسيد” فقد روى أن ني تميم يقولون في: “الصهريج” وفي جمعه “الصهاريج” وهو الذي يجمع فيه الماء: “الصهري والصهاري”[17] .

3- الكسكسة: “يعزى هذا اللقب إلى قبيلة بكر، كما يعزى إلى هوازن، وعن الفراء أه في لغة ريعة ومضر، وفي القاموس المحيط أن الكسكسة لغة تميم لا لبكر، ويه إبدال كاف المخاطبة سيناً، كما اقتصر بعضهم على القول بأنها زيادة سين على كاف المخاطبة في الوقف”[18] .

أما من ينطق بها في مدينة الهفوف فهم بعض السنة الساكنين في حي الرقيقة، إذ يقولون في “اعطيتك” مثلاً: “اعطيتكس”.

لهجات عربية متفرقة في مدينة الهفوف:
1- يتفق أغلب سكان مدينة الهفوف على نطق العديد من الكلما المعروفة في اللهجات العربية، ومن تلك قولهم: “هذي فلانة” بدلاً من “هذه فلانة”، فقد ورد عن تميم أنهم يبدلون (هاء) هذه (ياء) حالة الوصل؛ إذ أن كلمة (هذه) مركبة من (هاء) التنبيه، وأسم إشارة (ذه) وكلمة هذه تثبت هاؤها وصلاً ووقفاً لدى القبائل العربية، وقد ورد بها القرآن الكريم نحو قوله تعالى في سورة يوسف، آية 65: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾[19] .

2- تختص العديد من عوائل الشيعة في مدينة الهفوف، بإضافة (هاء السكت) بعد ياء المتكلم، إذ يقولون في “كتابي، وسيارتي، قلمي” مثلاً: “كتابيه، وسياريتيه، وقلميه”وهي لغة عربية نطق بها القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيهْ﴾.

ثانياً: لهجات سكان مدينة الهفوف الغير معروفة عند علماء فقه اللغة العربية القدامى:

هناك من اللهجات الغير معروفة عند علماء فقه العربية القدامى، ولعل البعض منها ليس من مختصات سكان مدينة الهفوف، وتلك كما يلي:

1- إبدال القاف غين، والغين قاف: وهذه منتشرة بشكل كبير في مدينة الهفوف ويشترك فيها الشيعة والسنة، وهي ليست من مختصات مدينة الهفوف بل يصل حد انتشارها في المنطقة الشرقية، وبعض دول الخليج كالكويت.

2- حذف نون الوقاية من الكلمة: وهذه قليلة الانتشار، وأظن أنا لا تتعدى حدود حي الرفعة إذ يقولون في “ضربني” مثلاً: “ضربي”.

3- لهجات خاصة على مستوى المحلة: هناك بعض اللهجات التي اصطلح على استعمالها مجموعة من سكان المدينة، جمعت بيهم حرفة معينة، أو محلة معينة، وقد وقفت في الوقت الحاضر على اثنتين منها هي:

أ- لهجة (فريج الصاغة): ودواعي استخدامها، طبيعة مهنتهم التي قد تتطلب كثرة الاتصال بأبناء البادية، وأهل القرى، بخصوص إنجاز أداء عمل معين، كالخياطة والصياغة، فقد استحدثوا لهم لهجة مكونه من مفردات عربية مهجورة الاستعمال، وأخرى اصطلحوا على ألفاظها للدلاله على معاني معينة، وذلك من أجل التخلص من بعض المواقف المحرجة، دون إحداث مضايقة للطرف الآخر ومن تلك المفردات كما في الجدول المرفق:

الكلمة معناها في اللهجة معناها في معاجم اللغة العربية المصدر
كسع في استخدامها المتعارف عليه، ذهب وأخلى لسبيله كسعه: طرده المنجد، الطبعة السابعة والعشرون، 1984م، ص685
الرابص الجالس ربص في المكان: لبث في المكان ص245
المرزز الرز المرزز من الطعام: ما فيه رزا ص257
كسر طست كذب    
طروخ الحال طيب ويستحق المدح    
خشف الشيء الطيب، الحلو الخشاف: زبيب ينقع بالماء ثم يؤكل بمائه، خشاف الرمان: يكون فيه حب الرمان بدلاً من الزبيب و يحلى بالسكر ص181
المحزز اللحم    
رصعة الموجود في المكان رصع رصوعا بالمكان: أقام بالمكان ص265
الشفت الفرد، ويقال للذكر، أما الأنثى فيقال لها الشفته.    
الهاروت الدخان    
دوى الهاروت الكبريت    
طسه أسكته طسه: خصمه وأبكمه ص465
يملخ ينافق الملاخ: الملاق ص773
طسيس غبي    
طس ذهب طس القوم: أبعدوا في المسير، يقال: “ما أدري أي طس، أي أين ذهب”.  
النبارة الدجاجة    
السباح السمك    
الدبيانة القهوة    
عباس أحمر الشاي    
البورق اللبن    
المصفق الخبز    

ب- لهجة (فريج الرفعة الشمالية): وقد استخدمت من قبل أبناء فريج الشمالي الذين انتقلوا إلى حي الفاضلية، وقد استخدمت من قبل أبناء عائلة اليحيى، والقرين، والبو ناجمة وغيرهم، وألفاظها عربية وعامية، وليس لها قواعد ثابتة فهي تتغير فيما من كلمة إلى أخرى، فهم يضيفون بعض الحروف على كل كلمة، منها حروف ثابتة في أول الكلمة وهما الألف واللام، وأخرى كحرف التاء والنون حسب حاجة الكلمة، بشرط أن لا يعقد نطقها وفهمها على الآخر، فعلى سبيل المثال: كلمة ورق، الدفتر، والمكتب تُصبح: الوترنق، والدفتنر، المكتنب، وهكذا.

 

المصدر /

شاهد أيضاً

عبدالله باشا السعدون في مواجهة فساد السلطة العثمانية في الأحساء

بقلم المهندس/ مصطفى طاهر الغزال اتسمت فترة الحكم العثماني الثاني في الأحساء (1288م -1331هـ/1871م – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *