الرئيسية / مقالات / آل ملحم ومحمد أفندي.. الحقيقة والافتئات قراءة في النقد المكشوف

آل ملحم ومحمد أفندي.. الحقيقة والافتئات قراءة في النقد المكشوف

أ. عبدالله بن أحمد الملحم

بقلم الأستاذ: عبدالله بن أحمد الملحم

النقد المكشوف وصف لمصطلح جديد يُمكن إطلاقه على بعض الكتابات التي ظاهرها النقد وباطنها غايات أخرى، الكلام – كما يقول الجاحظ- مُلقىً على قارعة الطريق، وبوسع كل صاحب أجندة أن يهذي ويثرثر ويسود الصفحات بما شاء، حتى وهو يعلم أن القارئ سيفتح عينيه حين يفتحها على كثير ولكن لن يرى أحدا، ثمة حداً فاصلاً بين النقد واللا نقد، بين الموضوعية والغوغائية، النقد المكشوف أشبه ما يكون بالحساب المصرفي المكشوف، الذي يحرر صاحبه شيكات بملايين الريالات، ليدعي الملاءة وينتشي بوهم الثراء الكاذب، وهو في الحقيقة مفلس لا قيمة لشيكاته لأنها مكشوفة بلا رصيد، وكذلك الناقد المكشوف الذي يكتب بمداد أسود كالح يُترجم ما يجيش في صدره، النقد المكشوف هو الذي قصم ظهر طرفة بن العبد حين قال: وظلم ذوي القربى أشد مرارةً/ على النفس من وقع الحسام المهند، وهو الذي أنطق ابن المقرب العيوني حين قال: إذا خانكَ الأدنى الذي أنت حزبه/ فواعجباً إن سالمتك الأباعدُ، وهو الذي جعل الشيخ حمد الجاسر يكتب بمرارة عن: الدكاترة والعبث بالتراث، وهو الذي جعل د. حسين مؤنس يصف الألقاب بأن بعضها ليست إلا أقنعة لستر الجهل أحياناً… وشواهد ذلك أكثر من تلك الخواطر والأفكار التي أخذت تجول في ذهني، وأنا أقرأ لأحدهم نقداً مكشوفاً يكذب حادثة اغتيال آل ملحم لمحمد أفندي حاكم الأحساء عام 1255هـ (1839م)، حيث الحادثة التي وثقتُ تفاصيلها في كتاب صدر لي العام الجاري (2021م) بعنوان:” آل ملحم ومحمد أفندي – صفحات من تاريخ الأحساء” يتناول خطبة الحاكم المذكور لإحدى فتيات آل ملحم، الذين أبوا تزويجه فأصر على الزواج منها بالقوة، مهدداً بقتل رؤسائهم، ومصادرة أموالهم، ونفيهم خارج الأحساء، فقتلوه لذلك، وقد استعرضتُ الحادثة من خلال وثائق ومعلومات تُنشر لأول مرة من خلال ذكرها في خمسة مصادر تاريخية، أولها: مخطوطة:” عنوان المجد في تاريخ نجد” للمؤرخ عثمان بن بشر المعاصر للحادثة، في نسخة خطية كتبها المؤرخ إبراهيم بن عيسى عام 1308هـ، وقد تضمنت استدراكات ابن عيسى على ما فات ابن بشر في تاريخه، ومن ذلك حادثة اغتيال آل ملحم لمحمد أفندي، ثانيها: مخطوطة:” تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق” لمؤلفها المؤرخ عبدالله البسام، وهي من منشورات دارة الملك عبدالعزيز عام 1434هـ، وثالثها: الروايات الشفهية لبعض من أدركتهم من رجالات آل ملحم، رابعها: وثائق عصر محمد علي باشا المحفوظة في دار الوثائق القومية في مصر، خامسها: الوثائق المحلية التي ذكرت اسم الفتاة التي خطبها محمد أفندي وأسماء إخوتها وأخواتها وبعض تفاصيل حياتها الاجتماعية والاقتصادية .

أما من نفى اغتيال آل ملحم لمحمد أفندي فقد بنى كلامه على فرضيتين وليس على أدلة: أولى فرضياته: أن اغتيال محمد أفندي تم على يد:” عصابة سرية متخفية ” وثانيها أن أخلاق آل ملحم “تأبى أن يُمارس أيُّ فرد منْهم عَمَلاً منْ  أعْمالِ عِصَابَاتٍ فِي جُنْح الظَّلامِ ” .

وهذا تسامي على الواقع، وتزكية للنفس، وادعاء للعصمة، لتبرير نقد مكشوف بلا أدلة، والله سبحانه وتعالى يقول:(( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى))، وآل ملحم كغيرهم فيهم رماح، ولا يقبلون الضيم، ولهم مواقف مشهودة ذكرتها كتب التاريخ، لا أود الاسترسال بذكرها هنا، كما لن أنجر للرد على كل ما أورده ( المذكور)، الذي سمن مقالته بما يُشتت الانتباه ويصرف الأنظار عن الأدلة التي كان يتحتم عليه الإتيان بها، أما رواياته السبع المزعومة التي أوردها لنفي علاقة آل ملحم بالحادثة، فليست إلا استنتاجات لن ترقى لتغدو قرائن فضلاً عن أن تكون أدلة يمكن التعويل عليها أو الوثوق بها، كما إنها وفق المنهج التاريخي ليست روايات وإنما وصف بعض المعاصرين للحادثة حسب فهمهم وتعبيرهم، ومرجعهم جميعاً بلا استثناء – رواية ابن بشر المعاصر للحادثة، ولو كنتُ ممن يعشق الثرثرة واسترسلتُ لتعقب كل من ذكر الحادثة لتفنيد أوهامه لخرج كتابي طويلاً مملاً في 700 صفحة أو أكثر، وهو مالا أهدف إليه لأن:” العلم نقطة كثرها الجاهلون” كما يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهدفي توضيح الأفكار وتقريب المعاني، وليس التطويل وإضاعة وقت القارئ باجترار أقوال مكرورة لا طائل منها، لذا نقدي لما أورده ( المذكور) سيقتصر على رواية ابن بشر التي عليها مدار الحادثة لدى كل من استدل بكلامهم، وكذلك رواية المُؤرِخَين إبراهيم بن عيسى وعبدالله البسام لأن رواياتهم الأقرب زمناً للحادثة، والأكثر ثقة ومصداقية ممن جاء بعدهم، وسأوضح ذلك في الآتي:

أولاً: اغتيال آل ملحم لمحمد أفندي لم يكن:” أعمال عصابات” كما حاول ( المذكور) تكريس هذا المفهوم المُضلل، إلا لدى من يرى مشروعية احتلال قوات محمد علي باشا للجزيرة العربية، والصحيح أن انتقام آل ملحم كان عملاً من أعمال النضال الوطني، ضد قوة غاشمة احتلت بلادهم، وأسقطت الدولة السعودية الأولى، التي يحتفظ آل ملحم بولاء وبيعة لولاتها، ولا أدري وفق أي مبرر جرم ( المذكور) مقاومة الغزاة المحتلين؟! إن الاسترسال في تفتيق هذا المعنى واستعراض تطبيقاته التاريخية يقود لنتائج كارثية لا يحسن ذكرها!

ثانياً: من العجائب والعجائب جمة أن ( المذكور) أصدر في عام 1420ه كتاباً سماه:” هزار الأحساء وبلبلها الغريد” أورد فيه حادثة اغتيال آل ملحم لمحمد أفندي في صفحتي 163، 164 نقلاً عن الشيخ حمد الجاسر، ولم يقل عن الحادثة وقتذاك إنها:” أعمال عصابات أو إن أخلاق آل ملحم تأبى عليهم ذلك” بل أورد الحادثة في سياق الفخر والاعتزاز والإثبات لا النفي، وفي هذا ما يكفي للوقوف على ازدواجية المعايير لدى ( المذكور)، وكلامه المبني على التخرص والهوى وليس على الموضوعية والنقد .

ثالثاً: في (هزار الأحساء) المشار إليه آنفاً أورد ( المذكور) في صفحة 210 حادثة وقعت إبان الحكم التركي للأحساء، أورد فيها سبب تلقيب: عبدالله بن عبدالرحمن البراهيم الملحم (عم الديرة)، مُرجِعاً ذلك إلى أن ضابطاً تركياً أغلق دروازة الملحم، ومنع الناس الدخول والخروج، فما كان من عبدالله البراهيم الملحم إلا أن طرح ذلك الضابط أرضاً، وفتح الباب للناس فلقبوه:(عم الديرة) دون أن يصنف ما قام به بأنه:” أعمال عصابات أو أن أخلاق أبناء آل ملحم تأبى عليهم ذلك” وأعتقد أن هذا التذبذب الحاد ما بين ذكر النقيض وضده يكشف عن الدوافع التي جعلت ( المذكور) ينفي حادثة اغتيال آل ملحم لمحمد أفندي وهي المُثبتة لدى ابن عيسى والبسام والجاسر وغيرهم، ويثبت حادثة (عم الديرة) التي لا مصدر لها إلا روايته عن نفسه، وهي صحيحة بطبيعة الحال وقد سمعتها من بعض آل ملحم، لكنها لم تثبت بمثل تواتر وتعدد مصادر حادثة اغتيال آل ملحم لمحمد أفندي التي استمات لنفيها!

رابعاً: تحامل ( المذكور) وعدم موضوعيته قاداه إلى اتهام المؤرخ عبدالله بن محمد البسام زوراً وبهتاناً بــــ” الكذب والفبركة ” علماً إن البسام من المؤرخين الثقات المعتبرين لدى: الباحثين، والأكاديميين، وطلبة الدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه، وأساتذة أقسام التاريخ الحديث في جامعاتنا السعودية والعربية، ومن يذمه فإنما يذم نفسه لا أكثر !

خامساً: استمات ( المذكور) لنفي اغتيال آل ملحم لمحمد أفندي وأثبت ذلك للعوازم، وباستعراض وثائق شبه الجزيرة العربية في عصر محمد علي باشا، التي أصدرها المؤرخ المصري عبدالرحيم عبدالرحمن عبدالرحيم في سبعة مجلدات، لم أجد أي ذكر لقبيلة العوازم في وثائق تلك الموسوعة، حيث الفترة التي شهدت وقوع الحادثة عام 1255ه، لأن العوازم جغرافياً كانوا بمنأى عن الاحتكاك المباشر بالسلطة الحاكمة في الأحساء، وهو ما يفسر عدم ذكرهم في موسوعة عبدالرحيم، التي غطت وجود قوات محمد علي باشا في وسط وشرق الجزيرة العربية، وبسبب البعد الجغرافي وعدم الاحتكاك المباشر، كانت قبيلة العوازم غير متطلعة لوجود حاكم عادل في الأحساء لتنعم بعدله، ولا متبرمة من وجود آخر ظالم لتئن من جوره، وإذا انتفت الدوافع لم يعد ثمة مبرراً يدعو هذه القبيلة للانتقام، كما زعم ذلك بعض من نسب واهماً اغتيال محمد أفندي إلى أفراد من قبيلة العوازم، وما أوقعهم في ذلك الوهم سوى ضعف قراءتهم للحادثة، ولا أقول استقراءها، لأن الحادثة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى استقراء وإنما إلى فهم وكفى؟!

ومرد ذلك الوهم لدى من نسب اغتيال محمد أفندي إلى قبيلة العوازم، يكمن فيما ذكره المؤرخ عثمان بن بشر المعاصر للحادثة، الذي أورد ما كان يتردد في الأحساء عن قَتلة محمد أفندي، ومن ذلك فرضية اغتيال العوازم له، ولكن لعدم ثبوت تلك الفرضية، فقد ساق ابن بشر خبرها بصيغة التمريض أي التضعيف قائلاً:(( فقيل له – أي لأحمد السديري – إن الذي قتله فلان وفلان ثلاثة من العوازم من أعوان آل عريعر، فأرسل إليهم وحبسهم – ويضيف ابن بشر- وكــان الفاخري رئيس العسكر عند أعراب العجمان يجمع رحايل، فلما بلغه الخبر أقبل مسرعاً فلما دخل بيته جاءه رؤساء بني خالد يسلمون عليه، فحبسهم وأخذ سلاحهم، فأقاموا  عنده أياماً ثم أطلقهم )) انتهى. فهل  أطلقهم لثبوت قتل أتباعهم لمحمد أفندي أم لعدم ثبوت ذلك؟!

كما إن مراسلات خورشيد لمحمد علي باشا أثبتت عدم صلة العوازم بالحادثة، كما في الرســــالة التي بعثـــها خورشيـــد إلى محـــمـــد عـــلي باشا، بعد الحادثة بـــ 22 يوماً، وفيها يقول:(( وقد بحثنا عمن قتل المعاون سالف الذكر، وعن قبيلتهم، وهل هم من الحضر أو البدو، ولكن لم يُعلم القاتل حتى اليوم ))، وهو ما أكده الهجان الذي وفد على محافظ المدينة المنورة محمد آغا، بعد 45 يوماً من الحادثة، فذكر له مصرع محمد أفندي، ونفى معرفتهم بمن قام باغتياله .

وعند الوقوف أمام جزئية: مَنْ قتل محمد أفندي؟ لدى المؤرخين الثلاثة: عثمان بن بشر، وإبراهيم بن عيسى، وعبدالله البسام، نجد تدوين الحادثة قد مر بثلاث مراحل تاريخية:

أولها: مرحلة ابن بشر( المؤرخ المعاصر) الذي أورد هذه الجزئية بادئ الأمر، وفق تكهن الناس بفرضية ضلوع العوازم في اغتيال محمد أفندي، ولأن هذه الفرضيـــة لم تثبت لديـــه، فقد أوردهــا بصيغة التمريض والتضعيف:( قِيلَ )، ثم عاد وأسقطها في آخر روايته، أما ذكره لها ثم استبعادها، فقد جاء في سياق استعراض المعلومات التي وردته عن الحادثة لا أكثر، كما إن سقوط حجية الأخذ بها، أصبح في حكم المتحتم، بعد ذكر ابن بشر لسَجن شيوخ بني خالد، ثم إطلاق سراحهم، لعدم ثبوت ضلوعهم في قتل محمد أفندي، وبالتالي عدم ضلوع أتباعهم من العوازم، لأن سقوط دلالة الأصل يُسقط دلالة الفرع من باب أولى .

ثانيها: مرحلة ابن عيسى (المؤرخ المُستدرك) على من سبقه، حيث وقف على تاريخ ابن بشر، وقرأه قراءة فاحصة، وحين فرغ من نسخ تاريخ ابن بشر عام 1309هـ ( 1891م ) أتم ما فيه من نقص، فأثبت رواية ابن بشر للحادثة بتمامها، ثم استدرك عليه بصيغة العلم الجازم، مؤكداً أن آل ملحم هم من قتل محمد أفندي، مضيفاً بعض التفاصيل المهمة، ومورداً الحيثيات والأسباب التي اغتالوه لأجلها .

ثالثها: مرحلة البسام (المؤرخ المُحقق) الذي وقف على الحادثة عند ابن بشر، وغالباً على رواية ابن عيسى لها، وربما بلغته من طريق آخر، وعند تأليف تاريخه: تحفة المشتاق، الذي فرغ منه عام 1335هـ (1916م)، روى الحادثة مستبعداً فرضية ضلوع العوازم فيها، حيث لم يذكرها البتة، كونها ساقطة خبرياً في روايتي ابن بشر وابن عيسى، وبصيغة العـلم الجـــازم أكـــد أن آل ملحم هم من قتل محمد أفندي، وما ذاك إلا لأن هذه المعلومة قد سَدت الثغرة التي تُركت بلا إجابة لدى ابن بشر، ولأنها الحقيقة التي ثبتت لديه، كــــما ثبتـت لــدى ابن عــيسى، ولاحقـاً أثبتها حــمد الجاسر في معجم المنطقة الشرقية، نقلاً عن البسام، فأوردها في سياق الموافقة على صحة خبرها، والتصديق بمضمونها، والثقة في مصدرها، وهؤلاء المؤرخون الثلاثة اطلعوا على تاريخ ابن بشر وغيره، وأحداث تلك الحقبة، التي أضافوا إلى وقائعها ما تأكد لديهم علمه، فأثبتوه كما هذه الحادثة، التي جاءت متفقةً مع روايات رجالات آل ملــحم، الذين رووهــــا عن أسلافـــهم، بتفصيلات أوسع، أكدت المؤكد، وشرحت المُجمل، وكشفت اللثام، عن أدق تفاصيل الحادثة، وأسماء شخصياتها، كما في تفاصيل كتابي المشار إليه .

شاهد أيضاً

عبدالله باشا السعدون في مواجهة فساد السلطة العثمانية في الأحساء

بقلم المهندس/ مصطفى طاهر الغزال اتسمت فترة الحكم العثماني الثاني في الأحساء (1288م -1331هـ/1871م – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *