

بقلم الأستاذ / أحمد علي الأمير
يكتمل البشت الحساوي بصورته البهيّة من خلال تعاون مشترك بين الحائك ومخيّط البشوت، حيث ينسج الحائك قماش البشت بالنول، والمخيِّط يصوغ حوافها بخيوط الزري المطلية بالذهب والفضة، والخياطة في البشوت تعبير مجازي وإنما هي صياغة البشوت. ولبس البشت والتأنق به هو المشهد الأخير، أما البداية فهي رحلة طويلة يمر خلالها البشت في خمسة مراحل أساسية:
المرحلة الأولى: تبدأ بشراء وبر الجمال وصوف الأغنام من الأسواق المحلية في الأحساء، وتنظيفه وغزله بالمغازل اليدوية عن طريق النساء، ولكن لم يُقتصر على الغزل المحلي، حيث تم استيراد خيوط غزل من بعض مدن إيران مثل بوشهر ويزد ونائين والدورق (الفلاحية) عن طريق تجار الأسر الأحسائية منهم البوعلي، والأمير، وبوحليقة، والهلال، والمرزق، والحرز، والعليو، وأيضاً تم استيراد غزل صوف من بغداد منها من مصنع فتاح باشا في بغداد[1]. كما أستورد أفراد من عائلة الحمد غزل هندي، كان جيد المستوى وأقل سعراً من الوبر الأيراني[2]. كما تم استيراد غزل ونسيج لندني عن طريق بعض التجار الأحسائية منهم الشواف في البحرين، والرمضان [3] والموسى الفداغم في الأحساء.
المرحلة الثانية: يقوم الحائك بفرز رصات الغزل حسب سماكته ولونه التي لا تتعدى الألوان الطبيعية لصوف الأغنام إما أسود أو بني أو بدري(سكري)، وقد يضطر الحائك إلى صبغها في حال عدم تجانس لون خيوط الغزل او بهتان لونها [4]، وذلك بغليها في قدور كبيرة ويضاف لها الصبغ الذي يصنعه الحائك بنفسه من مواد طبيعية مثل قشور الرمان وأوراق الحناء وأوراق الشاي ويضيف لها مواد محلية من الحواج (العطّار) لتثبيت اللون مثل “جفت”، “وفوفل” وذلك للحصول على درجات اللون البني، أما صبغ الغزل باللون الأسود يتطلب نقع المواد الطبيعية مثل قشور الرمان وأوراق الحناء وأوراق الشاي والتمر وبقايا الحديد ومادة مثبته للون تسمى “هليلج”، ونقعهم جميعاً في خَرْسَ[5] ماء وذلك لمدة طويلة قد تصل إلى العام او العامين مما يكسبها رائحة كريهة جداً وتعرف بعد ذلك بالندوة، حيث يؤخذ من الندوة مقدار ما يحتاجه من الصبغ وإضافته على خيوط الغزل في حالة غليانها في القدر، ثم يُغسل الغزل المصبوغ في مياه عيون الأحساء الطبيعية منها عين البحيرية وعين أم خريسان بالهفوف.
المرحلة الثالثة: حياكة خيوط الغزل وتحويله إلى قماش(دروج) للبشت وذلك عن طريق حياكة نسيجه باستخدام آلة النول اليدوية المصنوعة من الخشب التي تلاشى استخدامها اليوم، حيث حلت محلها آلة النسيج الحديثة لحياكة النسيج آلياً. و كان الحائك في الأحساء يتنج يدوياً أنواع مختلفة من نسيج البشوت، منها البشت الصيفي والبشت الشتوي والبشت الربيعي ونسيج لبشت يسمى معلّمة حيث يدمج فيها خيوط الزري والحرير مع خيوط الصوف لتشكل خطوط عريضة متوازية منسدلة على الكتف وهذا النوع غالباً محل طلب حكام البحرين، ومنها نسيج بشت البرقة ويدمج فيها لونين مختلفين من الصوف على شكل خطوط عريضة متوازية، ومنها بشت نسيج قيلان حيث يكون النسيج حرير مع غزل من الصوف، حيث تشرفت الأحساء بنسيج كسوة حساوية قيلانية للكعبة المشرفة، وذلك في عهد الامام سعود بن عبدالعزيز آل سعود كما ورد ذلك في مقال الدكتور محمد عبدالله آل زلفة استناداً على ماورد في “درر نحور الحور العين” للموؤرخ اليمني جحاف [6]. وأيضاً نسيج العباءات النسائية منها الجناع والمدخل والمزوية.
واشتهرت أسر كثيرة بحرفة الحياكة وتوارثتها أباً عن جد في الأحساء منها في فريق النعاثل الغربي والشرقي وفريق الرفعة الشمالية والكوت في مدينة الهفوف[7] ، منهم على سبيل المثال: أسرة الحمد، وأسرة البوحسن، وأسرة الناصر، وأسرة المعيلي، وأسرة الوحيمد، وأسرة الغتم، وأسرة المسلّم، وأسرة البوخضر، وأسرة الحدب، وأسرة الجدي، وأسرة الرصاصي، وأسرة سادة السويق، وأسرة العوض، وأسرة الحمادة، وأسرة المعيوف، وأسرة المزيدي، وأسرة البوعيسى، وأسرة الشليان، وأسرة الغريري، وأسرة العليو، وأسرة البن حمضة، وأسرة العبداللطيف، وأسرة القرين، وأسرة الصالح، وأسرة القرقوش، وأسرة المرزوق، وأسرة النجار وغيرهم. كما اشتهرت أسر أخرى بالحياكة في فريق العيوني وفريق السياسب وفريق الشعبة في مدينة المبرز[8] ومنهم على سبيل المثال: أسرة الأحمد(الحساوي) وأسرة الدندن وأسرة المهيني وأسرة السيافي وأسرة الدرع وأسرة الدريع وأسرة البوعريش وغيرهم. ولما ضعفت الحياكة قبل حوالي سبعون سنة بسبب ظهور النسيج الإنجليزي قديماً ولحقه الياباني دفعت الحاكة في الهفوف بأولادهم بتعلّم خياطة البشوت فامتلأت مجالس تعليم خياطة البشوت بجماعة من أبناء الحاكة، فظهرت طبقة من أبناء الحاكة يمتهنون خياطة البشوت وتغربوا أيضاً في البحرين والكويت لخياطة البشوت[9].

الحايك الحاج حسن الرصاصي.
المرحلة الرابعة: يستلم مخيَط (صايغ) البشت قماش البشت (الدروج) من الحاكة، ثم يرسم البشت حسب مقاس لبَاسه، والبشت يتكون من قطعتين قماش، قطعة تحتية وقطعة فوقية وهي التي يُصاغ عليها الخيوط المطلية بالذهب (الزري) يدوياً بالإبرة لتشكيل كَرمَك البشت، ويتم وصل القطعتين بما يسمى (خبانه) مما يتيح تقصير او تطويل البشت لاحقاً. والكرمك [10] في البشت الحساوي يتكون من ثلاثة أجزاء: خدّ أيمن، وظهر ثم خدّ أيسر، والخدّ ينتهي بحوذة مأخوذ أسمها من حوذة الحصان ثم خديد (تصغير خد) ثم ساق، ويتألف الخد في الكرمك من مكسر ثم تركيب ثم الهيلة التي تتألف من حِلّزُون وحشو ثم حِلّزُون، ثم تركيب ثم بروج، وسميت بالبروج لأنها تشبه مسننات أسوار القلاع والأبراج ومنهم من ذهب أنها تجريد لسعفة النخلة كما قال الأستاذ أحمد العبدالنبي في كتابه (الأحساء نخلة) وأن الهيلة تجريد لساق النخلة، ثم ينتهي الكرمك بوضع قيطان على المكسر على داير الكرمك من الداخل وتسمى أيضاً عميلة يتدلى منها على جانبي الكرمك خيط مُذهب يُشك فيه كرة من الزري تسمى بسرة تشبيهاً بالرطب الأصفر. وكل جزء من هذه الأجزاء يختص بها شخص وأشتهر ببراعته في هذا الجزء، وهناك من يعمل تلك الأجزاء مجتمعه وهنا يشار عليه بالإستاد. وعند عمل أي جزء من الكرمك (الهيلة – التركيب – المكسر- البروج) يتطلب من صائغه وضعية محددة في جلوسه لإتقان ذلك الجزء، فهناك جلسة للتركيب وأخرى للهيلة وهكذا. كما يُعمل مكسر آخر على اليد يُعرف مكسر المتن او الكعوب يبدأ من مقرن (زاوية) الكرمك وينتهي عند معصم اليد.


واشتهرت أُسر أحسائية بحرفة خياطة (صياغة) البشت الحساوي، وتوارثت صياغته أباً عن جد وجيلُ بعد جيل واشتهرت أحياءهم بصياغة البشت منها على سبيل المثال: حي الرفعة الوسطى في الهفوف والمتمثل في محلة الفوارس (فريق بن فارس)، ومحلة الحلة، ومحلة الرفاعة وجلّهم من أُسر الصاغة، ومنهم: أسرة الشواف، وأسرة الأمير، وأسرة بوحليقه، وأسرة الرمضان، وأسرة البغلي، وأسرة السليمان، وأسرة الغلام، وأسرة المسلم، وأسرة الـوايـل، وأسرة الخرس، وأسرة بوحمـد، وأسرة البقشي، وأسرة الباذر، وأسرة بوجبارة، وغيرهم. كما اشتهرت أسر أخرى بخياطة البشت الحساوي في مدينة المبرز ومعظمهم من أسر الصاغة أيضاً، حيث يُجيد كل منها صياغة الذهب والبشوت، منهم على سبيل المثال: أسرة المهنا، وأسرة المحمد علي، وأسرة الأربش، وأسرة النمر، وأسرة البن عيسى، وأسرة الناصر (الدوخي، العبد العزيز، الدجاني)، وأسرة العبد الوهاب وغيرهم[11]. ولثقة لباسة البشوت بإنتاج بعض العوائل الأحسائية لتميزها فيه، يوضع على البشت ختم باسم الأسرة المنتجة ويُعرف بمصطلحهم (درِييس). والجدير بالذكر أن هناك أحياء وعوائل أخرى كثيرة في الأحساء اكتسبت حرفة خياطة البشوت لاحقاً من خلال المجالسة والمجاورة لأصحاب حرفة البشوت.
حيث كان إنتاج البشت في الأحساء من ضمن مجالات الصاغة ويُقال إن البشوت كانت تُزين بخيوط معدنية فضية وذلك قبل التطور العلمي الذي أتاح صناعة “الزري” وهي خيوط قطنية مطلية بالذهب والفضة، لذلك من الأفضل ان يُطلق على هذا الفن “صياغة البشوت”. والجدير بالذكر أن الصايغ في الأحساء كان يتأرجح بين صياغة الذهب وبين صياغة البشوت في الزمن القديم تبعاً للحالة الأقتصادية، فإذا كان هناك كساد عام عزف الناس عن الكماليات كالذهب وذهبوا إلى الضروريات كالبشت، لأن لبس البشت كان من أعراف المجتمع السابق ولا فرق في ذلك بين الفقراء أو الأغنياء حيث كان من المعيب في الأحساء خروج الرجل منذُ سن العاشرة من منزله دون لبس البشت سواء الذهاب الى المسجد أو السوق، كما تشترك بعض أجزاء الحلي في حرفة صياغة الذهب في التسمية مع أجزاء البشت مثل الكَرّمَك، في الذهب يعده الصائغ بخيوط مفتولة مع بعضها من ذهب وفي البشت يعده من خيوط مطلية من الذهب، كما تشترك بعض المفردات المستخدمة في حرفة صياغة الذهب والبشوت مثل مفردة “دقة” التي تُشير إلى نوع الزخرفة المستخدمة في الحلي والبشوت. أما الإتقان المزدوج بين الحرفتين يرجع إلى تعليم أولاد صاغة الذهب لصياغة البشوت منذُ سن السابعة أو الثامنة من عمرة وذلك بعد أن يختم القرآن الكريم عند المطوع، حيث أوضح المؤرخ الأحسائي الراحل الحاج محمد بن حسين الرمضان أن صائغ الذهب يتعامل مع دوّه (نار) ومواد قد تكون خطرة على الصبي مثل الشناضر والماء الحار، لذلك يتعلم الصبي صياغة البشوت إلى أن يبلغ سن الخامسة عشر أو إلى الثامنة عشر من عمرة، ثم يتجه إلى حرفة صياغة الذهب التي تتطلب دقة فائقة وعدم هدر في المادة الخام، لذلك كان هناك علاقة وثيقة بين صائغ الذهب والبشوت. ولعلى تأسيس ارضية الكرمك في البشت بخياطة بطانة قطنية ذي لون أصفر على قماش البشت وعمل بعض أجزاء الخياطة مثل الخبانة التي تستغرق فقط بضع ساعات هي ما أكسبت صائغ البشوت صفة الخياط، بينما صياغة خيوط الذهب(الزري) في كرمك البشت قد تستغرق أكثر من أسبوعين، لذا مصطلح خياطة في البشت تعبير مجازي، إنما هو صياغة البشت.
المرحلة الخامسة: البرداخ وهي المرحلة الأخيرة من عمل البشت ويتم فيها صقل الكرمك بوضعه على لوح خشب مغلف بقرطاس وطرقه بشكل خفيف عدة مرات من الخلف بمطرقة خاصة لرص الزري مع بعضه البعض ولتكسبه لمعان أكثر، يتخللها كي وتنظيف البشت، وأختص بها أشخاص واشتهروا فيه.

الـــزري
الزري كما يُطلق عليه في الأحساء عبارة عن خيوط من القطن المطلية بالفضة والذهب تستورد من الهند وفرنسا وألمانيا، ويسمى القصب في الشام والكلبدون في العراق، يُصاغ بها حواف البشت وقد تستبدل خيوط الزري بخيوط حرير(بريسم).
صيانة البشت
1-صقل الزري: مع مرور الوقت قد يتأثر لون الزري بحكم نسبة الفضة فيه، لذا يتطلب من وقت إلى آخر لصقله بمادة خاصة ثم طرقه بمطرقه خاصة كما مر علينا سابقاً في البرداخ.
2- سْلايه وذلك عندما يكون الزري في كرمك البشت في حالة جيدة، بينما القماش متهالك، يتم قص القماش القديم واستبداله بقماش جديد وحبكه مع كرمك البشت القديم.
3- فري البشت حيث يقوم به الحايك، وذلك عندما يتعرض قماش البشت بثقب أو مزع.
المراجع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقابلة مع شيخ المؤرخين الشيخ جواد الرمضان في منزله في 20/4/2018.
[2] البقشي، أحمد بن حسن. من الذاكرة الأحسائية، ج1، ص214، الطبعة الأولى 2018.
[3] مقابلة مع الحاج جعفر على منصور الرمضان في 2/7/2018م.
[4] مقابلة مع الحايك الأحسائي المعاصر الحاج حسن الرصاصي في بارقته في النعاثل في 21/6/2018.
[5] جرة كبيرة من الفخار.
[6] الملا، عبدالرحمن بن عثمان. تاريخ هجر، الطبعة الأولى 1410هـ – 1990م، مطبعة الجواد، الأحساء، ص 398-399.
[7] مقابلة مع شيخ المؤرخين الشيخ جواد بن حسين الرمضان رحمه الله في منزله في 20/4/2018.
[8] البقشي، أحمد بن حسن. من الذاكرة الأحسائية، ج1، ص219-220، الطبعة الأولى 2018.
[9] [9] مقابلة مع شيخ المؤرخين الشيخ جواد بن حسين الرمضان رحمه الله في منزله في 20/4/2018.
[10] الكرمك هو الجزء العريض المذهب بالزري في البشت.
[11]إفادة من الباحث الأستاذ أحمد بن حسن البقشي في 30 مارس 2021م.
Alahsa Turath تراث الأحساء
سلمت لنا هذه الأنامل ودام لنا هذا الإبداع، مقال في غاية الأهمية ووضوح وتبسيط في تفاصيل دقيقة في واحدة من أهم صناعات المنطقة. شكراً لك استاذ أحمد وننتظر القادم.