الرئيسية / شخصيات تاريخية / الشيخ محمد بن حسين آل أبي خمسين(1210 ـ 1316 هـ)

الشيخ محمد بن حسين آل أبي خمسين(1210 ـ 1316 هـ)

كتب الشيخ / محمد علي الحرز

الفقيه الكبير الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن الشيخ علي بن الشيخ محمد الكبير آل أبي خمسين ، وعائلة أبي خمسين واحدة من أعرق البيوتات الدينية والعلمية في منطقة الأحساء وأكثرها شهرتاً ، فهم يعودون بأصولهم إلى قبيلة ” الخماسين ” المتفرعة من ” بني وداعة ” التي اتخذت من ” وادي الدواسر ” موطناً لها ، وهم ينحدرون بعروقهم القديمة إلى قبيلة  ” همدان ” أحد قبائل العرب القديمة [1].

وآل أبي خمسين كأسرة علمية أنجبت العديد من العلماء كان من أبرزهم والده الشيخ حسين بن الشيخ علي آل أبي خمسين ( ت حدود 1170هـ ) ، وجده الشيخ علي بن الشيخ محمد الكبير ( ت 1210هـ ) ، ثم جد أبيه الشيخ محمد بن الحاج أحمد الملقب بالكبير ، كان حياً سنة 1188هـ ، فكانت هذه الأسرة واحدة من روافد الحراك العلمي في المنطقة حيث كانت الأحساء حينها تعج بالعشرات من الأعلام .

مولده ونشأته :

ولد الشيخ محمد سنة 1210هـ ، بمدينة الهفوف من الأحساء ، في بيت عريق ومن أسرة  كريمة ذات جذور باسقة في الأحساء ، ثم نشأ وترعرع في بيت علم ومعرفة ، فتميز منذ نعومة اظفاره بالذكاء الحاد ، والشغف بالعلم ، وحب القراءة ، والقدرة على طي المراحل الدراسية خلال فترة وجيزة ، وهذا النبوغ يؤكده مدة رحلته  الدراسية التي لم تتجاوز الخمس سنوات حاز خلالها أعلى رتبة علمية وهي درجة الإجتهاد ، إضافة إلى عطائه العلمي المتميز .

رحلته العلمية :

تلقى أوائل تعليمه في الأحساء فتتلمذ على عدد من أعلامها ، ثم هاجر إلى النجف الأشرف وكربلاء فأخذ علومه من كبار الفقهاء فيها ، حتى نال درجة الإجتهاد والفقهاهة ، أما أبرز أساتذته فهم [2] :

– والده الشيخ حسين بن الشيخ علي آل أبي خمسين ( ت 1170هـ ).

– الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن مال الله الصفار ( بعد سنة 1265هـ ، أو عام 1270هـ ).

– الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( ت 1253هـ ).

– السيد كاظم بن السيد قاسم الرشتي ( ت 1259هـ ) .

– الملا حسين بن مولى قلي الكنجي التبريزي .

– الميرزا محمد حسين التبريزي الملقب بمحيط الكرماني .

– الملا أبو تراب .

علمه وفضله :

حاز الشيخ محمد آل أبي خمسين مكانة علمية رفيعة تليق بعلمه ودرجته فقد بلغت شهرته الأفاق لما تمتعت به شخصيته من دقة وحصافة ، وقد تجلت تلك المكانة في كلمات أساتذته ومعاصريه وإليك قبساً منها :

قال فيه أستاذه السيد كاظم الرشتي في عرض أجازته له :» ..لله در المحقق المدقق العالم العامل والفاضل الكامل ، اللوذعي الألمعي ، ذي الفطرة الصافية والسريرة الزاكية ، جناب الشيخ محمد بن ..« [3].

وقال في شأنه الشيخ محمد حسين الملقب بمحيط الكرماني :» .. وما عسى أن أقول في مرسوم سطعت في آفاق التحقيقات الإلهية أنواره ، وطلعت من مطالع التدقيقات الربانية شموسه وأقماره …ثم يقول : وهو العالم العامل ، الكامل الفاصل الفاضل العادل ، جناب الأوحد الأمجد الشيخ محمد بن الشيخ حسين الشهير بأبي خمسين ، كثر الله أمثاله وأخلص إليه إقباله ..« [4].

وقاله عنه أستاذه وشيخه الشيخ حسين بن المولى قلي الكنجوري في أجازته له ما نصه :» ..المولى الجليل والعالم النبيل ، العالم الكامل والفاضل الواصل ذي الفكرة الصافية والفطنة الزاكية، الألمعي اللوذعي المسدد المؤيد ، المنزه عن الشين ، الشيخ محمد بن الشيخ حسين …« [5].

إجازاته :

رغم فقد معظم إجازات الشيخ محمد ضمن ركام التاريخ المفقود إلا أنه يعتقد أن له ( 14  إجازة) بين إجتهاد ورواية من كبار علماء عصره[6]، القدر المتيقن منها ثلاث إجازات ذيل بها كتابه ” مفاتيح الأنوار” وهم  :

– الشيخ علي بن الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء، وتاريخها 1252هـ[7].

– أستاذه السيد كاظم الرشتي، عن شيخه الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، بطرق الشيخ المشهورة ، ومشايخ السيد الرشتي[8].

– شيخه الشيخ حسين بن مولى قلي الكنجوري الحائري، عن شيخه السيد كاظم الرشتي بطرق السيد الرشتي، عن شيخه العلامة وسائر مشايخه العظام[9].

– أستاذه المولى محمد حسين الملقب بـ (محيط الكرماني)، عما يرويه عن مشايخه[10].

ولعل للشيخ إجازات لتلاميذه ولكن لم نعلم بشيء منها ، فلا زال كم كبير من تراث الشيخ محمد آل أبي خمسين العلمي والفقهي مفقود ، حاله حال الكثير من أعلام المنطقة .

ملامح عن مرجعيته :

لما عاد الشيخ محمد آل أبي خمسين إلى الأحساء ،عرف الأهالي مكانته العلمية والدينية ، وما حازه من منزلة علمية عالية دفعهم للالتفاف حوله واختياره كمرجعية محلية لهم ، وكان ذلك حدود سنة 1259هـ [11]، بعد إجازته من أستاذه السيد كاظم الرشتي ، فكانت مرجعيته امتداد للمرجعية المحلية في المنطقة ، إلا أن الغموض الذي ساد البلاد بعد مرجعية الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ( ت 1241هـ ) ، والشيخ عبد المحسن بن محمد اللويمي ( ت 1245هـ ) ، يجعلنا لا نستطيع الجزم عن هوية المرجعية التي سبقته ، رغم جزمنا بوجود مرجعية الشيخ محمد آل عبد الجبار القطيفي ( ت 1252هـ ) في الأحساء خلال الحقبة التي خلفت رحيل الشيخ الأحسائي منها سنة 1210هـ ، لكن لا نعلم إلى أي مدى اتسعت مرجعيته في المنطقة ، خصوصاً وأنه بين رحيل الشيخ آل عبد الجبار ( 1252هـ ) وبدء مرجعية  الشيخ البوخمسين ( 1259هـ ) قرابة السبع سنوات ، مما يعني أنه كان هناك قوة دينية سدت الفراغ العلمي وكانت تدير كفة الأمور خلال هذه الأعوام .

وبالجملة فالذي نستطيع قوله عن مرجعية الشيخ البوخمسين أنها واحدة من أبرز المرجعيات الأحسائية المحلية وأكثرها قوة وسطوة وتأثيراً ، بل واتساعاً في التاريخ الأحسائي ، ويمكن أن نلخص أهم ملامحها في النقاط التالية :

أولاً : بدأت مرجعيته بعد عودته من كربلاء سنة 1259هـ إلى بلاده الأحساء واستلامه زمام الأمور الدينية في المنطقة .

ثانياً : لقيت مرجعيته انتشاراً واسعاً لتشمل كلاً من البحرين والبصرة والكويت والمحمرة ودبي ومسقط وبوشهر وغيرها وكان له في معظم تلك المناطق وكلاء يمثلون مرجعيته من أبرزهم وكيله في الكويت الشيخ محمد بن الشيخ حسين الصحاف .[12]الذي أرسله نائباً عنه فرحل إليها هو وجميع أفراد أسرته ، فتكونت فيها أسرته العلمية التي استمرت لأكثر من جيل ، وامتدت إلى البصرة من العراق ، والشيخ الصحاف يعتبر مشيد أول مسجد للشيعة في الكويت وهو المعروف الآن بـ ” ” مسجد الصحاف “[13] .

ثالثاً : تعد مرجعيته من أشهر المرجعيات في المنطقة التي لقيت قبولاً واسعاً من جميع الأطراف المتواجدة في المنطقة ليس على المستوى الشيعي فحسب بل حتى على نطاق السلطات العثمانية الحاكمة فقد كان الحاكم العثماني يأتي إليه في يوم العيد مباركاُ وفي يوم الجمع زائراً [14] .

ربعاً : يعتبر الشيخ محمد أبوخمسين هو المروج الأبرز لفكر الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي في بلده الأحساء وذلك عبر مرجعيته ، وتلامذته ، ومؤلفاته ، التي أنصب معظمها في خط الشيخ أحمد الفكري إذ لم تسنح الظروف للشيخ الأحسائي المكوث في بلده طويلاً وإنما عاش متجولاً بين العراق وإيران بسبب الظروف السياسية التي كانت تمر بها المنطقة .

خامساً : قام بتدريس العشرات من أعلام المنطقة في حوزته العلمية التي كان عمد الأساس فيها في منطقة الهفوف ، والتي اتخذت من محلة الفوارس مقراً لها ، فوق آثار حوزة ” البوخميس ” أبرز الحوزات العلمية قبل الشيخ البوخمسين ، والتي يعتقد أن الشيخ أحمد الأحسائي أحد أساتذتها .

فكان لهذه الحوزة البوخمسينية أعمق الأثر في تحريك الرياح الفكرية في الأحساء ، والتي ضمت طلبة من مختلف أرجاء البلاد للتتلمذ على علمها البارز .

مؤلفاته :

صنف الشيخ مجموعة كبيرة من المؤلفات كان معظمها في المجال الكلامي والعقدي الذي كان سمة عامة للحراك العلمي بمنطقة الأحساء في عصره ، والمجال الذي صبت فيه غالب ما كتب في تلك المرحلة ، أما أبرز مؤلفاته فهي :

1 ـ مفاتيح الأنوار ومصابيح الأسرار[15] .

2 ـ نجاة الهالكين في بيان حصر العلل الأربع في الحقيقة المحمدية .

3 ـ مقرح القلوب ومهيج الدمع المسكوب ويسمى بـ ” الفخري “[16] .

4- المنهاج بِدُرة الإبتهاج في بيان معرفة المعراج ، بحث عقائدي [17].

5- رسالة في تفسير آية الوالدين  ” وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالولدين إحسانا ” .

6- رسالة في تفسير آية ” والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا” .

7- هدية المسترشدين في بيان معرفة صحة ورود النصوص النورانية عن الأئمة الطاهرين ، وهو شرح حديث زرارة : ” العبودية جوهرة كنهها الربوبية …” [18].

8- النور المضي في معرفة الكنز الخفي .بحث عقائدي . شرح حديث ” كنت كنزاً مخفيا …”.

9- الرسالة الخراسانية في شرح ” من عرف نفسه فقد عرف ربه ” [19].

10- منار العارفين في أصول الدين .

11- رسالة في كليات العوالم في الحكمة .

12- مُزيل الأغيار عن الأبصار [20].

 

مكتبته الفقهية :

خلف الشيخ محمد آل أبي خمسين إضافة إلى تراثه العقدي مكتبة فقهية باسقة تجل خلالها باعه الفقهي وطول يده في التعامل مع الأبواب الفقهية ، وقوة ملكته ، هذا الجانب المجهول من شخصية الشيخ البوخمسين والذي يعد أحد أبرز رموز الفقاهة في منطقة الأحساء وأقطابها ، فقد كان ملماً بمختلف الآراء الفقهية حتى الشاذ منها ، كما أنه يجيد فن النقض والإبرام بطرق ووسائل وآليات فقهية متعددة .

والمكتبة الفقهية للشيخ محمد متنوعة بين كتب المسائل الفقهية التي كتبها من أجل عوام الناس من مقلدية للعمل وفقها ، وبين الكتب المعمقة المتخصصة لأهل الفن في الفقه الاستدلالي ، أما أهم كتب مكتبته الفقهية فهي كما يلي :

رسالته العملية :

1- مصباح العابدين وهداية المقتدين  ( رسالة عملية صغيرة ) :

وهي مؤلفة من جزء واحد يقع في 271صفحة من القطع المتوسط ، وقد فرغ من تأليفها بتاريخ 23 جمادى الأولى لسنة 1303هـ ، وهي مكتوبة بأكثر من لون من الخطوط ، كما أنها لا تخلو من تهميشات متناثرة هنا وهناك ، وهي منسوخة بخط كاتب الشيخ البوخمسين السيد هاشم بن السيد خليفه بن السيد حسن الموسوي بتاريخ 3 رجب من العام نفسه [21]وهي بخط واضح وجميل .

كتبها لتكون اختصار من رسالته الكبيرة ” منار العارفين ” فقد جاء في مقدمتها ” فقد التمس مني بعض الأخوان وجملة من الخلان مدَّة من الزمن أن اختصر لهم كتاب الصلاة من رسالتنا الموسومة ” بمنار العارفين ” ليسهل عليهم التناول منها فيعم نفعها لهم ولغيرهم اختصار غير مخل وإطناباً غير ممل مقصراً على مجرد الفتوى بدون تعرض لذكر الخلاف والدليل إذ طبع أغلب العوام إلى ذلك لا يميل ..”[22] ، أما خاتمتها فيقول فيها : ” هذا آخر ما تهيأ للـ .. ،المقرّ بالقصور والتقصير تنميقه وتأليفه ، ووفقت لجمعه وترتيبه في هذه الرسالة المختصرة ، من رسالتنا المبسوطة الموسومة بمنار العارفين .. ” [23].

2- نخبة الأبرار ( رسالة عملية متوسطة ) :

وهي رسالة عملية متوسطة ، أوسع من السابقة ، كتبها بطلب من وكيله في الكويت الشيخ محمد بن حسين الصحاف الذي أرسله لقيادة مقلديه هناك ، فكتب بمناسبة صدر الرسالة قصيدة قال في مطلعها [24]:

صدرت رسالة ” نخبة الأبرار “   تزهو بنشر العلم في الأقطار
وردت ففاح على البرايا نشرها   بشذا نسيم أريجها المعطار
نشرت على ورق النضّار فأسفرت   بتبلج كالصبح في الإسفار
يا حي طلعتها البهية إذ بدت   مثل الشموس وزينة الأقمار
بزغت في فلك القلوب فأبصرت   منها القلوب مطلع الأنوار

فكان لهذه الرسالة رواج في الكويت ، ولم نستطع الحصول على نسخة منها للإطلاع عليها وعن تاريخ كتابتها .

3- منار العارفين وبغية العابدين في ما أوجبه رب العالمين على المكلفين إلى يوم الدين  (رسالة عملية كبيرة ) :

– توصيف الرسالة :

تقع الرسالة العملية في 319 صفحة ، والنسخة المتوفرة منها غير مكتملة ، وهي مبدوءة  بمقدمة عقائدية طويلة أفتتح بقوله : ” الحمد الله حمده كما يستحقه لعز جلاله ومجده حمد الأبدية لعده ولا نهاية لحده ، بحيث لا يليق إلا لجلال قدسه وحده حيث أوجدنا بمنه ولم نكن شيئاً مذكورا “… إلى أن يقول : ” فقد حملني جملة من الأخوان وعدة من الخلان الأصفياء مدة طويلة من الزمان .. أن أكتب لهم رسالة محتوية على واجبات أصول الإيمان وبعض لوازمها بحسب الإمكان اللائق ذكره في هذا العنوان مع ما تحتاج إليه من الدليل الإجمالي والبرهان بقدر وسع العوام الواجبة عيناً على الأعيان ..”[25] .

يشرع بعدها في العبادات ص ( 165 ) من باب الطهارة ، والنجاسات ، ثم يدخل في باب الصلاة حيث يبين أحكام الوضوء الذي به تنتهي الرسالة الناقصة ، ومن خلال النسخة يظهر إنه هناك بقية مفقودة غير معروف مصيرها ، وهي مكتوبة بخط واضح وجميل من القياس الوزيري من دون ذكر اسم الناسخ ، ولا تاريخ النسخ .

منهجه في الرسالة :

منهج الشيخ محمد أبو خمسين في رسالته لا يختلف عن نهج القدماء وأعلام عصره في رسائلهم العملية من حيث الأمور التالية :

– أتباع المنهج الاستدلالي في بعض المسائل ، وإيراد آراء العديد من الفقهاء والعلماء وخصوصاً  المتقدمين منهم مع بعض المتأخرين كالشيخ الأحسائي في الحيدرية .

– تطعيم الرسالة بالعديد من الآيات القرآنية الروايات بما يخدم المنهج الاستدلالي البسيط .

– الاستطراد في بعض المسائل بما يخدم الرسالة العملية من توضيح المصطلحات وتبين علل السنن والأحكام ، أو الأبعاد الأخلاقية في العديد من الأحكام الشرعية .

– كتبت الرسالة بلغة علمية بحته ، مما يعني وجود صعوبة في فهم الأحكام لدى المكلف الذي لا يحسن اللغة الفقهية عند العلماء ، الأمر الذي يعطي مؤشر إن الكتاب صنف ليكون فوق الرسالة العملية ، ودون الفقه الاستدلالي المعمق .

– يظهر إن المصنف كتبه بعد رسالته الإستدلالية ” منار العباد في شرح الإرشاد ” بقرينة أنه يشير فيها إلى الكتاب المذكور ، وإنه من أراد التفصيل عليه الرجوع إلى مضانه من شرح الإرشاد ، حيث بين المسائل بما لا مزيد عليه .

الفقه الاستدلالي :

المعروف من كتب الشيخ البوخمسين في الفقه الإستدلالي كتابين ، أحدهما موجود ولكن مفقود بعضه ، والآخر مفقود تماماً سوى ما ذكره الطهراني عنه في ذريعته ، والفقه الإستدلالي للشيخ ينم عن ملكة قوية ، واطلاع واسع على الكتب الفقهية وخلافاتها وطرق استدلالها وهي كما يلي :

1- منار العباد في شرح الإرشاد :

والكتاب يقع في مجلدين أو ثلاثة ، الموجود منه المجلد الثاني ، أما المجلد الأول فهو مفقود ، ويقع المجلد الثاني في ( 324 ) صفحة ، من الحجم المتوسط ، وهي مكتوبة بخط واضح وجميل ، وتمتاز بوجود حواشي لفقيه غير معروف على بعض نقاط الكتاب .

وقد افتتحها الشيخ بقوله : ” هذا المجلد الثاني من كتاب منار العباد في شرح الإرشاد من مصنفات أقل العباد وأصغر أهل بسم الله الرحمن الرحيم …محمد بن حسين إني أحب أن أذكر قبل الشروع في كتاب الصلاة مقدمة لبيان فضلها على جميع الأعمال “[26] .

وهي ناقصة في النهاية بل لا يبعد وجود جزء ثالث مفقود أيضاً إذ يقول في نهاية الجزء : ” هذا آخر ما أردنا بيانه في هذه المقدمة ونهاية ما أمرنا بإبرازه فيها فنشرع الآن بحول الله وقوته في شرح كتاب الصلاة ، فنقول أما الأول فقد بينا سابقاً في كتاب الطهارة …”[27] ، ثم يبتر الحديث مع تعريف الصلاة ، الأمر الذي يشير إلى وجود جزء ثالث مفقود حول كتاب الصلاة ، أو أن المصنف عقد العزم على شرح كتاب الصلاة ، ولكن لم يوفق لإكماله .  إلا أن كون الكتاب ليس فيها تاريخ النسخ ولا الناسخ ، قد يشير إلى وجود الجزء الثالث المفقود .

ذكره الآغا بزرك الطهراني في الذريعة ، فقال فيه : ” الإرشاد في الفقه للشيخ محمد بن الحسين المدعو بأبي خمسين الأحسائي ، المتوفى في ذي القعدة سنة 1316هـ ، عن عمر ذرف على المائة ، يوجد عند العلامة السيد ناصر بن السيد هاشم الأحسائي ، والظاهر أنه شرح على إرشاد الأذهان في الفقه للعلامة الحلي “[28] .

أما المصنف فقد وصف كتابه وما يحويه من دقة وعمق ومتانة علمية بقوله :” وإن أردت الإطلاع على تحرير شافي سمين وكلام واضح متين وتحقيق عالي أبسط وأبلغ من هذا التبيين وأجلى وأظهر من هذا التدوين أطلب كتابنا منار العباد في شرح الإرشاد فإنك ترى فيه بحث المراد تدقيقاً ينعش الفؤاد وتبييناً يحي ميت البلاد بنحو لم تذكره أصحابنا الأمجاد ذلك من فضل الجواد الفياض على قوابل العباد على قدر القابلية والاستعداد ” [29].

2- شرح التبصرة للعلامة الحلي :

النسخة من الكتاب مفقودة ، ولكن ذكره الآغا بزرك الطهراني ، في الذريعة أنه من بين مصنفات الشيخ التي اطلع عليها قال : ” إن له شرحاً على تبصرة الحلي “[30] .

 

الخصائص الفقهية للشيخ البوخمسين :

لكل فقيه منهجه ومبانية الفقهية التي يسير عليها ويتميز مسلكه الفقهي بها ، وهذا يتراوح بين الشدة واللين ، وبين العمق والبساطة ، فالفقيه كلما زادت مكنته الفقهية عمقاً ودقةً وتعامله مع مصادر الإستنباط ، قويت لديه الملكة ، والقدرة العلمية ، وهذا منشأ التراوح بين الفقهاء والعلماء وإلى مثل هذه العوامل يرجع الإفتراق بين علية القوم وصغارهم ، و يندرج تحتها تركيز العبارة وشموليتها لمختلف الأدلة التي درج عليها العلماء في كتبهم العلمية .

والشيخ محمد أبو خمسين هو واحد من أولئك الفقهاء العظام التي دلت لغته الفقهية عليه ، فهو بالرغم من شهرته الحكمية وارتباطه بالفلسفة ومدرسة الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ( ت 1241هـ ) الكلامية ، فإنه عندما يخوض في الفقه ويغوص في عبابه تجده شخصاً آخر لا يتكلم إلا بتلك النبرة الفقهية المتينة بما تحمله من ألفاظ وعبارات علمية جادة ورصينة ، وهذا جانب من شخصيته قد غمطه جميع من ترجمه ، ونحن وإن لم نؤده حقه فإننا نشير إلى هذا العلم كفقيه ورمز من رموز العلم الذين همش البعد العلمي من شخصيتهم ، حتى تلاشى ، وسنحاول أن نستعرض بعض الجوانب من خصائص منهجه الفقهي ، لتسليط الضوء على هذا الجانب من حياته :

أولاً : امتلاك اللغة الفقهية الرصينة :

ليست العلوم جميعها تكتب على وتيرة ولغة واحدة ، فلكل علم لغته الخاصة ، التي لا يدرك أبعادها إلى أهل الفن من كل علم فلغة الفلسفة غير لغة الأصول ، ولغة الفقه تختلف عن لغة المنطق وليست الأخلاق كالعرفان ، فلكل علم سماته وخصائصه التي تفرزه عن غيره وتجعل له نكهته المميزة.

والفقه كمنهج وعلم عرف عند الفقهاء بلغة رصينة لا يمتلكها إلا من أمتلك ناصية الفقه واللغة الفقهية واستطاع أن يدير دفتها ، والشيخ محمد آل أبي خمسين كان واحداً من أولائك الفقهاء المتمرسين في الفقه ولغته ، وكتبه الفقهية مشبعة بالشواهد على ملكته وذائقته الفقهية .

ففي مسألة أكل لحم الحيوان الجلال الذي لم يستبراء يقول : ” ولو كان تحريم أكل لحمه لعارض كالجلال قبل الأستبراء وموطؤ الإنسان وشارب لبن الخنزير المنبت للحم والمشد للعظم وقول أبن الجنيد بطهارة بول الصبي الغير المتغذي باللحم ضعيف لضعف مستنده وشذوذه ، وفي رجيع الطير المحرم قولان أشهرهما النجاسة ، وأظهرهما الطهارة للأصل ، وإطلاق النص الشامل المحلل وغيره”[31].

وفي نص آخر حول لو دخل بدنه دماً نجساً فيقول : ”  وكذا لو دخل تحت بدنه دماً نجساً فإنه يجب عليه الإخراج مع أمن الضرر لا مع ظنه ، وقيل بعدم الوجوب لأن محكم الكتاب والسنة نطقا بعدم جواز التكليف به ، ومن هنا يظهر عدم وجوب القيء على شارب الخمر وأكل الميتة ، ولكن الأقرب الوجوب لأن كلاً من الأكل والشرب محرم ، فاستدامته كذلك ، وفي بطلان صلواته لو أخل به مع الإمكان وعدمه قولان أظهرهما الثاني وأحوطهما الأول ” [32].

ففي النصين يتبين مدى تركيز العبارات ودقتها ، كما يظهر وجود ميل في عباراته إلى تكثيف النص ، وقوة في السبك . فمن خلال النصين يتضح أنه يمتلك قدرة على التفريع والتقسيم في المسألة الواحدة ، بما يتناسب مكانته الفقهية والعلمية .

ولعل من أبرز سمات الذائقة والملكة الفقهية القوية هي القدرة على التنوع في الإستدلال ، ومقارعة المخالف في رأيه بالمداخل الفقهية المختلفة ، وقد  استخدم الشيخ البوخمسين في مقطعين صغيرين سبل عدة للنقض على غيره ، منها ضعف المستند ، الشذوذ ، الأصل ، الإطلاق ، الكتاب والسنة ، الإحتياط ، وهذا النوع من الاستدلال في العادة مؤشر قوي على وجود رزانة في العبارة وقوة على سبك العبارات وتنسيقها ، وملكة جيدة في استعمال آليات الفقه .

ثانياً : استحضار آراء القدماء والمتأخرين من العلماء :

من الملامح البارزة في الكتابة الفقهية للشيخ محمد آل أبي خمسين هو الذهنية الإستحضارية للآراء الفقهية المختلفة في الكثير من المسائل ، بمختلف طبقاتهم الفقهية والعلمية ، سواء من القدماء أو  المتأخرين .

فقد أورد آراء ابن أبي عقيل وابن الجنيد يقول ” بخلاف ابن الجنيد وابن أبي عقيل حيث ذهبا إلى طهارة سؤر الكتابي ” [33].

كما أورد آراء الصدوق والمرتضى وابن أبي عقيل في مسألة ماء الورد وإزالته الحدثية والخبثية ونقض آراءهم فقال : ” وهو في ذاته طاهر لا طهور فلا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً ، وأن اضطر إلى الطهارة معه تيمم ، خلافاً للصدوق والمرتضى وابن أبي عقيل حيث أجاز الأول الحدثية بماء الورد إستاداً إلى رواية محمد بن عيسى عن يونس ، وقد ردها الأصحاب ، وحملوها على التضعيف جمعاً ، والثاني الخبثية مطلقاً بماء الورد وغيره مع الضرورة وغيرها ، والثالث معها لا غير استناداً إلى إطلاق وثيابك فطهر ، وضعف وجه الإستناد غير خفي على الأستاد …” [34].

كما ضعف رأي الشيخ الأحسائي في الحيدرية فقال ” وبالجملة فالنار تطهر ما أحالته رماداً أو دخاناً أو فحماً أجماعاً واستشكال بعض الأفاضل كشيخ الحيدرية في الأخيرين ليس في محله إذ ملاحظات الحكمية غالباً لا دخل لها في الأحكام .. “[35] .

وفي موقع آخر أورد رأيه ورأي السيد الرشتي كاظم في الزبيب : ” وكذا عن الزبيب في الامراق والطبيخ والحشو به الدجاج إذا لم يغل ، وأن كان الاجتناب أحوط خروجاً عن مخالفة المحرومين من الأصحاب لا سيما شيخنا شيخ أولي الألباب ، وسيدنا عنصر الأطياب ” [36].

والشيء الملفت أن الشيخ البوخمسين يورد كثيراً رأي الشيخ أحمد الأحسائي ، وهو في الغالب لا يتفق معه في الرأي الفقهي [37]، وهذا يبين إنه وإن كان ينتمي إلى مدرسته الكلامية ، فإنه له شخصيته الفقهية ، التي تفرده عن غيره من الأعلام في المنطقة .

وأتى برأي ابن أدريس في كلب البحر ، فقال ” خلافاً لأبن أدريس حيث ذهب إلى نجاسة كلب الماء لصدق الاسم عليه ولا يخفى إن أطلاقه يرجع إلى ما هو المتبادر الشايع والفرد الأغلب لا إلى العكس مع أنه شاذ لا عبرة به “[38] .

ونراه في مكان آخر يرصد آراء مجموعة من الفقهاء حول مسألة واحدة وهو خروج الريح لمن كان مخرجان فقال : ” فإن صار خروج الحدث منه معتادا فقد ساواه لأنهما مخرجان طبيعيان قد أنعم الله بهما عليه على ما هو المشهور ، وإن لم يكن الخروج منه كذلك فكذلك عند بعض وهو منقول عن أبن أدريس ومن تبعه وعليه شيخ الحيدرية والصراط المستقيم ، وعند شيخي المبسوط والخلاف بشرط أن يكون من تحت المعدة لأن ما يخرج من فوقها غير غايط وضعفه غير خفي ،إذ بعد هضمها الطعام وانتزاع صفوته يبقى ثقله فيها فكيف خرج تناوله الاسم والاعتبار في تسميته بالمخرج وعند شيخ الحدائق الناظرة والرسالة اليوسفية عدم المساواة …” [39].

ونجده يورد بعض آراء ابن الجنيد والسيد علم الهدى المرتضى الشاذة ويردها [40]، وفي موقع آخر يأتي برأي العلامة الحلي والشيخ الأحسائي ويردهما في نية المندوب فيقول : ” فظاهر المعظم الصحة إذ نية المندوب تدخل تحت نية الوجوب ولهم الأصل وإطلاق النص ، والمحكي عن علامة التذكرة البطلان ، وعليه شيخ الحيدرية ، وما عليه المشهور هو المذهب المنصور ، وإن كان إحضارها عند غسل الوجه أولى ..”[41] .

أما في كتابة الكبير ” منار العباد في شرح الإرشاد ” فالشيخ يكشف عن اطلاع واسع على الآراء الفقهية ، وشدة ملازمته لهذه الكتب : منها في السجود على الورق المكتوب عليه فيقول ضمن استدلاله : ” يعني يجوز السجود عليه وإن كان مكتوباً لوجود بقاء ما يكفي السجود عليه في خلال الكتابة ،وبعضهم لم يعتبر ذلك بناء على كون المدار عرضاً غير صالح للحيلولة بين الجبهة وجوهر القرطاس وضعفه واضح كما لا يخفى ، ولكن يكره ذلك لصحيحة جميل وهل الكراهة مختصة في حق القاري إذا رآها أو في حق من يراها وإن لم يكن قارياً أو يعيها وغيرهما ، فيكره ولو في حق الأعمى ومن في الظلمة أقوال : الأول هو المحكي عن المبسوط والوسيلة والسرائر والبيان والدروس وغيرها وإليه ميل سيد المطالع ، والثاني المحكي عن ظاهر المصنف – العلامة الحلي – في المنتهى ونهاية الأحكام والمحقق الثاني في جامع المقاصد وحاشية الشرائع ، وهذا الكتاب – الإرشاد – ، والثالث هو المحكي عن ظاهر النهاية والمهذب لابن البراج والتحرير والقواعد للمصنف ، وعليه ظاهر الشرائع وصريح المدارك والمستند في الإطلاق – إطلاق المستند – إذ قوله كره أن يسجد على قرطاس وعليه كتابه يعم القاري وغيره في الضياء والظلمة ، والتقييد بالقاري المبصر يدفعه إطلاق النص لانتفاء المقيد ، ويمكن أن يقال إن صحيحة جميل التي هي المرجع في الكراهة ليست حكايلة لفعله حتى يتمسك بالإطلاق بل الظاهر إنه حكاية لفعله عليه السلام ..” [42].

ولو تتبعنا النصوص التي بمثل هذا التفصيل من التقصي والتتبع لآراء العلماء ، لوجدنا الكثير منها في طيات الكتاب ، ولكنها تخرجنا عن مسار البحث الذي يهدف طرح النماذج ، وإيضاح الفكرة .

وأبرز ما يميز هذا النص هو القدرة على فهم مراد العلماء في كتبهم ، والمنهجية العلمية في التفكير وفرز الأقوال المتباينة وإن تشابهت للوهلة الأولى .

والجدير بالذكر ، ولعله من أهم ما يميز كتابة الشيخ البوخمسين الفقهية عن غيره من الأعلام أنه أولى اهتماماً بالرموز الفقهية من الأحساء والقطيف منهجه الاستدلالي عبر عرض آراءهم ومناقشتها ، وهو أمر لم يدرج عليه الأعلام في كتبهم الاستدلالية ، حيث جرت السيرة الفقهية عند أعلامنا على ذكر مجموعة محددة من الفقهاء القدماء والمتأخرين ومناقشة آراءهم واختلافاتهم في المسائل ، دون الإتيان على أحد من هذه المنطقة التي أنجبت عشرات الفقهاء الكبار .

أما الأعلام الفقهية الذين ورد ذكر آراءهم إما في متن كتاب ” منار العباد في شرح الإرشاد ” أو الحاشية هم الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ( ت 1241هـ ) ، والشيخ عبد المحسن بن محمد اللويمي ( ت 1245هـ ) ، والشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار القطيفي ( ت 1252هـ ) ، والرابط الواضح بين هؤلاء الأعلام أن كل منهم وجدت له مكانة ومرجعية محلية قوية في الأحساء.

وهو يذكرهم بعدة طرق ، تارة بعبارة الهجريان ويقصد الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ( ت 1241هـ ) والشيخ عبد المحسن ين محمد اللويمي ( ت 1245هـ ) ، فمثلاً يقول : ” ومال إليه الهجريان في رسالتيهما ” [43]، وقد نجد قوله ” والحبر الهجري وشيخنا في الحيدرية “[44] أو يذكر مجموعة من المتأخرين فيقول المحشي” منهم الهجريان “[45] ، وقد يجتمع الثلاثة فيقول ” والحيدرية وعليه الفاضل الخطي واللويمي في صلاتيهما “[46] ، أو ” كما عليه الهجريان و الخطي “[47] أو ” والهجريان والفاضلان الخطي والرشتي “[48] .

وأخرى يورد رأي الشيخ الأحسائي لوحده ، وهو كثير في الكتاب وفي الغالب من قبل المحشي الغير معروف فيقول ” ومنهم شيخنا في الحيدرية “[49] ، أو ” وفي الحيدرية “[50] ، ” وعليه شيخ الحيدرية “[51] أو ” واستجوده شيخ الحيدرية “[52] أو ” والحبر الرباني الشيخ أحمد الهجري “[53] .

وكذلك رأي الشيخ اللويمي مستقلاً فيقول ، ” الفاضل الهجري “[54] أو ” ومنهم الفاضل اللويمي “[55] ، أو ، ” والفاضل الهجري اللويمي “[56] ، أو يقول ” والعلامة الهجري “[57] ، وقد يجتمع هو والخطي فيقول  ” والمحقق الهجري والخطي “[58] ، أو ” والحبر الهجري والعلامة الخطي “[59] .

أما الشيخ آل عبد الجبار فإنه لا يوصفه باسمه وإنما دائماً يقول : أما ” الفاضل الخطي “[60] ، أو ” وقد حكي الفاضل الخطي “[61] وتارة يقول ” والعالم القدسي الرئيس الخطي “[62] ، وقد يجمع الشيخ الأحسائي والخطي فيقول ” وشيخ الحيدرية ، والفاضل الخطي “[63] .

فالنصوص المتعددة السابقة تكشف عن جودة تحصيل الشيخ البوخمسين في مسائل العلوم الفقهية ، وإلمامه الواسع بمختلف الآراء العلمية المشهور منها والشاذ ، وهذا لا يتأتى إلا لمن يملك حافظة قوية تسعفه على استحضار الآراء وإيرادها ، وقبل كل ذلك عرض مثل هذا الكم من الأقوال الفقهية يكشف عن وجود مكتبة فقهية واسعة في منطقة نائية عن المراكز العلمية الكبيرة كالأحساء لدى الشيخ محمد آل أبي خمسين كانت هي الزاد في تكوين معالم شخصيته الفقهية ، بقدر ما  تبين المعالم الفقهية لمكتبة الشيخ التي فقد معظم هذه المصادر من مكتبته اليوم عند ذريته .

أما إذا لم تحضر الشيخ المصادر ولم يتقصى المعلومة من مصادرها الأصلية ، فإنه ينسبها إلى قائلها ولا يدعيها لنفسه ، حفاظاً على الأمانة العلمية في نسبة المعلومة لقائلها وعدم سرقة جهود الآخرين من البحث والتحقيق ، وتفادياً للكذب أو الاشتباه على فرض مجانبة المعلومة أو المقولة للصواب ، فنراه يقول في بعض المسائل : ” وهو ظاهر جماعة منهم شهيد البيان ، والروض ، والمولى الأردبيلي في شرح الإرشاد على ما حكاه عنهم شيخ اليوسفية ” [64].

ثالثاً : بيان علل الأحكام :

درجت الروايات في كثير من الأحكام الفقهية إلى بيان الحكمة الإلهية ، ومقاصد الشريعة فيها ، وهذا من الأمور التي ترغب المكلفين في الحفاظ على تطبيق الشريعة ، وأن الأحكام إنما تصدر من لدن عزيز حكيم له في كل حكم علة خفية قد ندركها من خلال الروايات ، أو يكتشفها العلم ويحققها على المدى البعيد ، وقد عني العلماء منذ القدم بمثل هذه الكتابات ، فكان منها الكتاب الشهير ” علل الشرائع ” للشيخ الصدوق .

والشيخ محمد آل أبي خمسين أولى هذا الجانب شطراً من كتابه الفقهي ” منار العارفين ” الذي استطرد فيه عن علل الأحكام ومقاصد الشريعة كلما سنحت له الفرصة بما يتناسب مع حجم الكتاب ، لما فيها من تحبيب للناس العمل بالأوامر الإلهية ، وزيادة الحرص بتطبيق الأحكام .

ففي حرمة استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل وعلة تحريمها في الشريعة يقول : ” ويحرم استعمال أواني الفضة والذهب في الأكل والشرب إجماعاً ، للنهي النبوي وغيره ، لأن فيه إرادة العلو ، والسرف ، وطلب الرياسة المهلكة ، وكسر قلوب الفقراء ” ، ثم يدعم قوله بالنص الشرعي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : ” إنما يجرجر في جوفه نار جهنم “[65] .

وفي سنية السواك ، ومن الأعمال المستحبة يستند في تأكيد مثل هذا العمل بالنص والعقل ، : ” عن الصادق وأبيه ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك ” فقد نزل جبرائيل به ووصى به الرسول صلى الله عليه وآله ، ، وهو من الحنفية ، وعن الصادق عليه السلام : ” فيه أثني عشر خصلة ، هي من السنة ، ومطهر للفم ، ومجل للبصر ، ويرضي الرحمن ، ويبيض الأسنان ، ويذهب بـ ( الحفر ) وهي صفرة تعلوا الأسنان وتأكلها ، ويشد اللثة ، ويشهي الطعام ، ويذهب بالبلغم ، ويزيد في الحفظ ، ويضاعف الحسنات ، ويفرح الملائكة ، ويزيد في العقل والفصاحة ” [66].

رابعاً : تعريف الأبواب والمسائل الفقهية :

ميزة واضحة ، ومسحة عامة على كتاب ” منار العارفين ” أن الشيخ البوخمسين لا يشرع في أي باب فقهي أو حتى عنوان فقهي مختلف ، إلا ويبدأ في بيان مصطلح العلم ، ومن ثم ينطلق في مسائله المختلفة طبقاً لذلك العنوان العام ، وهي ميزة جميلة ومهمة في منهج الشيخ محمد الفقهي ،  ولو أتينا إلى طبيعة هذه التعاريف التي تناولها في كتابته الفقهية لرأينا أن معظمها يمتاز بالدقة ، والشمولية في بيان المصطلح ، ولكي تتضح معالم طبيعة المصطلح في فكر الشيخ محمد آل أبي خمسين نقسم التعاريف لديه إلى ما يلي :

التعريف البسيط :

وهي مجموعة من التعاريف التي يكتفي بالمعنى اللغوي أو الاصطلاحي ، دون الولوج في تشعبات التعريف :

الطهارة : لغة : النزاهة من الرجس والنظافة من الكثافات والخبائث .

الماء الطهور : هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره [67].

التعريف التفصيلي :

وهي مجموعة التعاريف التي بينها لغة واصطلاحاً ، وهي تمتاز بشيء من الدقة في العبارة وتفريع في الاصطلاح :

الصلاة : لغة : الدعاء ، قال تعالى لرسوله : ” وصلى عليهم إن صلاتك سكن لهم ” و ” ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ” .

وشرعاً : أفعال معهودة مفتتحة بالتكبير مشترطة بالقبلة مختتمة بالتسليم للقربة ، وهي واجبة عيناً على كل كامل خال من الدَّمين نصاً وإجماعاً [68].

سؤر الحيوان : لغة : هو بقية وفضلة . وشرعاً : سؤر وهو تابع لمباشره في النجاسة والكراهة وغيرها من الطهارة أو استحباب الاستشفاء كسؤر المؤمن [69].

النية : لغة : مطلق العزم والإرادة على الفعل المعين . وشرعاً : مطلق القصد البسيط الداعي الباعث إلى إيقاع عبادة مخصوصة معينة بعد الحضور القلبي المسمى عند الحكماء المشيئة ، فإن النية عندهم هي الإرادة التي هي العزيمة على ما شاء واستدامتها إلى الفراغ [70].

الحيض : لغة : مصدر حاض الوادي أي سال ، وأما بحسب الاصطلاح : فهو دم يكون في الأغلب حاراً عبيطاً أسود أو أحمر يقذفه الرحم بدفع وحرقة وخلافه ، وربما تخلف عنه بعض الأوصاف أو أكثرها أو كلها نادراً بعد أن تبلغ المرأة تسعاً ، إذ لا حيض مع الصغر ، وهو ما نقص عنها ، ولقليه حد ثلاثة أيام ، .. ولا كثرة كذلك وهو عشرة أيام [71].

وهو في هذا التعريف لا يختلف كثيراً عن تعريف الفقهاء للحيض والحدود التي رسموها له سوى أنه حاول أن يستقصي جميع جوانب التعريف لمن الدخل فيه .

الإستحاضة : لغة : فهي استفعال من الحيض ، وفي الصحاح عن الجوهري : ” أنه يقال للمرأة إذا استمر بها الدم بعد أيامها استحيضت بالباء للمفعول على وزن استقيمت لا استحاضت بالباء للفاعل على وزن استقامت ، فهي تستحاض لا تستحيض ، ومقتضى ذلك أنه لم يسمع أن المادة مبنية لغير المفعول ، ولكن اشتقاقها منه مبني على الغالب .

هنا يتناهى إلينا الدقة التي يمتلكها الشيخ البوخمسين في الجانب اللغوي ، والاشتقاقات الصرفية للألفاظ .

وفي الأصطلاح : فهو الدم الأصفر البارد الرقيق الخارج من الرحم بتثاقل وفتور من غير دفع في الأغلب [72].

هذه النماذج من التعاريف بينت ما للشيخ من قدرة على تحديد المسائل وحدودها الفقهية من حيث الاصطلاح ، كما بينت تضلعه في اللغة ، وانه يمتلك رأياً ودقة خاصة ما شاهدناه في تعريف الإستحاضة .

خامساً : الدقة في الاستدلال وتفريع المسائل :

كثيرة مواضع الإشارات العلمية والدقة الفقهية التي توجد في طيات الكتب الفقهية للشيخ البوخمسين ، فهو يمتاز بعقلية ممنهجة ومنظمة ، ولعل أبرزها طريقة تقسيمه الرسالة ودخوله في المسائل الفقهية المختلفة ، فقد قسمها إلى أكثر من مشكاة فكانت الأولى في أصول الدين ، والمشكاة الثانية في الصلاة ، والمشكاة إلى مصابيح ، وكلٍ منها له أنوار أو ضياء ، وكل ضياء إلى لمعات[73] . ليكون المسائل على شكل هرمي جميل .

وقد ضمت كتبه الكثير من المسائل الدقيقة ، في الأبواب الفقهية المختلفة ، ومنها على سبيل المثال عندما أراد أن يحدد الكر وسعته ، فإنه يورده بمناهج وطرق متعددة بما لا يجعل مجال للشيخ وعدم وضوح المسألة : ” وفي قدره – الكر – بحسب المساحة أقوال أظهرها ما بلغ كل من طوله وعرضه وعمقه ثلاثة أشبار من مستوى الخلقة ، وأحوطها اعتبار المشهور فيبلغ تكسيره على  المختار سبعة وعشرين شبراً ،وعلى المشهور ثلاثة وأربعين شبراً إلا ثمن ، وبحسب الوزن أيضاً أقوال المختار منها ما هم عليه وهو ألف ومئتا رطل بالعراقي ، وهو مائة وثلاثون درهماً شرعياً ، وبالمثاقيل الشرعية أحدى وتسعون مثقالاً ، وبالصيرفية ثمانية وستون مثقالاً وربع ، والصاع تسعة أرطال وثلاثة مثاقيل إلا ربع صيرفية ، فوزنه صيعاناً مائة وثلاثة وثلاثون صاعاً وثلث صاع ، ووزنه ريالا ماية فرنسية وريالان ونصف يبلغ المجموع ثلاثة عشر ألف ريال وستمائة وستين ريالاً إلا سدساً ، وزنه ستة مثاقيل صيرفية هي ثمانية دنانير شرعية وتسمى في هذه الأيام مشاخصة يبلغ المجموع أثنان وثمانون ألف مثقال إلا خمسة مثاقيل ، وبالمعيار الأحسائي ثمانية وثلاثون قياسة وثمنها ، وخمسة مثاقيل على جعل ربعها تسعين ريالاً ، وبالعراقي أثنا عشر وزنة وأربع حقق ونصف على جعل ربعها ست حقق  والحقة أربع أواق ، والأوقية سبعون مثقالاً صيرفياً فتدبر ” [74].

ففي هذا النص الطويل أهم ما يميزه أنه أدخل الموازين المحلية المستخدمة في منطقة الأحساء ” القياسة ” أو ” الجياسة ” ، إضافة إلى الموازين المعتمدة في العراق وغيرها ، وتكمن أهمة ذلك أن المجتمع المحلي قد لا يدرك مقدار الموازين العراقية فيخطئ في التقدير ، كما أنه كشف عن دقة واطلاع بالرياضيات والموازين المختلفة ومقدار كل واحدة منها ، الأمر الذي لا نجده كثيراً في الكتب الفقهية المتداولة.

ومن أروع البحوث الإستدلالية للشيخ البوخمسين والتي تشتمل على دقة ، وقدرة على منهجة المسائل وتقسيمها بشكل علمي ودقيق ، هي مسألة ” الشبهة المحصورة ” حيث : ” فنقول وبالله الثقة والمأمول أن الإشتباه إما في نفس الحكم الشرعي كشرب التتن ، وأكل ما يوجد في جوف السمكة ونحوهما ، أو في موضوعه ، أما الأول فقد اضطربت آراء الأصحاب من المجتهدين والمحدثين فيه فالأولون حكموا فيه بأصالة الإباحة ، والثانيون اختلفوا على أقوال عديدة الحرمة ظاهراً  والحرمة باطناً ، والتوقف في حكمه والتجنب عن استعماله بحكم الوقف عنه ، والمبيحون منهم من أباحه احتياطاً بالإباحة العقلية ، ومنهم من أباحه بالإباحة الشرعية ، ومنهم بالإباحة عند الضرورة كالمداراة ، ولهم عليه عمومات ، والمحرومون منهم من حرمه عقلاً للحرمة الأصلية ودليلهم معروف ، ومنهم من حرمه من باب الإسراف ، ومنهم من حرمه من باب البدعة في الموضوع تعميماً لها ، ولهم نصوص ، ومنهم من حرمه من باب الضرر ولهم التجربة بخصوصه ، ومنهم من حرمه من باب الإنكار ، ولهم شواهد في غير المعتاد إذ لا يحصل به الاعتياد ، ومنهم من حرمه من باب الشبهة ، ومنهم من حرمه من باب الخباثة ، ومنهم من حرمه من باب الإلهاء ، ولهم على إثبات مطلوبهم أدلة كثيرة وليس المقام مقام التعرض لذكرها أجمع ، إذ أكثرها خرافات وحزايات لا يستدل بها ذو مسكة فضلاً عن العالم ، وأقوها يقيناً ما ذكره الشيخ محمد بن عبد النبي ابن عبد الصانع النيشابوري في كتابه المسمى بـ” تحفة الحبيب ” ، وقد صرح فيه بأن هذه الأدلة الأربعة بالنسبة إلى باقي أدلتهم بمنزلة الأركان ، وإنما اعتماده على تحريم مص الدخان عليها ، وسنعرف إنشاء الله ضعفها بمجرد ذكرها من دون التعرض للجواب عنها إذ هي أوهى من بيت العنكبوت … “[75] بعدها يستعرض الأدلة بشكل تفصيلي لنقض المخالف ، وإثبات رؤيته في المسألة وفق المبنى يتبناه .

إلا أن جلية الأمر ، ومحل الشاهد هو جانب التفريع للمسألة ، وتناول المباني والآراء المختلفة ، وعلى ماذا يقوم كل رأي منها في الغالب ، وإن لم ينقضها جميعاً لوضوح ضعف البعض منها عند أدنى تأمل .

– من آراءه الفقهية :

الرسالة العملية هي الصورة المشرقة لكل فقيه ، وقناته للتواصل مع عامة الناس من مقلديه فهم يحتاجون إلى تسيير أمورهم الدنيوية ، والأخروية بمعرفة تكليفهم الشرعي اتجاه الوقائع الخارجية ، واستنباط الأحكام الشرعية ، ليس بالأمر السهل ، وإنما تتطلب ملكة وتمرس وقدرة على فهم النصوص الشرعية ، بتعارضها وخاصها وعامها ، ومفصلها ومجملها ، الأمر الذي لا يكون إلا للفقيه الجامع للشرائط ، الذي هو خادم الشريعة وموضحاً لها .

إلا أن الأحكام قد تختلف من فقيه إلا فقيه آخر وفقاً لنظرته ومسلكه ، والشيخ محمد آل أبي خمسين ، ضمن رسالته العملية ” منار العارفين وبغية العابدين ” آراءه الفقهية التي تحمل هويته الفقهية والعلمية ، وإليك بعضاً منها :

التقليد :

– ” إنما جواز التقليد لذوي القوابل القصيرة من العبيد في الفروع رفعاً للعسر والحرج المقطوع حصول كل منهما مع إلزام الأفراد بالإجتهاد المتعذر حصوله لجميع العباد بالضرورة بعد إعراضهم عن مصالح المعاد كما لا يخفى ذلك على الأنجاد ولاشك إن ذا الفؤاد يقطع بفساد عبادة الجاهل على غير نهج المراد للجواد ” [76].

–  ” وغاية ما استفيد منها تقليد الأحياء العدول ، وأما غيرهم فيحتاج إثباته إلى دليل واضح وبرهان لايح ، وإذ ليس ، فليس هذا مع أن ذلك مذهب المخالفين الذين قد نص المرشد أن الرشد في خلافهم قطعاً فإن في ديدنهم وقوام مذهبهم على تقليد الأموات … , وأما مذهب أهل البيت عليه السلام فقد كان على عدم جوازه ابتداءً واستدامة ” [77].

– ” ولا يجب الإستمرار على تقليد واحد للأصلين وهما اصالة بقاء الخيار ، وأصالة صحة أعماله كما كان قبل اختياره تقليده ، ولان التبعيض جائز للإجماع وبناء العقلاء وإطلاق آيتي السؤال والنفرة ، وروايتي أبي خديجة ، وابن حنظلة ، نعم مخالفة الفحول من الأصحاب مع أن التبعيض إنما يجوز ما لم يستلزم من التركيب مخالفة قطعية للأصل ” [78].

ماء المطر :

– ” وأما ماء المطر فحكمه حكم الجاري حال تقاطره ، وإن لم يجر ، ولو أخذ منه بعد مروره على نجاسة عينية حال التقاطر ولم يرى فيه تغيير أحد أوصافه فطهور على حكم الأصل إذ لا ينفعل بمجرد الملاقاة حال النزول إذا لم يتغير بالنجاسة ويطهر ما يصيب من الأجسام النجسة بشرط زوال العين ، وعدم حصول التغيير بها ، وبعد القطع حكمه حكم الراكد فإن كان كثير فحكمه حكمه ، وإن كان قليل فكذلك “[79] .

النجاسات :

– ” الإسلام فإنه يطهر الكافر والمرتد عن الملة وما يتصل بها من فضلاتهما الطاهرة من المسلم دون ما يصحبهما من نجاسة خارجية وما باشره برطوبة من إناء وثوب وغيرهما قبل الإسلام من نجاسة الكفر والارتداد إجماعاً ، والمسبي تابع لسابيه في الطهارة والصغار يتبعون الكبار في الطهارة والنجاسة ، وأما عن الفطرة فالظاهر قبول توبته باطناً فلو لم يقدر على قتله أو لم يعلم بردته وتاب طهر بدنه وفضلاته المتصلة بالطهارة من المسلم كالشعر والظفر وغيرهما من نجاسة ردته “[80] .

– ” النجاسات وأصنافها تسعة أولها وثانيها البول والغائط من كل حيوان غير مأكول اللحم من ذي النفس بالأصالة كالناطق ، إلا من أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا باطناً وظاهراً وخلقاً وخلقاً وعصمه من الخبائث والرذائل وحلاه بالنفائس والفضائل وفاقاً للأفاضل ” [81].

– ” الأواني المتخذة من الأشياء الصلدة ، وما أشبه ذلك فيكفي الصبّ عليه مع انفصال الغسالة عن المحل عرفاً من غير احتياج إلى الدلك والفرك ، ويكفي في جميع النجاسات العصرة الواحدة للماء المغسول به بالنسبة إلى غير الآنية والأحوط أن يكون بعد غسلة الإزالة ، وبعض اعتبر المرتين فيما ثخن ، وقوام ” [82].

أحكام النية :

” لو نوى الندب قبل دخول الوقت ، ثم دخل في الإثناء فالأظهر الصحة والاستمرار على نيته وإن كان الأحوط العدول إلى الوجوب ، ولو شك في الدخول ونوى الندب لأن الأصل عدم الدخول ، وفي الخروج فرضه الوجوب إن تبين الخلاف فالأجود الصحة ولو توضأ للنافلة صلى به الفريضة كالعكس إجماعاً ” [83].

أحكام الوضوء :

– ” ولو غسل ظاهر الشعر ثم أزيل أفاد الوضوء ، ولو غسل بشرة اللحية خاصة دون شعرها الذي عليها م يجز ، وإن كان الشعر خفيفاً على الأظهر ، وكلما يمنع من وصول الماء إلى البشرة مثل الأشياء التي تضعها بعض النساء في الحاجبين وعلى الخدود ونحوها للزينة يجب زواله فإذا وجد المانع من الوصول وشك في بقاء منعه كالوسخ مثلاً وجب الإيصال إليها ، والكحل بحسب الظاهر ليس بمانع إلا أن يكون كثيراً فاحشاً ، ولو وجد شيئاً وشك في منعه لم يجب الإيصال ، ولو شك في أصل وجود المانع لم يجب الفحص ” [84].

– ” واجباته – الوضوء – الترتيب بين الأفعال المذكورة على النهج المزبور إجماعاً إلا في مسح الرجلين فإنه لا ترتيب بينها في المسح فيجوز مسحهما معاً على الأظهر لإطلاق الأمر المسح في الآية والرواية ، نعم يستحب تقديم اليمنى في المسح بل لعله أحوط لحسنة محمد بن مسلم ، كما أنه لا يجب مسحهما دفعة بل يجوز فلو خالف الترتيب أعاد على ما يحصل به ، وإن جفت الأعضاء جميعاً أعاد من رأس ، ولو بقي شيء منها لم يجف أتى بالمؤخر وبما بعده إن لم يكن غسله ، وإن أتى بما بعده وظاهر الأصحاب عدم الفرق بين المتعمد والناسي والظاهر ذلك إن كان قصده الترتيب ، ولو لم يقصده وقصد التشويش ورتب غافلاً بطل وأعاده من رأس “[85] .

– ” الشك في الطهارة مع تيقن الحدث محدث لأصالة عدم الطهارة ،وبالعكس متطهر أخذاً بالمتيقن والشاك في المتأخر منهما مع تيقن وقوعهما محدث لتكافؤ الاحتمالين ، واستحالة الترجيح بلا مرجح فيجب إلغائهما والرجوع إلى حكم الأصل من البقاء على حكم الحدث الذي لا ينفك عن الإنسان في سائر الأحيان سواء علم حاله قبلهما بالطهارة أو بالحدث أو شك لعدم الأوامر أيضاً ” [86].

صلاة ذو الرأسين :

– ” وذو الرأسين والصدرين واليدين بحكم الاثنين كل واحد منها يغسل على حده ويشتركان في مسح الرجلين وإن حكم بوحدته مع اشتباه الأصل بالزايد ، ومع عدم الاشتباه الأجود كذلك من وجوب غسل الزايد ، وأما مع الحكم بأنهما اثنان كما لو نبها من نومهما واستيقض أحدهما دون الآخر وجب غسل أعضائهما ومسح القدمين بالضرورة ، ولا بد من المباشرة مع عدم مانع منها فلو مسح أحدهما دون الآخر لم يكف فلو جفت الأعضاء السابقة من واحد قبل المسح وجب عليه الاستئناف ، وليس لأحدهما جبر على الآخر على الطهارة ، وتصح صلاة المتطهر إذ حامل المحدث ليس بمحدث ، ولو أحدث أحدهما انتقض وضوءه فقط ، وإن وجب على الآخر احتياطاً “[87] .

أحكام الغسل :

– ” يحرم على الجنب قبل الغسل الصلاة ، والطواف ومس كتابة القرآن ، ومنه التشديد والمد لا الأعراب سوى وجب بنذر وشبهه أو لإصلاح غلط لا يتم إلا به ، أم لا ، ولو كان منسوخ الحكم لا منسوخ التلاوة ، فإنه لا يحرم وإن بقي الحكم . نعم يكره ، ومس اسم الله تعالى أين كان مكتوباً ولو على درهم أو دينار أو غيرهما ، ومس اسم المعصوم مع القطع بأنه لهما وعدم احتمال أنه للغير أو مع النية لا بدون الأمرين إذ الأصل الجواز ، وقراءة العزائم الأربع أو بعضها حتى البسملة أو بعضها مع القصد لأحدها ” [88].

– ” إذا تم له غسل عضو ساغ له أن يمس به كتابة القرآن وغيرها مما يحرم عليه مسه لارتفاع حدثه عنه بتمام غسله ، وإنما لم يباح له الدخول في الصلاة والصوم والمسجدين واللبث في المسجد وغير ذلك مما يحرم عليه لوجود الجنابة في غيره من الأعضاء ، والأكثر على المنع لعدم رفع الحدث عنه قبل الفراغ من الغسل كله وهو الأحوط “[89] .

– ” ولو أجنب ليلاً من يجب عليه الصوم وجب عليه الغسل ليلاً  ، ويتضيّق قبل الفجر ، وفي توقف صوم المندوب عليه وعدمه قولان أقربهما الأول ، ولولم ينتبه إلا بعد فإن في شهر رمضان أو قضائه مع الضيق والنذر المعين صح صومه ، وفي القضاء مع السعة أو الندب يتعين الإفطار ذلك اليوم “[90].

أخيراً إننا نقف أمام فقيه لا يقل عن غيره من أعلامنا العلمية الذين كان لهم اليد الطولى في الفقه والرقي بالبحث العلمي في مختلف المسائل ، نتمنى أن يكون هذا البحث مقدمة للفت النظر نحوه ، لإجراء بحوث معمقة وموسعة حول مسلكه ومنهجه الفقهي ، وطريقه في الاستدلال ، وإن نكون قد وفقنا في ذلك .

[1] في محراب الشيخ محمد : ، الشيخ موسى الهادي . دار المحسن : الطبعة الأولى : 1418 هـ –  1998م.ص33 .

[2] في محراب الشيخ محمد :مصدر سابق . ص81 ـ85 ، و الرسالة الخراسانية في شرح من عرف نفسه فقد عرف ربه : للشيخ محمد آل أبي خمسين الأحائي .تحقيق : الشيخ عبد المنعم العمران . دار المحجة البيضاء : بيروت . الطبعة الأولى : 1428هـ – 2007م . ص39 .

[3] المصدر السابق  ص17 .

[4] المصدر السابق  ص 18 .

[5] المصدر السابق .

[6] في محراب الشيخ محمد ابن الشيخ حسين آل أبي خمسين. ص84 .

[7] النور المضي في معرفة الكنز الخفي : للشيخ محمد آل أبي خمسين الأحسائي . تحقيق وتعليق : الشيخ عبد المنعم العمران . دار المحجة البيضاء : بيروت . الطبعة الأولى :1428هـ – 2007م . ص27 .

[8] نفس المصدر : ص28 .

[9] نفس المصدر : ص30 .

[10] نفس المصدر : ص32 .

[11] في محراب الشيخ محمد :مصدر سابق . ص77 .

[12] تذكرة الأشراف في ترجمة آل الصحاف : للشيخ كاظم الصحاف. تحقيق المهندس : عبد الله الشايب . دار المحجة البيضاء : الطبعة الأولى . ص10 .

[13] الشيخ باقر ابو خمسين علم وعطاء وأدب : محمد علي الحرز . دار الخليج العربي : بيروت . الطبعة الأولى : 1420هـ – 1999م . ص24 .

[14] ترجمة الشيخ محمد بن الشيخ حسين أبوخمسين  : ص11 .

[15] الشيخ باقر ابو خمسين علم وعطاء وأدب : مصدر سابق . ص26 .

[16] في محراب الشيخ محمد : مصدر سابق . ص176 .

[17] في محراب الشيخ محمد : مصدر سابق . ص187 .

[18] في محراب الشيخ محمد : مصدر سابق . ص186 .

[19] الرسالة الخراسانية في شرح من عرف نفسه فقد عرف ربه . الشيخ محمد آل أبي خمسين الأحسائي . تحقيق : الشيخ عبد المنعم العمران . دار المحجة البيضاء : بيروت . الطبعة الأولى : 1428هـ – 2007م .

[20] في محراب الشيخ محمد : مصدر سابق . ص189 .

[21] في محراب الشيخ محمد : مصدر سابق . ص175 – 176 .

[22] المجموع المخطوط الذي يضم . المقدمة العقائدية لمنار العارفين ، ومصباح العابدين ، والنور المضي في معرفة الكنز الخفي . ص 164 .

[23] في محراب الشيخ محمد : مصدر سابق : ص

[24] الشيخ باقر أبو خمسين علم وعطاء وأدب : مصدر سابق . ص25 .

[25] النسخة الخطية من الرسالة العملية منار العارفين : ص2-3 .

[26] النسخة الخطية من منار العباد في شر ح الأرشاد : ص1 .

[27] منار العباد : مصدر سابق .ص323 .

[28] الذريعه الى تصانيف الشيعه  : دار الأضواء – بيروت – لبنان الطبعة الثالثة سنة 1403- 1983م . ج1 ، ص 509  .

[29] منار العارفين : مصدر سابق . ص248 .

[30] الذريعة : مصدر سابق .ص509 .

[31] منار العارفين : مصدر سابق . ص213 .

[32] منار العارفين : مصدر سابق . ص224 .

[33] منار العارفين : مصدر سابق . ص198 .

[34] منار العارفين : مصدر سابق . ص202 .

[35] منار العارفين : مصدر سابق . ص206 .

[36] منار العافين :مصدر سابق . ص220 .

[37] راجع منار العارفين : ص 206، 262، 281، وغيرها في طيات الكتاب .

[38] منار العارفين : مصدر سابق . ص215 .

[39] منار العارفين : مصدر سابق . ص234 .

[40] منار العارفين : مصدر سابق . ص214 .

[41] منار العارفين :مصدر سابق . ص262 .

[42] منار العباد في شرح الإرشاد : ج2 ص248 .

[43] منار العباد في شرح الإرشاد : مصدر سابق . ص47 .

[44] نفس المصدر : ص176 .

[45] منار العباد في شرح الإرشاد : مصدر سابق . ص70 ، 155 ، 189 ، والحيدرية هي الرسالة العملية الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي  .

[46] نفس المصدر : ص186 .

[47] نفس المصدر : ص198، 218 .

[48] نفس المصدر : ص222 .

[49] منار العباد في شرح الإرشاد : مصدر سابق . ص105 .

[50] نفس المصدر : ص108 .

[51] نفس المصدر : ص121 .

[52] نفس المصدر : ص124 .

[53] منار العباد : ص126 .

[54] نفس المصدر : ص161 .

[55] منار العباد : ص135، 225 .

[56] منار العباد : ص136 .

[57] نفس المصدر : ص230 .

[58] نفس المصدر : ص109 .

[59] نفس المصدر : ص205 .

[60] منار العباد في شرح الإرشاد : مصدر سابق . ص70 .

[61] منار العباد : ص140 .

[62] منار العباد : حاشية ص  126 .

[63] منار العباد : الحاشية ص 149 .

[64] منار العارفين : مصدر سابق . ص262 .

[65] منار العارفين : مصدر سابق . ص229 .

[66] منار العارفين :مصدر سابق . ص278- 279 .

[67] منار العارفين : مصدر سابق . ص193 .

[68] منار العارفين : مصدر سابق . ص185 .

[69] منار العارفين : مصدر سابق . ص198 .

[70] منار العارفين : مصدر سابق  . ص248 – 249 .

[71] منار العارفين : مصدر سابق . ص298- 299 .

[72] منار العارفين : مصدر سابق . ص311 – 312 .

[73] منار العارفين : مصدر سابق . ص285 .

[74] منار العارفين : مصدر سابق . ص195 – 196 .

[75] منار العباد : مصدر سابق . ص294 .

[76] منار العارفين : مصدر سابق .ص187 .

[77] نفس المصدر : ص190 .

[78] رسالة مصباح العابدين وهداية المقتدين ، من المجموع : ص179 .

[79] نفس المصدر : ص197 .

[80] نفس المصدر : ص208 .

[81] نفس المصدر : ص211 .

[82] رسالة مصباح العابدين : مصدر سابق . ص210 .

[83] نفس المصدر : ص263 .

[84] نفس المصدر : ص266 .

[85] نفس المصدر : ص270 .

[86] مصباح العابدين :مصدر سابق .ص248 .

[87] نفس المصدر : ص267 – 268 .

[88] نفس المصدر : ص292 – 293 .

[89] نفس المصدر : ص294 .

[90] نفس المصدر : ص294 .

شاهد أيضاً

أمانة مسؤولية الأوقاف “الحاج علي بن عبدالله بن ابراهيم البحراني نموذجاً”

يا شيخَ ( بحرانٍ ) ويا عَلَماً بها …..بالتضحياتِ مضى وأفنى عُمرَهُ   بقلم الأستاذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *