الرئيسية / مقالات / سكة بسطة نموذجا  لفرجان الهفوف

سكة بسطة نموذجا  لفرجان الهفوف

بقلم  الأستاذ محمد جلال حسين البحراني

 

كانت حياة الناس في السابق  غير معقدة   ، يعيشون حياة بسيطة . في مساكن متقاربة ولا يفصل  بينها سوى حائط  ومساحتها محدودة، تتكون من غرف قد يكون في داخل الغرفة  غرفة أخرى ، وهذه الغرف تشكل محيطاً للبيت ، يتوسطها  تهوية يطلق عليها  (حوي)  . وقد يكون جزء منه مسقوفا وأحد أضلاعه مفتوحة على التهوية يسمى رواق.

كما يخصص جزء من المنزل في حالة العوائل الغنية – كــ (حوش أو عطيفة) للحيوانات كالبقر أو الغنم لأن وجود البقرة في البيت تعتبر من سمات الغنى . (لعدم توفر منتجاتها في السوق كما  هي عليه اليوم) حيث  يأخذون حاجتهم وما تبقى يوزع على الأهل والمجاورين . وقد يوجد من ضمن الحيوانات حمير في حالة المزارعين وملاك المزارع. وغالباً توجد في أحد زوايا البيت بئر قد  تكون مشتركة بين بيتين أو أكثر متجاورين . ينزح  مياهها بواسطة الرشا والدلو.  غير أن مياه هذه الآبار غالباً   مالحة لا تستعمل إلا للتنظيف  والغسيل فقط.

أما مياه الشرب فتجلب من بئر قريبة للفريج ، وبالنسبة لاهالي سكة بسطة وحي الفوارس عموما فقد كانت عين ( الحبيشِية ) هي   مصدر مياه الشرب لهم.

أما ما يسمى بمياه المجاري فهي تنزح إلى بئر   ( تسمى بالوعة ) تتوسط براحة الفريج.

تبنى هذه المنازل من الحجارة والطين وجذوع النخل أو خشب الكندل  وبعضها قد يطلى  حيطانها بالجبس ( الجس ) وقد يكون فيها  بعض الزخارف  والكمرات.

 

ولتوضيح الصورة  أكثر نأخذ حارتنا القديمة ( سكة بسطة ) كوحدة صغيرة ، (عينة  لحارات الإحساء ) :

الزقاق (السكة) الذي يقع فيه منزلنا  يسمى ( سكة بسطة) الذي  لا يزيد عمقه عن 80 متراً يوجد فيه أكثر من( 18 )منزلاً منها: أربع منازل  لأسرة   البحراني منها منزلنا ومنزل للخال عباس علي البحراني ومنزل لمحمد (الكبير) موسى البحراني ومنزل لمحمد علي البحراني ( هاجر و وتوفي في قطر) .

ومنزلا لأسرة العمران يقطنه أكثر من ثلاثة  عوائل منهم عائلة الحاج عبد الوهاب العمران والد على العمران (باني مسجد العمران بالفيصلية بالهفوف) وعائلة حسن العمران (من موظفي شركة ارامكو القدماء ) ، وثلاثة منازل لأسرة البوخمسين إحداها منزل لجد الشيخ عادل بوخمسين  ومنزل للشيخ ياسين بوخمسين وآخر لاخ علي بن علي بوخمسين ( مهاجر الى  الكاظمين بالعراق ) وأربع منازل لأسرة الرمضان  منها منزلين  للحاج منصور الرمضان ( جد ابراهيم  ياسين وعباس محمد منصور الرمضان) وهوعمدة للفوارس ولديه مجلس كبير ومميز مفتوح ليلياً يستقبل فيه المراجعين لتصديق أوراقهم وحل مشاكلهم.

ومنزل لملا موسى الرمضان ( هاجر للكويت ويظهر انه اخذ الجنسية الكويتية)   ومنزل لعمته   ( جدة سامي احمد الرمضان) ( وهو من المنازل المتبقية حتى الان حيث تم ترميمه ويسكنه  الآن  عمالة) وفي الحارة منزل لا تزيد مساحته عن أربعين متراً كانت  تسكنه عائلتان  من المحمد صالح وهو من المنازل التي لازالت قائمة ، ومنزل لعائلة  محمد عبدالله المازني ( ابنه حسين بوعقيل ساكن  الدمام)  وآخر لأسرة الشواف  يسكنه الحاج عبد الحميد الشواف والد منصور الشواف والحاج احمد الشواف والد باقر الشواف  ، ومنزل لأسرة الفهيد النجاجير   وآخر لأسرة الدهام  ( وهذه الأسرة انقرضت ولم يبقى منها غير بنت واحدة متزوجة من اسرة البحراني  بالمبرز ولها أولاد ).

ويوجد  في الفريج حسينيتان إحداهما لأسرة البوخمسين  معظمها قد انهار الان  وباقي بعض  آثارها ، والأخرى حسينية الجد محمد والوالد حسين محمد البحراني  التي تم تأسيسها عام 1352هـ ، ثم  أعيد بنائها عام 1401هـ ، وتم توسعتها في   1408/5/20 ولازالت تمارس نشاطها صباح كل يوم من أيام السنة  حتى الآن .

وهاتان الحسينيتان تعتبران كمنتديين لهذه الحارة . حيث لهما دور كبير في إقامة الأنشطة الدينية والاجتماعية ، مثل الاجتماع في الأفراح والأتراح ( الأعياد ومجالس العزاء ). وأحياناً تكون كمضيفة (سكن) لأهل المبرز والقرى لمن يعملون أو يتعلمون بعض المهن مثل مهنة الخياطة ( تطريز المشالح ) حيث كان مجموعة من أبناء العم من المبرز ، يتعلمون مهنة الخياطة. في أحد المجلسين الموجودين في هذا الفريج (مجلس للشواف  والآخر للعمران) لإنتاج وتعليم مهنة تطريز المشالح– وهما بمثابة مصنعين أو إن شئت معهدين .

كما يوجد مدرسة لتعليم وتحفيظ القرآن الكريم تديرها امرأة  وقورة  هي أم حسين وراضي حسين الهلال تساعدها أختها (  زوجة الوالد ) والتعليم  في هذه المدرسة مختلط بين البنين و البنات  حتى سن الثامنة ، ثم يفصلون وينقل الأولاد لكتاتيب الأولاد. والبنات لأخرى للبنات.

 

ويوجد في هذا الزقاق تخصص وتنوع متكامل من المهن والأنشطة الاجتماعية . مثل مهنة التجارة والاستيراد تمارسها  اسرة الرمضان . ومهنة تطريز وخياطة المشالح  تمارسها اسرة الشواف والعمران ، أما النجارة  تمارسها اسرة الفهيد ، والزراعة من اختصاص اسرة المازني .

وتجارة المفرد للمواد الغذائية  تمارسها  عائلة عيسى الحداد .

كما كان ملاك الأراضي الزراعية من نصيب اسرتي البحراني والبوخمسين.

 

وكان التكافل الاجتماعي في هذا الفريج  بصورة مبسطة ولكنه في أعلى درجات التضامن والتكافل.ويمثل ماتقوم به الجمعيات الخيرية الآن، من توزيع التمر والرطب والفواكه من أصحاب المزارع على الذين ليس لديهم مزارع . ويوزع من لديه أبقار أو أغنام الفائض من إنتاجها  على من ليس لديهم  مثل هذا الإنتاج . كذلك كما ان  العوائل الميسورة  توزع الملابس في  العيدين . وبذلك تكاد تكون الفوارق معدومة بين سكان هذا الفريج. يتجلى ذلك عند الأطفال الذين يتعلمون ويلعبون ويتبارون جميعاً في لعب بسيطة ، و بعضها معقدة ، مثل الخطة ، وشد الحبل ، والقفز ،  ولعبة الحجل وغيرها كثير.

لك ان تتصور كيف يتسع هذا الزقاق ( سكة بسطة ) لهذا العدد من العوائل  رغم  عمقه المحدود  ومساحته الضيقة .  إلى جانب تعدد و تنوع أنشطته المتكاملة ، التي قل أن تجدها في مدن كبيرة ، وهذا الوصف يعتبر نموذجا  يمكن  ان ينطبق على جميع أحياء الأحساء بصورة عامة.

سكة بسطة حالياً و ترى مبنى حسينية البحراني

 

شاهد أيضاً

عبدالله باشا السعدون في مواجهة فساد السلطة العثمانية في الأحساء

بقلم المهندس/ مصطفى طاهر الغزال اتسمت فترة الحكم العثماني الثاني في الأحساء (1288م -1331هـ/1871م – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *