بقلم الدكتور / محمد جواد الخرس
ابن أبي جمهور ليس غريبا على صفحات كتب الأحسائيين، فقد تمت ترجمته من قبل العديد منهم، من أسبقها نشرا ما سطره الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: للسيد حسن الأمين، تحت مادة “أحساء”، وللشيخ موسى عبدالهادي بوخمسين كتاب بعنوان: “الشيخ إبن أبي جمهور: قدوة العلم والعمل”،
وهو من بواكير الأعمال الأحسائية التي صدرت على هيأة كتب موسعة عن شخصيات علمائها، كما ترجمت له في كتابي “فقهاء الأحساء”، المنشور عام 1415هـ كفقيه أحسائي، و في طور الإعداد ترجمة مفصلة من قبل السيد هاشم الشخص في مجلده الجديد لكتابه المعروف بـ “أعلام هجر”، كما أن الأمل الكبير في التعريف العملي بإنجازات الشيخ العلمية معقود على ناصية مؤسسة ابن ابي جمهور الأحسائي لإحياء التراث، بحكم أنها مؤسسة متخصصة في مجال إحياء تراث أعلام الأحساء بشكل عام، وهي في مرحلتها الراهنة متفرغة لأعمال الشيخ ابن أبي جمهور بشكل خاص، لطباعة كتبه والتعريف بكل ما يتصل به من كتب دونها، وما كُتب عنه من دراسات بشتى لغاتها، ولكن في مقام التعريف بهذه الشخصية الهامة في المرحلة الراهنة، لم أجد ترجمة أخصر و لا أجمل منها على قصرها، كترجمة مكتوبة باللغة العربية، مترجمة عن اللغة الفارسية، قدمتها لي مؤسسة الشيخ ابن أبي جمهور المذكورة كبيانات لترجمة الشيخ، صدرت للباحث أحمد رضا رحيمي ريسه في مقالة بعنوان: “مقدمة تعريفية على مجموعتين من رسائل ابن أبي جمهور” كتبها في طهران بتاريخ 22 نوفمبر عام 2007م، وقد ذكر في مطلعها أنه لا داعي لتكرار الحديث عن حياته نظرا لأن هذا الجانب تم إنجازه على يد البروفيسور “زايينه شميتكه” في كتاب صدر عام 1379م، ونظرا لجمال التفاعل مع هذه الشخصية الأحسائية التي جلبت إليها اهتمام علماء وكتاب من الغرب والشرق غير أحسائيين، ولم يجمعهم به غير الأنس بجمال الإنجاز، والوفاء لابن أبي جمهور كعالم، عليه سأورد نصها بقلم رحيمي:
“ولد ابن أبي جمهور الأحسائي حوالي سنة (838هـ – 1433م) في منطقة الأحساء، في أسرة علمية، وأنهى دراسته التمهيدية في مسقط رأسه، وتتلمذ على يد والده، توجه بعدها إلى النجف لإكمال الدراسة، فانتهل من فيض أساتذتها، ولا سيما أستاذه شرف الدين حسن بن عبدالكريم الفتال، وبعد فترة من اغترافه العلم من علماء النجف توجه إلى مكة و زيارة مدينة الرسول والبقيع، زار قبلها الشيخ علي بن هلال الجزائري، في منطقة كرك نوح، بغية الاستفادة منه، ومكث هناك شهرا، توجه بعدها سنة 877هـ – 1472م للحج، عاد بعدها إلى مسقط رأسه لزيارة الأهل والأقارب، واتجه بعدها صوب العراق ثم إلى مشهد لزيارة مرقد الإمام علي بن موسى الرضا، وخلال توجهه إلى مشهد ألف رسالة “زاد المسافرين في أصول الدين”، ولقد جعل ابن أبي جمهور من مشهد منطلقا لتدريسه وتأليفه، وكان يأنس بآراء تلميذه السيد محسن بن محمد الرضوي القمي (توفي 931هـ – 1524م)، وغالبا ما كان قاطنا في منزله، وكانت له مناظرات مع علماء أهل السنة.
انتهز ابن أبي جمهور كل فرصة سانحة لزيارة المدن الأخرى، وكان يشير إلى محل التأليف في مؤلفاته، ويمكن التعرف على سيرته على وجه الإجمال من سنة 890هـ – 1485م، وما بعد، في شهر شعبان من سنة 893هـ الموافق لحزيران سنة 1488م وأثناء وجوده في الأحساء ألف ابن أبي جمهور رسالة “النور المنجي من الظلام”، وهي حاشية على كتاب “مسالك الإفهام”، وفي شهر جمادى الأولى من سنة 898هـ (آذار 1493م) قطن الأحسائي قلفان أو قلقان (من ضواحي استراباد) وفي ذي الحجة من تلك السنة صدر عنه إجازتان، وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة من سنة 904هـ (الموافق للرابع من حزيران من سنة 1499م) أنهى آخر مؤلفاته وهو “شرح للباب الحادي عشر للعلامة الحلي” في المدينة المنورة، ,وأخر آثار ابن أبي جمهور الأحسائي: إجازة للشيخ علي بن قاسم العذاقة، بتاريخ الجمعة التاسع من رجب سنة 906هـ (الموافق 29 كانون الثاني 1501م) كتبت في الحلة، واستنادا إلى هذا فإن تاريخ وفاة الأحسائي يكون ما بعد سنة 906هـ – 1500م، ولابن أبي جمهور أكثر من خمسين مؤلفا في: الكلام، والمنطق، والفلسفة، والعرفان، وأصول الفقه، والفقه، وعلوم الحديث، و12 إجازة، وآثاره المطبوعة وغير المطبوعة مدرجة في فهرس كامل نسبيا و لا داعي لتكرارها.
أهم المقالات والمؤلفات التي نشرت عن ابن أبي جمهور وفق التسلسل السنوي مايلي:
- في عام 1356هـ – 1977م صدرت مقالة لـ “ولفرد مادلونك” بعنوان: امتزاج علوم الكلام والفلسفة والتصوف عند ابن أبي جمهور.
- في عام 1403هـ – 1982م صدرت كتاب بعنوان: “مدخل ابن ابي جمهور” تأليف “ولفرد مادلونك”.
- في عام1403هـ -1983م صدرت مقالة لـ آية الله شهاب الدين المرعشي النجفي، بعنوان: “الردود والنقود، في عوالي اللآلي” في الجزء الأول من الكتاب المذكور.
- في عام 1409هـ – 1989م صدرت مقالة بعنوان: مدخل ابن ابي جمهور، في دائرة المعارف “بزرك اسلامي” في الجزء الثاني، ص 634-637.
- في عام 1413هـ – 1993م صدر كتاب بعنوان: الشيخ ابن أبي جمهور: قدوة العلم والعمل، للشيخ موسى الهادي “بوخمسين” ،بيروت.
- في عام 1416هـ – 1996م صدرت مقالة بعنوان: مدخل ابن أبي جمهور، تأليف Todd Lawson في دائرة المعارف إيرانيكا، المجلد 7، ص 662-663.
- في عام 1417هـ – 1997م، صدرت مقالة للبروفيسور زايينه شميتكه حول تأثير شمس الدين الشهرزوري على أفكار ابن أبي جمهور.
- في عام 1420هـ – 2000م، صدرت رسالة مفصلة عن حياة ابن أبي جمهور، وأفكاره، ومؤلفاته باللغة الألمانية للبروفسور زايينة شميتكه تحت عنوان: “الكلام والفسلفة والعرفان عند الشيعة الإثنا عشرية في المئة الهجرية التاسعة القرن الخامس عشر الميلادية: أفكار ابن أبي جمهور الأحسائي، ليدن، بريل 2000م” وقد كتبت هذه الرسالة المعروفة بـ Habilitation للحصول على شهادة البروفسورية، وتشتمل على فصول وملحقين”[1]
هذا وقد وافاني السيد علي باقر الموسى المهتم بتراث علماء الأحساء المخطوط بأحدث الدراسات التي تمت عن ابن أبي جمهور الأحسائي وهي كما يلي:
- في بداية الألفية الثانية ميلاية، صدر كتاب بعنوان: “الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في عصر ابن أبي جمهور الأحسائي، للكاتب رضا يحي بور فارمد من إيران[2].
- في عام 1428هـ – 2007م صدرت مقالة بعنوان: “مقدمة تعريفية على ثلاث رسائل لابن أبي جمهور”، للكاتب أحمد رضا رحيمي ريسه من إيران[3].
- في عام 1429هـ -2008 م صدرت مقالة بعنوان: الصلة بين التصوف والتشيع، للدكتور كامل مصطفى الشيبي[4].
- في 1432هـ – 2011م، صدرت مقالة لحجة الاسلام والمسمين الشيخ حسين صالح العايش البراك، من الأحساء في المملكة العربية السعودية[5]، أحد أساتذة البحث الخارج في الحوزة العلمية بالأحساء مقالة بعنوان:”الإبداع الفقهي والأصولي لابن أبي جمهور الأحسائي”، أفصح فيها عن عِلم الشيخ وإبداعاته بقوله: “فهمه الدقيق للأصول ودقته في الفقه صيراه كالشمس في رابعة النهار، لقد أبدع يرحمه الله في هذين العلمين، بما جعل أدق الأبحاث في الأصول والفقه ترتبط بنظرياته التي استلها من الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الهداه عليهم السلام”، هذا وقد أصل الشيخ العايش في مقالته تلك إسهامات ابن أبي جمهور في مجال الفقه والأصول، حيث أوضح أن الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي قدم قاعدة أسماها – “الجمع مهام أمكن أولى من الطرح”- وأن هذه القاعدة أسهمت إسهاما كبيرا في علم الأصول، وفتحت آفاق رحبة بما ترتب عليها من أبحاث علمية ومناقشات، بلورت نظريات كنظرية الحكومة، والورود، وفهم قواعد الجمع العرفي، والضوابط بينه وبين الجمع التبرعي لفهم استنباط الحكم الفقهي من الروايات، وقد أشار إلى أن ماوصل إليه الفقه الأصولي على يد الشيخ الأعظم الأنصاري ترتب على نظرية ابن أبي جمهور المذكورة، وأصَّل هذا التوجه، وما يدور حول نظرية ابن أبي جمهور من كتاب “فرائد الأصول” للشيخ الأعظم الأنصاري، وما ورد في كتاب “زبدة الأصول” للسيد الروحاني، و”منتهى الدراية” للسيد محمد جعفر الشوشتري، هذا من جانب، و من جانب آخر تابع أثر الشيخ على الصعيد الفقهي من حيث تحول عددا من الروايات التي أوردها في كتابه “غوالئ اللئالي” إلى قواعد فقهية في البحوث الاستدلالية لدى الفقهاء من بعد صدور هذا الكتاب وتلك القواعد مايلي:
- قاعدة “الناس مسلطون على أموالهم”، وقد علق سماحة الشيخ العايش على الرواية، بأن العلامة المجلسي رواها في المجلد الثاني من البحار عن غوالئ اللئالي، وهي وإن كانت مرسلة لكنها مجبورة بعمل الأصحاب قديما وحديثا، واستنادهم إليها في مختلف أبواب الفقه، هذا فضلا عن أن الرواية هي في الأساس مسندة غير أن كثيرا من الفقهاء والأصوليين تصوروا أنها مرسلة؛ لأن ابن أبي جمهور حذف الأسانيد وجمعها في مشيخة، بمعنى أنه لم يذكر السند لكل رواية رواية، وإنما اكتفى بذكر أسانيده بنحو عام، كما هو مذكور في الغوالئ، و يعلق الشيخ العايش أيضا أن الفقهاء لم يستشكل أحد منهم في العمل بالرواية، وأرسلوها إرسال المسلمات، إما لما تقدم من العمل بها، وإما لإنها مسندة عن النبي صلى الله عليه وآله، بالإضافة إلى كونها منسجمة مع الفطرة ومتفقة مع العقل.
- قاعدة “الميسور لا يسقط بالمعسور”، وهي أيضا من القواعد الفقهية التي يكاد ينحصر دليلها بابن أبي جمهور، وقد نقلها المحقق الأشتياني في تعليقاته في كتابه القواعد الفقهية، عن غوالئ اللئالئ.
- قاعدة “إقرار العقلاء على أنفسهم”، وقد ذكر الشيخ العايش بأنه ينحصر مدرك هذه القاعدة بالرواية المشهورة المستفيضة، أو المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله، والتي يرويها ابن أبي جمهور فقط، وقد تلقاها العلماء بالقبول؛ لكونها من المسلمات في المعنى، ذلك أن العاقل لا يقر على نفسه بضرر إلا لكونه يتصف بالصدق، ويخاف الحق تعالى، ويحذر الآخرة، نعم قد يقر العاقل على نفسه من أجل الخديعة للغير أو يحصل على شيء أعظم وأكبر أي لمآرب أخرى، غير أن ذلك قليل أو نادر لا يلتفت إليه العقلاء؛ ليؤثر على حجية القاعدة الثابتة برواية ابن أبي جمهور، وقد نقل ما أفاد به السيد البنجوردي في كتابه “القواعد الفقهية” حول هذه القاعدة من حيث أن القاعدة لا إشكال في جريانها.
- حديث “صلوا كما رأيتموني أصلي”، وقد أورد الشيخ العايش إحدى عشر موردا مما استدل بها الشيخ الجواهري في كتابه “جواهر الكلام”، كما أورد ما استدل به المجدد الشيرازي في تقريراته، وكذلك آقا رضا الهمداني في كتابه “مصباح الفقيه”، وكذلك المحقق اليزدي صاحب العروة الوثقى في “حاشيته على المكاسب” للشيخ الأعظم الأنصاري.
هذا وقد سبق لي أن دعوت في إحدى اللقاءات العلمية، وكانت متعلقة بأصول البحث العلمي في جمع من الباحثين والمهتمين بالعلوم الشرعية، وذلك في تاريخ 1-7-1431هـ عن ضرورة إعداد دراسة حول كتاب “غوالي الئالئ” ودوره في تحديث مواد الاستدلال الفقهي بعد صدوره، على أن يتم اختبار ثلاث فرضيات يتم من خلالها التأكد من صحة ذلك من عدمه، ويتم خلال هذا البحث المقترح الوقوف على موارد الاستدلال في الدورات الفقهية التي صدرت على أيدى علماء الإمامية، ووجهات النظر حيالها، وعن مدى إمكانية جريان تلك القواعد، وفيما لا يصح جرياناها، وغيرها من البحوث المتعلقة بخصوصها، على أن تكون الفرضيات المقترحة كما يلي:
الفرضية الأولى: أن البحوث الاستدلالية الفقهية قبل صدور كتاب غوالئ الئالئ، لم يرد فيها استدلال بالقواعد الثلاث: “الناس مسلطون على أموالهم” ، “الميسور لا يسقط بالمعسور”، “إقرار العقلاء على أنفسهم”، وحديث “صلوا كما رأيتموني أصلي”.
الفرضية الثانية: أن البحوث الاستدلالية الفقهية بعد صدور كتاب غوالئ الئالئ، استدلت بروايات رواها الشيخ ابن أبي جمهور، وتحولت بعد ذلك إلى قواعد فقهية وتلك القواعد هي: “الناس مسلطون على أموالهم”، “الميسور لا يسقط بالمعسور”، “قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم”.
الفرضية الثالثة: أن حديث “صلوا كما رأيتموني أصلي”، لم يتم توظيفه في البحوث الاستدلالية الفقهية، إلا بعد صدور كتاب غوالئ الئالئ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
[1] – أحمد رضا رحيمي ريسه، مقدمة تعريفية على مجموعتين من رسائل ابن ابي جمهور (الأحساء:مؤسسة ابن ابي جمهور الأحسائي لإحياء التراث)، نسخة بالكمبيوتر.
[2] – رضا يحيى بور فارماد، الأوضاع السياسية والإجتماعية والثقافية في عصر ابن أبي جمهور الأحسائي، (الأحساء:مؤسسة ابن ابي جمهور الأحسائي لإحياء التراث)، نسخة بالكمبيوتر.
[3] – أحمد رضا رحيمي ريسه، مقدمة تعريفية على ثلاث رسائل لابن ابي جمهور (الأحساء:مؤسسة ابن ابي جمهور الأحسائي لإحياء التراث)، نسخة بالكمبيوتر.
[4] – الدكتور كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، (الأحساء:مؤسسة ابن ابي جمهور الأحسائي لإحياء التراث)، نسخة بالكمبيوتر.
[5] – الشيخ حسين بن صالح العايش البراك، الإبداع الفقهي والأصولي لإبن أبي جمهور الأحسائي،(الأحساء:مؤسسة ابن ابي جمهور الأحسائي لإحياء التراث)، نسخة بالكمبيوتر.
Alahsa Turath تراث الأحساء
