الرئيسية / شخصيات معاصرة / شذرات من حياة الدكتور عبدالرحمن الجعفري

شذرات من حياة الدكتور عبدالرحمن الجعفري

بقلم الأستاذ: علي السلطان
12 جمادى1 /1443 – 16 ديسمبر 2021

أ. علي السلطان

يطل علينا معالي الدكتور عبدالرحمن بن أحمد الجعفري -الغني عن التعريف- بكتاب تحت عنوان؛ “صفحاتٌ من كتابِ العمرِ”، وعبارة “صفحات من كتاب” تعني أن الكتاب لا يشمل كل محطات حياة المؤلف ليؤكد لنا أن ما سيحتويه هو عصارة تجارب مر بها في حياته المليئة بالمحطات الكثيرة المثيرة والمثرية، وما كابده من عناء وما قام به من كفاح وما سعى له من إنجاز، ليجد القارئ بين يديه كتاباً مُلِئ بالمحطات التي تجبره على الوقوف عندها والتي لا يكاد يستريح في إحداها ليتزود منها إلا وتستدعيه الأخرى على عجل، ليرى الكتاب وقد سرقه من كل التزاماته بل وصفحاته تتقلب بين يديه دون أن يشعر بذلك.
الكتاب يقع في 446 صفحة بدأت بالإهداء ثم تعريف بالهدف من كتابة الكتاب ثم ينفتح أمامك أحدَ عشرَ باباً تتضمن محطات متعددة الأشكال والألوان تعكس بعض جوانب حياة المؤلف، حلوها ومرها، والتجارب الناجحة التي مر بها، ومن لطيف ما جاء في الكتاب ما ذكره في صفحة 15 “وضحكت وهي تقول: طبعاً أهم مرحلة هي الارتباط بي!!”، هذا ما قالته مستشارته الدائمة، كما عبر عنها، ويقصد بها زوجته رحمها الله تعالى، حين سألها عن كيفية البدء في تدوين الكتاب فأجابته بأن عليه أن يقوم بتقسيم مراحل حياته وأن مرحلة الارتباط بها هي الأهم.

تميُّز الإهداءات
أغلب الإهداءات تراها موجهة لشخص واحد أو اثنين لكن في هذا الكتاب بدأ بوالدته حيث نبع الحنان وحضن الأمان ليدلل على مكانة الأم التي أوصانا بها نبي الأمة ثم إلى والده ذلك العصامي المكافح ثم إلى زوجته التي بدت وكأنها مديرة أعماله ومسؤولة شؤون حياته والمستشارة الخاصة له ثم الأبناء والأساتذة والزملاء والأصدقاء ثم اختتمها بالوطن الغالي.
ومن محطات الإهداءات هذه تكتشف مدى عمق هذا الرجل وجمال قلبه وشمولية حبه لكل من حوله، هذا الحب وهذه الأريحية هي التي جعلتني أحصل على نسخة أصلية مهداة منه باسمي، وقد وصلتني بواسطة أحد أبناء عمه إلى منزلي، لا شك أنني أعرف معالي الدكتور، لأنه علمٌ، وأنا من المعجبين به قبل قراءة كتابه، وأظن أنه لا يعرفني، لذا أعتقد أن سبب الإهداء هو حينما لمس اهتمامي بالكتاب حيث ذكرت عند أحد أقاربه ذات لقاء، أنه وقعت بين يدي نسخة إلكترونية لكتاب الدكتور واطلعت عليه وأعجبت كثيراً به وبسلاسة أسلوبه وأنني شرعت في كتابة مقالة عنه وأظن هذا الحوار تم نقله إليه، لأتلقى بعدها نسخة أصلية مهداة بتوقيعه، وكأنها تقديراً لي بسبب اهتمامي، ليزرع في قلبي حباً لا يظمأ أبداً.
المؤلف ينتمي إلى عائلة عريقة، انحدرت من ابن عم الرسول الأكرم وهو ذو الجناحين، جعفر بن أبي طالب بن عبدالمطلب الهاشمي القرشي المشهور بـ “جعفر الطيار”، حيث كان أصل هذه العائلة في المدينة المنورة حتى انتقل قسم منها إلى الأحساء عام 860 هجرية تقريباً، وهي من العوائل الشافعية، “تتبع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى”، وهي من العوائل التي تمتاز بعلاقات واسعة في المنطقة وسمعة طيبة جداً، ولا شك أن لذلك عوامل منها؛ أنها تنحدر من أصول شريفة حيث نسب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كما أنها ترعرعت في واحدة من أطهر بقاع المعمورة وهي المدينة المنورة، ثم هاجرت إلى بقعة طيبة أخرى، وهي الأحساء، ولذا هم أهلُ طيبٍ جاوروا أهل طيب.
ولأن الطين يحكي قصة الطين فقد بدأ المؤلف الكتاب بهذا الباب؛ “ابن الأحساء.. الخطوات الأولى” حيث راح يسكب الحروف في جداول حبه للأم الرؤوم ونبع الحنان، أكبر واحات نخيل الأرض على الإطلاق.
ولأن المؤلف ترعرع في بيت من بيوت الطيبة والتسامح كان لابد أن ترى بين دفتي كتابه هذا مساحة لهذه الخصال الحميدة حيث لا يغفل الكاتب عن واحدة من أهم ما يميز الأحساء والتي جعلتها واحة التعايش بين الطوائف ليكتب بكل أريحية وشفافية عما كان يعيشه بنفسه حين كان صغيراً أو شاباً أو كهلاً وإلى وقت صدور الكتاب.

مجتمع الطيبة والتسامح
ففي صفحة 48 والتي بدأها بعنوان “مجتمع الطيبة والتسامح”، ليصف حالة المجتمع آنذاك وتميزه بالتسامح والتعايش، متنبه بعينه الفاحصة أن تلك الحالة هي دليل على وعي المجتمع الأحسائي وتحضره المبكر، وأنه مجبول على هذه الخصال كجِبلة الأشج من بني عبد قيس حين امتدحه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث استهل المؤلف هذا الباب بهذه العبارات؛ “كانت بين المذاهب السنية الأربعة في الأحساء، والمذهب الاثنا عشري، تعايش كمجتمع واحد، يدل على عمق التحضر عند أبناء الأحساء”، هكذا يصف الكاتب حالة الحياة بين طوائف المجتمع الأحسائي وهكذا يبين حالة التعايش فيما بين السنة بكل مذاهبهم والشيعة وأنه وإن اختلفت مشارب المسائل الفقهية والعقدية بين جميع المذاهب الإسلامية إلا أن الدين واحد والتعامل واحد وكأن اتفاق سلم خطه أهل هذه الواحة منذُ تكونت المذاهب الإسلامية حيث لم ينقل لنا التاريخ أي تقاتل أو تحارب بين السنة والشيعة في الأحساء بتاتاً، وإن حدثت فهي فردية لا جماعية، أي لا تمثل أي مذهب أو طائفة، ويؤكد الكاتب على أنه خلال نشأته لم يكن حاضراً في بيتهم أو بين أفراد العائلة أي حديث عن الفروق المذهبية، ثم يذكر؛ “وفي الأعياد والمناسبات كنا نذهب إلى الصالحية لزيارة آل الشيخ مبارك المالكيين، وإلى الرفعة لزيارة البوخمسين من الشيعة الاثني عشرية، ونزور آل أبي بكر الملا الأحناف في الكوت، والعفالق المالكيين في المبرز”، ومن هنا يتضح لنا أن الطائفتين – الشيعة والسنة – لا يوجد بينهما خلافات مذهبية وأن كِلا الطائفتين على معرفة تامة بمعتقد الأخرى وممارساتها والتزامها بالشرع الحنيف وإصرارها على عدم الاختلاف ووجوب التعايش.

سيد ياسين الموسوي معلم السنة
وينقل المؤلف في صفحة 48 أيضاً عن رجل الأعمال الأستاذ عبدالعزيز بن سليمان العفالق “أن أكثر المعلمين والمعلمات في مدارس تعليم القراءة والكتابة في المبرز كان أكثرهم من المذهب الشيعي مثل السيد ياسين الموسوي الذي درس على يديه عديدٌ من أفراد أسرة العفالق، وفي مدرسة الشاوي التي كانت مدرسة بنات للشيعة وتدرُس فيها بنات السنة أيضاً، كان الأولاد والبنات يتعلمون القرآن الكريم والقراءة والكتابة على يد معلمين من الشيعة”، هذه الظاهرة الحساوية ربما لا تراها بهذا الحجم في مكان آخر على هذا الكوكب وهذا دليل واضح على التعايش بين المذاهب هنا دون شعور بالاختلاف المذهبي مستوعبين أن اختلاف المسائل الفقهية عند المذاهب أمر طبيعي حيث الأمر خاضع لاجتهاد العلماء وأن لا علاقة لاختلاف المسائل بالحياة اليومية ولا بعلاقة الطوائف والمجتمعات مع بعضها ولذا ضربت الأحساء أروع الأمثلة في التعايش ونبذ الخلاف فكانت النموذج الذي يجب دراسته واستنساخه.
ويذكر المؤلف في نفس الصفحة أحد المواقف التربوية الإسلامية السمحة من أستاذ يمثل القدوة الحسنة في مجتمعنا وهو خاله الأستاذ السيد أحمد بن عبدالرحمن الهاشم الذي كان مدرساً لمادتي اللغة العربية والدين في إحدى المدارس الحكومية حيث نقل له ذات يوم أن أحد طلابه السنة ظهر عليه بعض التزمُّت نحو بعض زملائه الشيعة فقرر الخال معرفة مصدر التزمُّت هذا، فأخذ الطالب السني جانباً وسأله عن أسباب فكره المتزمّت نحو الشيعة، فقال الطالب: الشيعة عند الأذان يخالفون ويقولون: (حيَّ على خير العمل) فرد الأستاذ: يا بني؛ أليست الصلاة هي خير العمل؟ فأجاب الطالب: نعم. فقال له: هم ذكروا وصف الصلاة بأنها خير العمل، وهكذا أنهى المعلم الفاضل الموضوع بهذا الأسلوب المقنع، فإذا كانت هذه صفات وسجايا الخال الأستاذ فلا غرابة أن يكون من حوله من الأبناء والطلاب أهل طيبة وتسامح، ولم يغفل المؤلف عن تسليط الضوء على موقف خاله والذي اعتبره من الأساتذة والمربين العظام الناشرين للتآخي في المجتمع حيث ذكر؛ “لم يتلقَّ الخال أحمد تعليمه في مدارس أو جامعات اليوم، بل درس في مدرسة أبيه الخيرة ونهل العلم من علماء الأحساء الطيبين الداعين للحسنى، النابذين للفرقة والتعصب في المجتمع، وكم نحن بحاجة لأمثال هؤلاء اليوم، ومن الأطراف كافة”.
يواصل المؤلف تركيزه على ملف الشيعة ليوضح لهذا الجيل ما كانت عليه الأجيال السابقة من تعامل ومعاملة ليذكر أن لديهم نخلاً (مزرعة) في طرف الفضول تسمى (الخداشية) وكان المتولي بريها والعناية بها اسمه عباس وهو شيعي المذهب وأن المؤلف ووالده وعمه وأبناء عمه يتناولون الطعام والشراب سوياً مع عباس وبقية العاملين وهم شيعة وسنة ثم يحتسون القهوة التي يصنعها عباس بنفسه، ثم يعلق المؤلف؛ “هذا هو المحيط الذي نشأتُ فيه، محيطٌ متسامحٌ، محبٌ للجميع، معطاء”، ثم يؤكد المؤلف على أنه بهذا يُذكر المجتمع المتحضر المتسامح كل من نسي أو تناسى أو كان لديه شك في سماحة المجتمع الأحسائي وتماسكه وتابع قوله أنه يريد من هذا الجيل أن يتعظ وأن يرفض كل ما يتسرب إليه من أمراض دخيلة على مجتمعنا، وإذا ما أردنا أن نؤكد على كلام المؤلف لضرورة نبذ الفرقة والخلاف هو ما حصل في احتواء حادثة الدالوة التي وقعت ليلة العاشر من محرم 1436هـ في حسينية المصطفى وراح ضحيتها 7 شهداء من الدالوة وشهيد من المنصورة والتي حينها خشي الناس وقوع الفتنة والتي يراهن عليها أعداء الوطن لكن لجنة تشييع الشهداء وقرابة ربع مليون مشيع كان شعارهم؛ “اخوان سنه وشيعه … هذا الوطن ما نبيعه”، لتبرهن الأحساء عن حالة الوعي والتحضر التي تعيشها.

نذر شيعي لسني
يعود المؤلف وفي ذيل صفحة 48 ليحضر لنا موقفاً تعجز الكلمات عن وصفه كما تعجز بعض العقول عن استيعابه حيث ينقل عن ابن عمه الأستاذ أحمد بن عبداللطيف الجعفري المهتم بتوثيق الأمور التاريخية والأنساب في الأحساء، “أن لديه وثيقة وقفية من أحد الشيعة أوقف بموجبها وقفاً لمنفعة شخص من السنة”، وقد تواصلت أنا شخصياً مع الأستاذ أحمد بعد اطلاعي على الكتاب وأكد لي أن علي بن محمد بن خميس من أهل قرية المزاوي أوفى بنذره لعبد الرحمن بن موسى بن عثمان بن جغيمان وهي المزرعة المسماة بالحدادي الجنوبي والواقعة في طرف قرية العقار والنذر عند الشيعة والسنة هي صيغة تجرى لطلب حاجة من الباري جل وعلا تحقق أمر ما مثل شفاء مريض وغيره حيث يقول الناذر: لله عليَّ إن نجحت عملية زميلي لأذبحنًّ جملاً وأوزعه على الفقراء -هذا مثال- وعند الشيعة تضاف غالباً في آخر الصيغة جملة، “على حب النبي الأكرم، أو أحد أهل بيته الأطهار”، وعموماً من الواضح أن ابن خميس نذر لله تعالى نذراً على إن تحقق نذره فسيقدم هذه المزرعة لابن جغيمان، ملزم نفسه بوفاء نذره، مؤكد على ذلك بعبارات واضحة، “نذراً صحيحاً شرعياً منجزاً لازماً”، ومن هنا نرى طيبة وسماحة أهل الأحساء ومدى علاقتهم مع بعضهم بل ويبدُ أن الناذر هو من طلب مصادقة قاضي الأحساء آنذاك على الوثيقة، وهو الشيخ محمد حسن بن عبدالرحمن العدساني، وصورة الوثيقة هذه غرد بها الأستاذ أحمد الجعفري وهي محررة عام 1207هـ وصورتها مرفقة في آخر المقالة.

ابن الفواطم
من اللطيف ما جاء في تشابه الأسماء عند الكاتب، ففي صفحة 34 يتطرق إلى مصادفة اسم جده لأبيه وجده لأمه حيث اسم كل منهما عبدالرحمن بن أحمد ولا شك أنها من أفضل الأسماء وقد اجتمعا في الجدين، أما المصادفة الأخرى فهي متعلقة باسم جدته لأبيه وجدته لأمه حيث تحملان اسم فاطمة ولا شك أنه أفضل الأسماء حيث بنت الرسول الأكرم وسيدة نساء العالمين فكان للدكتور النصيب الأوفى من هذه الأسماء الجميلة.

طيار يكتب عن طيار
جدير بالذكر أخي القارئ أن تطلع على المقال الذي كتبه اللواء طيار ركن عبدالله السعدون عن هذا الكتاب ونشرته صحيفة الرياض بتاريخ 7 شعبان 1442هـ الموافق 20 مارس 2021 حيث جاء في بداية المقال؛ “ولد في منطقة عزيزة علينا جميعاً، منطقة الحب والتسامح، تتعايش مذاهبها وتمتزج كألوان قوس قزح لتشكل لوحة فنية تسمى الوطن، منطقة عمت خيراتها كل مناطق المملكة من جنوبها لشمالها ومن شرقها لغربها”، ليثبت لنا هذا الكاتب المتقلد بالمناصب العليا والقادم من محافظة الغاط التي تبعد عن مدينة المؤلف (الهفوف) 555 كيلو متر تقريباً، أن هذا الوطن فيه رجال يدركون أهمية التعايش والتسامح ونبذ الخلاف والفرقة ويسعون إلى تأصيل المحبة والسلام وأن لا شأن لاختلاف المسائل الفقهية للمذاهب والطوائف بحياتنا في وطننا وعلاقاتنا اليومية، إن مثل هذا الكاتب هو الآخر يطل علينا من نفس نافذة المؤلف ليؤكدا لهذا الجيل والأجيال القادمة أن يتبنوا هذا النهج وأن يستمروا عليه ليستمر السلم الداخلي في نفوسنا وبلادنا.
وثيقة نذر علي بن خميس الشيعي لعبدالرحمن بن جغيمان السني.

شاهد أيضاً

شاعر من واحة الأحساء (الأستاذ/ حسن بن محمد الباذر)

بقلم الأستاذ / ناجي بن داود الحرز لقد وضع النقاد والفلاسفة مئات التعريفات للشعر، ولم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *