
الأستاذ / خالد النزر
(ألقيت هذه الورقة في منتدى الخرس بالأحساء بتاريخ 20 نوفمبر 2021م)
إن الحديث عن تاريخ الأحساء والمنطقة الشرقية عموماً, لهو حديث ذو شجون, يضيع فيه الوضوح بين الغموض, ويختلط فيه لدى الكثيرين الفخر بالخجل, والقوة بالضعف والخنوع. في تاريخنا يوجد قول أبو طاهر: “أنا بالله وبالله أنا – يخلق الخلق وأفنيهم أنا” ويوجد قول ابن المقرب: “كمِ المُـقام على ذل ومنقصةٍ – وكم أجرّعُ كأس الضيم ملآنا”.
وأود في البداية أن أتطرق لعملية كتابة التاريخ بشكل عام من الناحية العلمية, كالتعريف بهذا العلم وأهميته. فعن كلمة التاريخ في اللغة, قال العرب قديما تاريخ كل شيء هو غايته ووقته الذي ينتهي إليه, وأرخ الشيء أي وقــّـته أو عرّف وقته, فكانت كلمة التأريخ تعني الإعلام بالوقت, وقيل أن أصل الكلمة غير عربي أساساً. وقد ازدهرت عملية تدوين التاريخ عند العرب بعد الإسلام مستفيدين من تجارب الحضارات الأخرى. وهكذا تطورت اللفظة حتى أصبحت كلمة التاريخ في اللغة تعني الأحداث الماضية والفعل منها هو التأريخ أي القيام بجمع وتدوين الأحداث الماضية. أما التاريخ في لغة الغرب فهو مأخوذ من الكلمة اليونانية (هيستوريا) التي تعني البحث والتقصي, وكان هيرودوت (ق5 ق م) قد اتخذها عنواناً لكتابه وهو كما تعلمون يلقب بأبي التاريخ ومنه بدأت انطلاقة كتابة التاريخ.
أما في الاصطلاح فعلم التاريخ له تعريفات مختلفة ما بين القديم والحديث وما بين الغرب والشرق, بل حتى دراسة هذا العلم بحد ذاته نراه مثلاً عند الغرب يعتبر من العلوم الإنسانية (Humanities) بينما في الجامعات العربية نرى التاريخ كان تابعاً لما يطلق عليها كليات الآداب ومؤخراً خصصت بعض الجامعات كليات للعلوم الإنسانية تماشياً مع الجامعات في الخارج. وعودة لكثرة التعريفات المختلفة, فسأقتصر هنا على التعريفات الحديثة المستقاة من بعض المناهج الجامعية والجمعيات المختصة. ومنها على سبيل المثال تعريف دائرة المعارف البريطانية وهو تعريف طويل أقتطف منه التالي: “أن علم التاريخ هو الذي يعنى بتقديم وصف لمسيرة التاريخ الإنساني, وأنه يهدف إلى أمرين, الأول: الأفعال والأعمال التي شكلت مجتمعةً ماضي الإنسان, والثاني هي القيمة التي يعطيها المؤرخ إلى البحث عن الماضي كما وصل إلينا”. وكذلك الموسوعة العربية العالمية تعرف علم التاريخ على أنه: “يعنى بدراسة الماضي البشري ويقوم المؤرخون بدراسة الوثائق عن الحوادث الماضية، وإعداد وثائق جديدة تستند إلى أبحاثهم، وتسمى هذه الوثائق, تاريخ أيضاً”.
ويمكن في عصرنا الحالي أن يشمل علم التاريخ عدة أمور ومنها:
1/ دراسة كتب التاريخ والإلمام به وبسير أحداثه ويطلق عليه (History). وفيه تخصيص أيضاً, كالتاريخ الإسلامي أو التاريخ الروماني … إلخ (History of ..).
2/ عملية التدوين التاريخي أو التأريخ مع الوصف والتحليل, وهو ما يطلق عليه (Historiography).
3/ تحديد زمن الوقائع والحوادث ويطلق عليه (Date)
4/ السير الشخصية أو ما يعرف عند العرب بالتراجم, ويطلق عليه (Biography).
5/ الأنساب وسلالات الشعوب وقبائلها ويطلق عليه (Genealogy) وأحياناً تندرج دراسة الأنساب تحت علم الإنسان أو الاجتماع, ولكن لا شك بأن الأنساب في النهاية هي جزء لا يتجزأ من المسيرة التاريخية لأي مجتمع, خاصة عند دراسة فترات سابقة كان للتشكيلات القبلية فيها دور كبير في سير الأحداث.
أما منهج علم التاريخ فيسمى بالمنهج الإستردادي بمعنى أنه استرداد لما كان في الماضي من تفاصيل تتعلق بالأشخاص والأحداث والمكان والزمان والظروف المحيطة لتحقيق مجريات الأمور كما وردت, ثم الانتقال إلى تحليل القوى والمشكلات التي أدت إلى صياغة الحاضر. وطبعاً علم التاريخ وبحوثه العلمية تطورت تطوراً كبيراً جداً وأصبح لها قواعد وأسس تختلف تماماً عن ما كانت عليه كتابة التاريخ في الماضي. كما ارتبط علم التاريخ اليوم ارتباطاً وثيقاً بعلم الآثار وهو علم حديث جداً لكنه دقيق جداً أيضاً وقد كانت المعثورات الآثارية تندرج تحت علم التاريخ لكن أصبح اليوم للآثار علم قائم بذاته يدرّس في الجامعات, كما هو عندنا مثلاً في جامعة الملك سعود تخصص مستقل تحت مسمى الآثار والمتاحف. كما ارتبط علم التاريخ بعلم التوثيق والوثائق وطريقة حفظها والبحث في مصادرها, وارتبط التاريخ أيضاً بعلم الطب خاصة بعد القفزات العلمية السريعة في مجال الجينات الوراثية والتوصل لما يعرف بأشرطة الحمض النووي للكائنات الحية خاصة عند البشر. ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن للتاريخ ارتباط وثيق بعلم الجغرافيا وعلم الاجتماع والفلسفة وغيرها من العلوم الإنسانية. وأستطيع القول بأن التاريخ أمر أساسي لدراسة أي حركة أو تطور, فلا يمكن مثلاً أن ندرس حالة مرضية دون الرجوع لتاريخها, أو ندرس مثلاً تطور الهندسة العمرانية دون الرجوع للتاريخ والنظر في طريقة البناء القديمة, وكذلك في الصناعة والزراعة والاقتصاد, فلكل حركة تاريخ.
ولا بد لنا من معرفة أن كتابة التاريخ والمؤلفات التاريخية منذ ظهورها وحتى الآن هي ليست مجرد سرد للأحداث والوقائع التاريخية وحسب, بل كانت ولا زالت في الأغلب, تعبر عن جميع المؤثرات الثقافية والحضارية التي ينتمي إليها المجتمع, بل والمؤرخ أيضاً. وقد أدركت الدول والأمم ذلك منذ زمن طويل فنرى مثلاً أن الرومان حرصوا على تدمير مكتبة قرطاجة تدميراً انتقائيا يطمس تاريخها الذي كتبه القرطاجيون أنفسهم, ومن جهة أخرى سرقة انجازاتهم ونسبتها للرومان. وتكرر هذا المشهد عدة مرات على مدى التاريخ, فالتتار عند دخولهم بغداد حرصوا أيضاً على تدمير المكتبات وإتلاف الكتب بإلقائها في الأنهار. وفي مصر أيضاً وبعد سقوط الدولة الفاطمية أحرق الأيوبيون مكتبات دار العلم, وبيت الحكمة وخزانة الكتب التي يروى أنها كانت تضم أكثر من نصف مليون كتاب, وأيضاً مكتبة القصر الشرقي التي بناها المعز.
إذن التاريخ يعبر عن ثقافة وحضارة وتواجد, وهكذا على مر الزمن نرى أن كل مجتمع ناضج, يعمل على إبراز تاريخه وثقافته وحضارته, فالمجتمع الواعي هو من يحفظ تاريخه ويبحث فيه ويكتبه بخيره وشره. وها نحن نرى الدول المتقدمة حضارياً كيف تصرف المليارات لبناء المتاحف في أهم المواقع بقلب العاصمة وبأجمل صورة, ليحكي للآخرين تاريخ هذه الأرض ويروي للأجيال القصة الكاملة لهذا المجتمع. ولذلك من عليه أن يكتب تاريخ منطقتنا هو نحن أبناؤها والمنتمين لثقافتها وحضارتها بعيداً عن جميع الحساسيات, ومتحررين من عقد الخوف والخجل من الماضي بكل ما فيه.
وإن أردنا الحديث عن هذه المنطقة وأعني ما كانت تعرف بإقليم البحرين وتجمعاته السكانية, فلا بد أن نعود للخلف ونبدأ على الأقل مما دونه المؤرخون المسلمون نظراً لكوننا تاريخياً كنا جزءً أصيلاً من الدولة الإسلامية في بداية تأسيسها, حتى كان جماعة من أبناء هذه المنطقة دخلوا في الإسلام طوعاً وكان لهم ثاني مسجد في الإسلام تقام فيه صلاة الجمعة. بل وكانت هذه المنطقة من أهم الروافد الاقتصادية لنهوض تلك الدولة وهذا وارد في الروايات الخاصة بخراج البحرين سواء في عهد النبي, أو التأثير السلبي لقطع ذلك الخراج لاحقاً إبان سيطرة الخوارج على المنطقة.
وإن أردنا التطرق على عجالة لعملية تدوين التاريخ عند المسلمين فهناك أسماء رائدة في هذا المجال, نذكر منها: محمد الواقدي صاحب المغازي المتوفي عام 207هـ, ومحمد بن سعد الزهري صاحب طبقات الصحابة المعروفة بطبقات ابن سعد المتوفي عام 230هـ, والبلاذري المتوفي 248هـ صاحب فتوح البلدان وأنساب الأشراف, وابن قتيبة صاحب المعارف والإمامة والسياسة المتوفي 270هـ, وأحمد بن طاهر طيفور صاحب تاريخ بغداد المتوفي 270هـ, وأبو حنيفة الدينوري صاحب الأخبار الطوال المتوفي 282هـ, واليعقوبي صاحب تاريخ اليعقوبي المتوفي عام 284هـ, وبالطبع أبو جرير الطبري المتوفي 310هـ وهو الذي قفز في عملية التأريخ قفزة كبيرة نظراً للمنهج الذي اتبعه خاصة فيما يخص الإسناد وتنوعه. هذا ولا أنسى إمام النسب محمد ابن السائب الكلبي المتوفي عام 146هـ والذي كان من أوائل المدونين لأنساب القبائل العربية وتفرعاتها وتنقلاتها وأشهر رجالاتها وأشعارها, وكذلك ولده هشام المتوفي عام 204هـ. ثم تعاقب المؤرخون المسلمون بعد ذلك كعلي المسعودي صاحب المروج المتوفي 346هـ, وعلي ابن الأثير صاحب الكامل في التاريخ والمتوفي عام 630هـ, وابن فضل الله العمري صاحب مسالك الأبصار المتوفي عام 749هـ, إلى أن نصل إلى أبرز وأشهر المؤرخين المسلمين على الإطلاق ألا وهو عبدالرحمن ابن خلدون المتوفي عام 808هـ. ومنه أيضاً بدأت مرحلة جديدة في عملية التأريخ عند المسلمين. وهناك أيضاً عدد كبير من كتب التراجم وكتب الجغرافيا والتعريف بالبلدان, وهذه أيضاً تعتبر من المصادر التاريخية المهمة.
والحقيقة أن من بحث أو يريد أن يبحث عن منطقتنا في تلك الكتب, فعليه أن يمسك بملقط ومكبر ليخوض داخل الكتب وبين الأسطر ليلتقط كلمة هنا أو عبارة هناك عن تاريخ هذه المنطقة المهملة تاريخياً. باختصار فإن خلاصة ما أفادتنا به تلك المصادر حتى الآن متركز على فترات محددة مثل صدر الإسلام وانطواء المنطقة تحت رايته, ثم حروب الردة, ثم ذكر لبعض أهالي المنطقة كونهم شاركوا في حروب الفتن الداخلية كالجمل وصفين والنهروان, وأغلبهم كانوا من المهاجرين المقيمين في المدينتين الحديثتين آنذاك الكوفة والبصرة. ثم أحداث الخوارج وقيام ثوراتهم فيها بأيدي أبناء المنطقة, على الدولة الأموية ثم العباسية ومحاربة هذه الدول لهم والقضاء عليهم, ثم ثورة صاحب الزنج. ثم قيام الدولة البوسعيدية في المنطقة (القرامطة), والخوض في أحداثهم وحروبهم الخارجية, ولكن أن تروي شغف الباحث في المعلومات المفصلة عن الأرض التي قامت عليها تلك الدولة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن ما تحويه كتب التاريخ الإسلامي هو في أغلبه يمثل التوجهات الرسمية للدول الحاكمة في ذلك الوقت, إضافة لتأثير الانحيازات الطائفية, فكتابة التاريخ والبحث في أعماقه هي مسألة ليست مجردة كما يعتقد البعض, بل هي حساسة لكثير من الأمور التي قد تؤثر فيها سلباً, هذا ناهيك عن أن جميع أولئك المؤرخون والجغرافيون لم يكونوا من أبناء المنطقة وأغلبهم لم يزروها وهذا الأمر لعب دوراً سلبياً كبيراً أيضاً بالنسبة للباحثين المتأخرين عنهم, إضافة إلى انعدام الإمكانيات العملية والتقنية التي تساعد في نقل الأحداث كما في عصرنا الحالي, فلم يكن في ذلك الوقت مراسلين دوليين ولا تسجيلات صوتية أو مرئية, بل الرواية هي ما ترويه الدولة ويتناقل بين الناس. وبالرغم من ذلك لم تخل تلك الكتابات من معلومات هامة وخطيرة كشفت لنا ما يناقض التوجه العام في ذلك الزمن. لذلك وعلى سبيل المثال هناك عدد من الباحثين التاريخيين كانوا حذرين جداً من المرويات حول القرامطة وعقائدهم والاتهامات التي اتهموا بها. والحقيقة أن القرامطة تثور حولهم عاصفة من الجدل والصخب والمشاعر المتناقضة, فحتى الذين ينظرون بايجابية إلى الدولة البوسعيدية وتلك المرحلة من تاريخنا فإنهم لا يستطيعون أن يتجاهلوا ما قامت به تلك الدولة من أمور شنيعة كانتزاع الحجر الأسود من الكعبة المشرفة, والمذابح الوحشية, وحرق مدينتي هجر والزارة. وكذلك من يقيم تلك الدولة تقييما سلبيا, ليس بمقدوره أن ينكر ما أقامه القرامطة من نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي وعسكري قوي في ذلك الزمن, إلى جانب تحقيقهم لدرجة عالية من العدالة الاجتماعية مقارنة بغيرهم في زمانهم. إضافة لما شهدته عاصمتهم الأحساء في عهدهم من تقدم ورقي, خاصة على مستوى الصناعة والزراعة, وهو أمر يمكن للباحث لمس آثاره المتأخرة.
أما الفترة التي أعقبتهم فلم تكن أفضل حالاً بل أكثر غموضاً وغياباً عن التاريخ. فأستطيع القول أن تاريخ هذه المنطقة وكذلك جارتها نجد, إنما هما في غياب طويل عن التاريخ يمتد لحوالي 800 عام. ولولا وجود ذكر هنا أو هناك لبعض الشخصيات والدول أو الإمارات التي قامت في هذه المنطقة مثل آل عصفور وأل جروان وبني جبر وغيرهم لما علمنا عن هؤلاء شيئاً. وكذلك لولا حفظ ديوان الشاعر علي ابن المقرب أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الدولة العيونية, لما علمنا شيء عن هذه الدولة وحكامها وأحوال الناس فيها وأسماء بعض المواقع والأحداث التي جرت عليها, والتي استمر حكمها لأكثر من 170 عاماً. بل حتى هذه الدولة وشاعرها ابن المقرب الذي سكن في وجدان الأحسائيين جميعاً, عندما أريد البحث والكتابة عنها, صرفت الجهود المضنية في التصارع حول هويتها المذهبية. إلى أن خرج لنا رجل متخصص من خارج هذه المنطقة ألا وهو الدكتور نايف الشرعان مدير متحف العملات بمؤسسة النقد السعودي (سابقاً), لينشر لنا أكثر من خمسين عملة نقدية لتلك الدولة, ومن حيث يعلم أو لا يعلم حسم الأمر وأنهى الجدل الذي استمر لعشرات السنين حول مذهب تلك الدولة, حيث نـُقش على تلك النقود الرسمية, شهادات ثلاث (لا إله إلا الله, محمداً رسول الله, علياً ولي الله).
ومن المصادر المهمة أيضاً هي وثائق وكتابات الدول التي كانت هذه المنطقة تتبع لها في فترة من فترات التاريخ, كالكتابات البرتغالية مثلاً والتي بالفعل هناك بحوث أجريت عليها, لكن أغلب تلك الكتابات اتسمت بالتركيز على الجانب العسكري ولا تفيد كثيراً في الجانب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي, وأعتقد بأن هناك ما لم يكشف عنه بعد في الكتابات البرتغالية نظراً لأن أغلب ما تم البحث فيه حتى الآن هي الكتابات المترجمة إلى الإنجليزية. كذلك الوثائق والكتابات العثمانية تعتبر مهمة للغاية في توضيح تاريخ المنطقة خلال القرون المتأخرة, وهناك العديد من الباحثين الذين كشفوا عن الكثير من تلك الوثائق والكتابات وعلى رأسهم الدكتور عبدالله ناصر السبيعي وما بذلك من جهد ضخم في البحث عن المصادر وجمع المادة العلمية, أو مثل الدكتور محمد القريني الذي تميز من ضمن باحثي المنطقة بإجادته لقراءة وفهم الكتابة التركية القديمة, وأصدر كتاباً هو عبارة عن فهرس للوثائق العثمانية المتعلقة بالأحساء في اسطنبول, وهذا بلا شك سيكون خير داعم ومعين لأي باحث في المستقبل يرغب بالبحث في تلك الوثائق. أما الوثائق والمصادر البريطانية وهي امبراطورية كانت تسيطر على العديد من المناطق المجاورة, فكان لمصادرها دور في معرفة تاريخ المنطقة في تلك الحقبة, ويكفي مثالاً ما قام به الضابط الإستخباراتي جي جي لوريمر من إعداد تقريره المفصل عن المناطق الخليجية الواقعة تحت السيطرة العثمانية آنذاك, والذي أصبح فيما بعد من أهم المصادر التاريخية التي تصف المنطقة مدنها وقراها وباديتها قبل حوالي مئة عام, وهو الكتاب المعروف بدليل الخليج, هذا إضافة إلى الوثائق الرسمية المحفوظة والتي كشف منها الكثير. كذلك لا ننسى الكتابات الإيرانية فهي غاية في الأهمية وقد رأينا كيف أن كتاب “سفرنامة” لناصر خسرو وضح لنا الكثير من تفاصيل الحياة في عهد الدولة البوسعيدية, لكن بقي البحث في المصادر الإيرانية عن تاريخ منطقتنا محدود أو معدوم للأسف, بالرغم من وجود مجموعة من أبناء هذه البلاد مكثوا في إيران عشرات السنين للدراسة ومن المفترض أن الكثير أو حتى القليل منهم يستطيع قراءة مثل تلك الكتابات والمصادر.
أما عن أولى المحاولات الجادة لكتابة تاريخ هذه المنطقة بأيدي أبناءها, فكانت في بداية الستينيات الميلادية حيث أصدر الشيخ محمد العبدالقادر كتابه “تحفة المستفيد” عام 1960م, والذي بالرغم من تقديرنا لهذا العمل وريادته وما احتواه من معلومات قيمة إلا أن مما يؤخذ عليه هو أسلوب الإقصاء الطائفي. ثم أصدر الأستاذ محمد سعيد المسلم كتابه “ساحل الذهب الأسود” عام 1962م, والذي ألقى ضوءً كبيراً على الوجود التاريخي للتشيع في هذه المنطقة, ولكن نظراً لكونه من القطيف فقد كان تركيزه على القطيف. ولا بد عند ذكر هاتين التجربتين أن لا ننسى دور الرجل الذي أعتقد بأنه كان المحفز الرئيسي لهما ألا وهو الشيخ حمد الجاسر والذي كان له دور واضح في كتاب تحفة المستفيد وتعليقاته عليه في الهوامش مع تحفظنا على بعض تلك التعليقات, وكذلك دوره في تقديمه لكتاب ساحل الذهب الأسود, وتأثر المسلم ببعض أفكاره. فلا أشك بأن الجاسر كان هو من ألقى الحجر الذي حرك المياه الراكدة لكتابة تاريخ هذه المنطقة بأيدي أبنائها, وقد استمر ذلك الدور الأبوي حتى نهاية حياته عند تشجيعه للأستاذ عبدالخالق الجنبي في بداياته والثناء عليه في أحد الصحف المحلية. إضافة لكتاباته المتعددة المنشورة في مجلة العرب, ومعجمه الجغرافي الخاص بالمنطقة الشرقية والذي هو عمل جبار في تلك الحقبة, ويعتبر مصدر تاريخي هام للمنطقة حيث انطلقت منه العديد من التجارب والكتابات المهمة لاحقاً حول هذه المنطقة مدنها وقراها وباديتها. هذا ولا يفوتني أن أذكر بأن هناك تجارب أخرى أيضاً في مملكة البحرين مثل عقد اللآل في تاريخ أوال للشيخ محمد التاجر المتوفي عام 1387هـ, وهو مخطوط لم يطبع إلا في منتصف التسعينات وكان مركزاً على مملكة البحرين أما التاريخ السابق والمشترك بيينا فقد لاحظت به العديد من الأخطاء التاريخية, إضافة إلى أن هناك كلام حول هذا الكتاب المطبوع بأنه لم يشمل كل ما جاء في المخطوط الأصلي, والله أعلم. كذلك أنوار البدرين للشيخ علي البلادي المتوفي 1281هـ, وهو كتاب تراجم, وأيضاً لم يركز على الأحساء كثيراً, لكنه ذكر بعض المعلومات التاريخية النادرة وإن كان لم يذكر مصدرها. وكذلك كتاب الذخائر أو “تاريخ البحرين” للشيخ محمد علي آل عصفور البحراني وهو مخطوط انتهى منه عام 1319هـ وطبع لاحقاً عام 2001م, وهو أيضاً مركزاً على البحرين بشكل رئيس. كذلك هناك حديث عن مخطوطات مفقودة عن تاريخ المنطقة أحدها لشخص في البحرين اسمه ناصر الخيري, وآخر من دارين لم أطلع على اسمه. وهذه باختصار بدايات أهالي المنطقة لكتابة تاريخهم, مع ملاحظة أنه قد يكون هناك كتابات أخرى لا نعلمها قد تكون فقدت أو حرقت أو ما زالت قابعة على أرفف أحد المكتبات تنتظر من ينفض الغبار عنها.
أما بالنسبة لديوان ابن المقرب العيوني كأحد المصادر القديمة المهمة والرئيسة لتاريخ المنطقة فالعديد من نسخه المخطوطة حفظت في عدد من مكتبات العالم مثل مكتبة برلين الملكية بألمانيا, ومكتبة جامعة برنستون بالولايات المتحدة, ومكتبة المتحف البريطاني, ومكتبة الأبروزيانا في إيطاليا, والمكتبة الرضوية ومكتبة مجلس الشورى وكلتيهما في إيران, والمكتبة الفيضية بتركيا, ودار الكتب المصرية, والمكتبة الظاهرية بدمشق, ومكتبة التراث القومي بمسقط, والمكتبة القادرية ببغداد ونسخة المتحف العراقي, ومكتبة الحرم المكي الشريف, وغيرها من النسخ. وكان أول من اهتم بديوان ابن المقرب من حيث الطباعة, حسب علمنا, فهو التاجر المكي الشيخ عبدالله باخطمة وكانت طبعة حجرية طبعت في المطبعة الميرية بمكة المكرمة عام 1889م, وكانت طبعة سيئة فنياً ولم تشمل الشرح والتعليقات والمعلومات التاريخية وكذلك لم تشمل العديد من القصائد. ثم تلتها الطبعة المعروفة بالهندية نظراً لطباعتها في مطبعة دت برساد في مومباي عام 1893م, وهي طبعة حجرية أيضاً, على نفقة الشيخ عبدالعزيز العويصي الخالدي من الأحساء, وإعداد وكتابة أحد علماء الشافعية في الهند وهو ملا محمود الكوكني, وقام بجمع النسخ وتصحيح الأخطاء كل من الشيخ حمد خليفة العيوني والشيخ محمد ابراهيم بن جغيمان وكليهما من الأحساء. وبالرغم من جودة هذه الطبعة وتفوقها حتى على بعض الطبعات التي تلتها إلا أن ما يؤخذ عليها هو عدم إتباع المنهج العلمي وتصرف أصحابها في بعض النصوص من حذف وتغيير, وكذلك بعض التعليقات الطائفية التي قاموا بها, إضافة لتجاهلهم للتعريف بمواقع العديد من الأماكن المذكورة في شرح أو شعر ابن المقرب والتي لم تكن تخفى على أي أحسائي في عصرهم مثل عين الجوهرية أو نهر سليسل أو الكوارج أو المسجد الجامع أو جرعا المصلى وغيرها. ثم تلى هذه الطبعة طبعتين في دمشق, تخللهما طبعة الحلو عام 1963م, نسبة للدكتور عبدالفتاح الحلو وهو مصري كان يعمل مدرساً في الأحساء فتأثر بأجوائها الأدبية, وشغف أهلها بابن المقرب وقد اعتمد على مخطوطة للديوان كانت موجودة في دار الكتب المصرية كما ذكر في مقدمته. ثم صدرت في الكويت طبعة البابطين عام 2002م نسبة لمؤسسة سعود البابطين للإبداع الشعري التي تبنت الطباعة بتحقيق الدكتور أحمد موسى الخطيب وهو رئيس قسم اللغة العربية بجامعة البتراء في الأردن وكان قد عمل في مملكة البحرين لعدة سنوات كما ساهم في تأسيس قسم اللغة العربية بجامعة الملك فيصل بالأحساء التي أقام بها حوالي ثمان سنوات. وقد اعتمد على نسخة مخطوطة توجد في المكتبة الرضوية بمشهد في إيران وبعض النسخ الأخرى. ثم جاءت طبعة بيروت عام 2003م والتي جمعها وحققها ثلاثة من أبناء القطيف على رأسهم الأستاذ عبدالخالق الجنبي والأستاذين عبدالغني العرفات وعلي البيك, وقد تميزت هذه الطبعة بجهد واضح استمر لعدة سنوات جمعوا وقارنوا خلالها أكثر من 23 نسخة مخطوطة للديوان أو لأجزاء منه. وقد تميزت هذه الطبعة حسب وجهة نظري بدرجة علمية عالية من التحقيق المتقن, خاصة فيما يتعلق بالقبائل والأماكن المذكورة في الشعر أو في الشرح, وتحديد مواقعها نظراً لأن المحقق هو من أبناء المنطقة, فقام بالعديد من الجولات الميدانية محتكاً بالأهالي خاصة كبار السن الذين كانوا يَخبرون جيداً الكثير من المواقع ومسمياتها داخل غابات النخيل في الأحساء أو في القطيف, فلم تترك هذه الطبعة أي قرية أو نهر أو عين أو قبيلة وردت في الديوان, إلا وحددتها أو حاولت تحديدها. بينما كنا نجد مثلاً الدكتور الخطيب يقول عن نهر سليسل أنه عين سلسبيل في البحرين, أو يخلط بين قبليتي قيس وقباث العامريتان في المنطقة, بقبائل أخرى كنانية ليس لها علاقة بالمنطقة, وهذه دلالة على أهمية أن يكون المؤرخ منتمياً لنفس المكان.
لقد كان للبعثة الدانمركية في ستينيات القرن الميلادي الماضي، دوراً في لفت الأنظار للقيمة التاريخية والآثارية المهمة لهذه المنطقة، حيث أجرت عدداً من الدراسات الميدانية لعدد من المقابر والمعابد والنقوش والرسوم والأدوات، في حوالي عشرين موقعاً في المنطقة الشرقية. إلا أن المكتشفات المحلية التي أجريت لاحقاً خاصة على أيدي أبناء المنطقة النشطين في متحفي الأحساء والدمام، أسفرت عن نتائج متقدمة ومواقع أثرية مهمة وصلت للمئات، وزيارة بسيطة للمتحف الوطني في العاصمة الرياض تبين للمهتمين والباحثين بأن نسبة كبيرة من المادة المعروضة تعود لمواقع من هذه المنطقة. وقد كان إقليم البحرين عموماً مقراً للعديد من السلالات السامية القديمة وما يعرف بقبائل العرب البائدة، إضافةً إلى تواجد أعراق وأجناس أخرى أفريقية أو آسيوية. إلى أن تكونت القبائل العربية القديمة خاصة القحطانية منها التي بدأت بالانتقال إلى البحرين منذ عهد مملكة حمير في اليمن، ثم في فترة انهيارات سد مأرب، ثم هجرة القبائل العدنانية من تهامة الحجاز مروراً باليمامة إلى البحرين، فكانت ومازالت هذه المنطقة من أهم المناطق الجاذبة في الجزيرة العربية. وكان من أبرز وأهم القبائل العربية التي سكنت البحرين هم الأزد وإياد وقضاعة وحلف قبيلة تنوخ التي أقامت حلفها في هجر ثم انتقلت للعراق وأسست دولتها، وقبائل تميم خاصة بنو سعد، وقبائل ربيعة الفرس خاصة بكر ابن وائل وعبد القيس، حيث كانت الأخيرة من أشهر قبائل البحرين على الإطلاق فعرفت هذه المنطقة بعبد القيس وعرفوا بها، كما كان لهم الدور الرئيسي في دخول المنطقة في الإسلام وبقاؤها تحت رايته منذ عهد النبي ثم في عهد الخلفاء الأربعة من بعده الذين كان لهم ولاتهم المعينين على هذه المنطقة، وكذلك في عهد الدولة الأموية التي تخللها فترات سيطرة حركة الخوارج وثوراتهم المناوئة للأمويين. أما في العصر العباسي فيبدو أن الأمور لم تكن أفضل حالاً لنفس المناوئين حتى قيل: “يا ليت جور بني مروان عاد لنا، وان عدل بني العباس في النار”. وهكذا ومنذ بداية العهد الأموي لم تكن هذه المنطقة مستقرة سياسياً حتى أصبحت أرضاً خصبة لكل حركة مناهضة ضد الدولة، فكان صاحب الزنج قد توجه من سامراء إلى البحرين وبدأ دعوته بها وتبعه جماعة من أهل هجر وخرج بهم إلى البادية المحيطة، ورغم أن أهل البحرين حاربوه فيما بعد إلا أن دعوته كانت قد توسعت رقعتها إلى العراق التي كانت هدفه الأساسي ومنطلق عملياته العسكرية حتى قضي عليه عام 272هـ. أما الحركة القرمطية فقد توجهت لهذه المنطقة أيضاً مستغلةً الميول العلوية لأهلها فادعى يحيى ابن المهدي أحد دعاتها، بأنه رسول الإمام المهدي إلى أهل البحرين وأن ظهوره قد قرب ويريد مساعدتهم وأخذ يجمع الأموال منهم، ثم انضم إليه أبو سعيد الجنابي الذي استمال أغلب أهل البادية المكونة آنذاك من قبائل عامر بن صعصعة القيسية الذين اعتمد عليهم اعتماداً رئيسياً فيما بعد في تكوين جيشه الجرار. وبدأ أبو سعيد بتأسيس دولته في البحرين على دماء الكثير من أهاليها خاصة في بداية فتوحاته التي أسفرت عن حرق أكبر وأهم مدينتين في المنطقة آنذاك وهما هجر والزارة. وقد استمر حكم الدولة البوسعيدية (القرامطة) من عام 283هـ إلى عام 398هـ تقريباً حيث ضعف أمر الأسرة الحاكمة بعد وفاة الأعصم، وتنقل الحكم بين أتباعهم الذين ظلوا يعرفون بالقرامطة عند المؤرخين. حتى وصل الحكم للعيونيين الذين كان منهم أعوان للقرامطة أيضاً، فأسس الأمير عبدالله العيوني الدولة العيونية بدعم ومساندة من الحاكم العباسي في العراق واستمر حكمهم للمنطقة مع تهديد ومواجهات مستمرة مع القبائل العامرية التي كانت ما زالت تشكل قوة بدوية ضاربة في المنطقة حتى بدأوا في تلك الفترة بالاستقرار في الحواضر والجزر والتملك للكثير من مزارع النخيل وسفن الغوص خاصة بعد تداخلهم وتصاهرهم مع الأسرة العيونية الحاكمة حتى أصبحوا أخوالاً لبعض الحكام العيونيين. ثم ضعف العيونيون وفسدت البلاد وضجر العباد فسيطر على المنطقة بعدهم بنو عقيل العامريون بزعامة الشيخ عصفور بن راشد الذي لاقى المساعدة والتأييد من رجال الأحساء آنذاك لإسقاط العيونيين. هذا وتخلل حكم عصفور وبنيه الذي استمر لحوالي 150 عاماً, فترات كان يسيطر بها السلغريون في إيران. ثم حكم المنطقة آل مغامس من البصرة لفترة وجيزة ثم جروان وبنوه من بني عامر لفترة وجيزة أيضاً ثم حكم البلاد بعدهم أسرة آل جبر النجدية وهم من بني عقيل العامرية أيضاً, ثم السيطرة البرتغالية عن طريق مملكة هرمز بإيران وإسقاطها لحكم بني جبر بقتل الأمير مقرن بن زامل في معركة بحرية. ثم السيطرة العثمانية على المنطقة مع تصاعد كبير لقوة بني خالد في البادية وحلفائهم من بني لام وغيرهم. وهكذا تقطعت فترة الحكم العثماني حيث تخللها سيطرة آل حميد زعماء الخوالد وكذلك سيطرة الدولة السعودية الأولى والثانية, كما نزحت في تلك الفترة قبائل أخرى إلى بادية المنطقة مثل آل مرة والعجمان وبني هاجر وغيرهم، وذلك بعد تحضر أغلب القبائل التي سبقتهم, في المدن والقرى الحضرية بالمنطقة أو دخول بقاياهم في قبائل أخرى خاصة بني خالد, أو الهجرة إلى خارج المنطقة باتجاه العراق وإيران وعمان أو باتجاه حواضر نجد. وهكذا استمر الحكم العثماني المتقطع حتى يوم 12 أبريل لعام 1931م وهو يوم دخول الملك عبدالعزيز آل سعود إلى الأحساء.
Alahsa Turath تراث الأحساء