الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين المنتجبين ..
شهدت منطقة الأحساء في القرون الثلاثة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر الهجرية حركة علمية نشطة منقطعة النظير، ويمكن القول بدون تردد أن هذه الفترة كانت بحق العصر الذهبي للحراك العلمي والثقافي في الأحساء على مر التاريخ، ومن أهم ما تميزت به الحركة العلمية في الأحساء في تلك الحقبة من الزمن أنه لم تعد دراسة العلوم الشرعية وعلوم اللغة منحصرة على حلقات الدرس التي تعقد في المساجد كما هو معهود من قبل، بل بنيت لهذا الغرض الكثير من المدارس الدينية التي يتم من خلالها تدريس العلوم الدينية كالعقيدة والفقه والأصول والحديث والتفسير والفرائض بالإضافة إلى علوم اللغة العربية كالنحو والصرف والأدب والبلاغة.
وقد زار الأحساء في الربع الأول من القرن الرابع عشر أحد المؤرخين ، بغية رصد الحراك العلمي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي فيها، فكان مما سجله في كتابه عن الحراك العلمي النشط فيها:
(يوجد (في الأحساء) زهاء ثلاثين مدرسة تدرس فيها الفنون العربية والعلوم الدينية كالحديث والفرائض والفقه والأصول والتفسير وما أشبه ذلك، وكان فيها كثير من فحول العلماء وجهابذة المحققين في العلوم ومن لهم يد طولى في العلوم كلها، ومنهم من رسخوا في العلوم الرياضية والحسابية وعلم الفلك) (1).
ومن أهم المدارس الدينية التي بنيت في الأحساء في مطلع القرن الثالث عشر الهجري مدرسة آل أبي خميس الفدغمي، وهي المعنية بدراستنا وتسليط الضوء عليها من خلال بحثنا هذا ، ويعود تأسيس هذه المدرسة إلى الحاج علي بن محمد بن علي آل أبي خميس الفدغمي وهو من عائلة أحسائية عريقة عرفت بين الناس بالوجاهة والكرم والجود والسخاء ، وكان مقر هذه المدرسة فريق آل بن فارس بحي الرفعة بمدينة الهفوف، ويوافق هذا العام (1440هـ) مرور ٢٤٠ عامًا على تأسيسها، وقد تم دعم هذه الدراسة وهذا البحث بعدد من الوثائق الهامَّة ذات الصلة، والتِي لم تنشر من قبل، لتضفي على البحث أجواء من المصداقية، ولتكون الصورة أكثر وضوحًا لدى القارئ الكريم.
ومن الملاحظ أنه برغم المدة القصيرة التي عاشتها هذه المدرسة والتي لم تتجاوز السبع سنوات من تأسيسها عام ١٢٠٠هـ إلى هدمها عام 1207هـ، إلا أنه كان لهذه المدرسة أثر كبير وأهمية بالغة تكمن في النواحي التالية :
١- أنها صرح من صروح العلم والمعرفة، ومركز من مراكز الإشعاع الفكري التي تشهد على رقي الحياة العلمية وتطورها في الأحساء في مطلع القرن الثالث عشر الهجري.
٢- أنها معلم تاريخي هام يعتبر من أهم معالم حي الرفعة بمدينة الهفوف.
٣- لقد كانت هذه المدرسة المباركة من الأسباب الرئيسية لهجرة ونزوح المقدس الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (رحمه الله) من محل إقامته و مسقط رأسه وموطن آبائه وأجداده بلدة المطيرفي إلى مدينة الهفوف، ليتخذها مقرًا جديدًا لسكناه، وذلك بعد إسناد مهمة النظارة على هذه المدرسة و التدريس فيها إليه .
4- لقد كان لقيام الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي (قدس سره) بالتدريس في مدرسة آل أبي خميس الفدغمي، وإمامة الجماعة في مسجد آل أبي خمسين المجاور لها دور كبير في بزوغ نجمه وذياع صيته واشتهار أمره بين الناس فراج بينهم منهجه الفكري وخطه العقدي ومسلكه في الفلسفة والحكمة، وهذا مما يفسر تواجد مدرسة الشيخ في مدينة الهفوف بقوة على مدى أكثر من قرنين من الزمن.
٥- تدل هذه المدرسة على ما كانت تتمتع به أسرة آل أبي خميس الفدغمي، الأسرة التي أسست المدرسة وأوقفت عليها الأوقاف من أجل المحافظة على بقائها، واستمرار التدريس فيها من بروز وصدارة وقيادة وجاه وغنى وثروة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجرية .
6- تأسيس هذه المدرسة وغيرها من المدارس من قبل بعض المحسنين وإيقاف الأوقاف عليها يدلُّ على الدور الكبير الذي كان يسهم به نظام الوقف الإسلامي في خدمة الدين ونشر العلم والمعرفة وبث الوعي في المجتمع وتربية الأجيال وتثقيفهم.
للإطلاع على كامل الكتاب اضغط هنا
Alahsa Turath تراث الأحساء
