الرئيسية / مقالات / محمد الغزال رفيق الكتاب وصديق الكبار

محمد الغزال رفيق الكتاب وصديق الكبار

أ. أحمد البقشي

بقلم الأستاذ / أحمد البقشي

من الصعب  جدا  أن  تكسب  ودّ الجميع  و في ذات الوقت لا تتنازل  عن قناعاتك و مواقفك هذا  ما امتاز به الصديق الأديب الراحل الأستاذ محمد الغزال.

صوته المدوي  و الذي يُمسرِح به  أبيات  أي قصيدة  يلقيها   هو أول ما جذبني له  ( كنت وقتها في حدود الخامسة عشر من عمري ) فإضافة لمحفوظاته المميزة  فقد كان جاذبا لي من أول  ما كنت ألمحه  في جلسات أصدقائه المقرّبين ( شلّة المطاليق  )  كما يعرفون بأنفسهم و حيث جمعت   شبانا  مطاليق  فيهم  رجال  أعمال  و كفاءات  جلهم من الأقارب و المعارف  كان  أبو عبدالله   ناظمة عقد بين هؤلاء،  يصيخ  الجميع سمعا  له حين  يشرع  في   إلقاء  مقطوعة شعرية   أو حكاية تراثية ، لشدة براعته في القبض  على ملكات  جلب الانتباه، من  استطلاع  للحضور  و مستويات  أعمارهم و مشاربهم الأدبية و اهتماماتهم فيستطيع أن ينفذ من خلالها، و يبرع في كسب ود الجميع  ويثير إعجابهم ، لذا  يرى الكثيرون أنه جمع  صداقات  منوعة و متناقضة   ابتداء من العلامة  الشيخ  صالح السلطان  رمز التقليدية    إلى  آخر  شاب  حداثي.

كان  ابو عبدالله  يقول  دايما ( إبدأ  من فوق ) فإذا أردت أن تشرب  ماء  اشرب من الجوجب ( النبع ) ، لذا   مثلا  كان  في زياراته  خارج  الوطن يتبع  هذا الأسلوب فكان يزور   الشخصيات الدينية  و الأدبية  و الثقافية  الرسمية و الشعبية  و كان رائده الكتاب  و المعلومة و الأدب.

فمثلا  إذا ذهب  للنجف الأشرف  يزور المراجع   كالسيد الخوئي   رحمه الله   و  الشخصيات المهمة كالشيخ شريف  كاشف الغطاء و الشيخ   باقر شريف القرشي     و يتباسط  معهم      فيشرعون له أبواب مكتباتهم  .

و مما ذكر لي أنه  في حديث  له  مع علامة بغداد   الدكتور  حسين علي محفوظ ،  فكان يوصي ابا عبدالله    فيقول له  :

(سياق  الموضوع  يحدد  مصادره، و التي ليس بالضرورة أن تجدها في كتاب  فمثلا  عندما  أردت الكتابة  عن  أسر الكاظمية   قصدت  الأمهات و الجدات).

و هذا ما أكد أبو عبدالله  نفسه  أنه كان  يعيش حياة نهارية  في الغالب  لتناسب  جلسات الآباء الذين يتردد عليهم   ، كالمرحوم  الحاج  محمد حسين القطان ( بو إبراهيم   )و الذي  كان مستودعا للحياة الاجتماعية   في الأحساء  .

حفظ مميز  و بداهة  نابهة :

أما خزانة محفوظاته  الشعرية و سرعة  استشهاداته   فمثيرة للدهشة   من ذلك أنه في زيارة له  لجدة  حضر   اثنينية رجل الأعمال الأديب  عبدالمقصود خوجة   لاول  و لاحظ  أنه يمسك  بعصا   فبادأه بأكثر  من عشرين شاهدا  شعريا   عن حمل العصا  !  أثارت استغرابه   فأهداه  مجموعة إصدارات الاثنينية  .

موقف طريف :

و لأنه صديق  الكتاب   فقد  كان يشده  علاقات  واسعة   بالكثير بالوراقين  في كربلاء  و بغداد و القاهرة و دمشق  و بيروت    .

من  القصص التي  حدثت له  هو أنه  حضر  في كربلاء مزادا  مع وراق  صديق له   و  جاءت النوبة على  المزايدة على كتاب   ( بغداد شذرات من ذكريات  )  فأسر للوراق  أن  :

نفلش  لك المزاد  ؟

فسأل الدلال  : الورقات  كذا و كذا  موجودة لو منزوعة  !؟

فأجاب  الدلال  : لا منزوعة   !  فتفرق المشترون الذين كانوا يريدون مشاهدة تلك الصفحات المنزوعة   .

و هذا يدل على   سعة ذاكرته فيما تحويه الكتب  .

في معارض الكتاب :

و عندما يزور  معارض الكتاب   كان يحرص  على حضور  الفعاليات المصاحبة  ليلتقي  بالكتاب و المثقفين  و قال لي عدة مرات ( هؤلاء  هم  الكتب التي تمشي! إن جزء من فهمك  للكتاب  معرفتك بالكاتب  ؛ و ربما تنصدم  كثيرا  بعدم مطابقة ما يكتب بحياة  الكاتب او الشاعر   و ما يكتب     و أيضا   هم يفتحون  لك آفاقا في المعرفة و العلاقات !  )

مع الشيخ  صالح  السلطان  رحمه الله  :

العلامة الشيخ  صالح السلطان   يعد رمزا من رموز الأصالة  و التي تميل  بشكل جاد  للتمسك لحذافير  ما كان عليه  السلف   من ظاهر  الملبس حتى  نخاع الاعتقاد، لكنه  أبا عبدالله  اكتسب وده   من خلال  الشعر و الأدب  و قفشات أبي عبدالله التي ينتقيها و التي كانت في الغالب مرتبطة بقصص.

مع شيخ المؤرخين  :

بعد تقاعد أبي عبدالله  كان  كثيرا ما يضمه في جلسات الضحى في   مجلس  شيخ المؤرخين   و سعادة الدكتور   محمد القريني  و الخطيب  الملا محمد صالح المطر و كانت هذه الجلسات  الخاصة  بما تحويه من عصارات فوائد و أحاديث ملذة   نواة لانتظام جلسة الجمعة  لشيخ المؤرخين خاصة مع تكاثر  طلبات لقائه من قبل   الباحثين و رجال المجتمع  .

ذائقته  الشعرية  :

كان رحمه الله  يميل للشعر  العمودي  الأصيل  و يقول هو المحك  و إن كان  لا يحارب  قصيدة التفعيلة أو  الشعر الحديث عموما  بل يتذوقها  خاصة  في كتابات روادها كمحمد العلي و نازك الملائكة و السياب و بلند الحيدري.

و  مختاراته التي ينتخبها و يلقيها على أصدقائه و في محافلهم، تنم  عن ذائقة رفيعة، خاصة  أنه يميل لانتخاب شواهد من  شعر شعراء لم ينصفوا و يؤخذوا مساحة  كافية من الضوء  كابن الحجاج، و النامي، و  ابن ابي مليكة ومن المعاصرين كمحمود أبو الوفا  .

مع أصحاب النظرات السوداء .

كان رحمه  الله يشير  لصنف من  الأدباء خارج الخليج    يحملون نظرة ضيقة  عن الخليج و أهله  و كانهم  جماعة من الأعراب   سنحت لهم الخيرات   في غفلة من القدر ! لذا   كان يشير  أنه إن صادف نوعا من هذا الصنف فإنه  أتعمد إحراجه  بل الاستعراض  أمامه بما أدخر  من أدب   ليعرف ( أن في الثياب رجاجيل، و أن الأدب  و الثقافة لا جنسية  له، بل  إن كان  للسليقة  مهد  فهي في  الجزيرة العربية ، فهو وطن اللغة و رحمها التي خرجت منه ).

مع الكتاب السعودي  :

و في ذات السياق  السابق    فإنه في أغلب  رحلاته   كان يحمل معه  آخر النتاجات  المطبوعة في الأحساء خصوصا  و في الوطن  عموما  سيما في الشعر و هو اهتمامه الأول، ليقدمها  في رحلاته كبطاقات تعريفية   لأسماء  كتابها و هذا  نوع  من الشعور بالمسؤولية تجاه  الأدباء.

كما أنه يشير  دائما و يقترح على الكتاب إيداع  كتبهم  للجامعات  المحلية  و العربية  كمواد متاحة للدارسين.

و هي لفتة مهمة.

اعتداده  بآرائه:

و مع سماحته مع الجميع إلا أنه  في سياق الأدب ناقد لازع، فإن أعجبته  قصيدة   فهو يترنم  بها و يشيد بها و إن لم  تعجبه فهو  جريء  في نقدها و حتى  في قول ( قطها بحر  ) لذا كان ينتقد مجازفة بعض المبتدئين في النشر المبكر لنتاجاتهم    قبل أن  تقوى سواعد  قوافيهم

اتصالي الأخير  :

في آخر اتصال  لي به قبل حوالي  ست أيام  من وفاته   كلمني بعنفوان   شديد  و بشرني أنه في تحسن ملحوظ لمسته في نبرة صوته، بخلاف  صوته قبل اسبوع سابق  حيث كان مثخنا بآلام المرض، و قال لي  ( بعون الله  عافيتني تبنى  شيئا فشيئا  )  و لم أعؤف أنه كان الاتصال الاخير .

شاهد أيضاً

عبدالله باشا السعدون في مواجهة فساد السلطة العثمانية في الأحساء

بقلم المهندس/ مصطفى طاهر الغزال اتسمت فترة الحكم العثماني الثاني في الأحساء (1288م -1331هـ/1871م – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *