بقلم الدكتور / محمد جواد الخرس
آية الله الشيخ عبدالهادي الفضلي، من المنائر الأحسائية التي تطل من خلالها الأحساء على الساحة العالمية، ولد عام 1354هـ – 1935م، وتوفي عام 1434هـ – 2013م، عرف الكتاب والقلم منذ نعومة أظفاره، كطالب في المدارس النظامية، ودارس حوزوي لدى والده الفقيه الميرزا محسن الفضلي حيث أنهى على يديه مرحلة المقدمات في مدينة البصرة بصبخة العرب، وفي عام 1949هـ يمم وجهه نحو النجف الأشرف، وله من العمر أربعة عشر عام، أمضى فيها ما يقارب من 20 سنة تمخضت عن حراك لم يعرف الكلل والمل، ما يكاد ينتهي من محطة حتى ينتقل للأخرى، وربما زاوج بين محطتين في آن واحد، ولا أعلم كيف كان يوفق بينهما؟ لكنه التفكير الاستراتيجي وما ينطوي عليه من تفكير جاد نحو بيئته الخارجية تارة؛ ليرى ما فيها من مساحات لم تشغل بإنتاج إبداعي يستحق التضحية من أجله، وتارة أخرى ليبصر مكونات بيئته الداخلية وما تشتمل عليه من قابليات، وإمكانيات يمكن توظيفها في إنجاز رؤيته التي رصدها في بيئته الخارجية، وبين هذا وذاك راح يسعى بكل طمأنينة و ثبات نحوها، ألا وهي تحديث الكتب الدينية الحوزوية وما يتصل بها من علوم أخرى في العلوم اللغوية والعقلية لتكون ملائمة للوسطين الحوزوي والجامعي في آن واحد، وقد صرح بها ذات مرة، خلال المقابلة التي أجراها له الأستاذ حسين منصور الشيخ، وقد دون حواره معه في كتابه: “الدكتور عبدالهادي الفضلي:تأريخ ووثائق”، حيث سأله: “ما هو أهم مشاريعكم التي كنتم تودون إنجازها، وما الذي تحقق منها؟ فأجابه الشيخ: مشروعي الأهم كان وضع المقررات الدراسية للحوزات العلمية وتطوير موادها وفق مناهج البحث العلمي الحديث، وأحمد الله سبحانه الذي وفقني في إنجاز هذا المشروع[1]“، وفي سبيل هذا الرؤية الطموحة استغرق ما يقارب من خمسين عاما من عام (1380هـ – 1960م) حتى عام (1429هـ – 2008م) سعى خلالها وفق مراحل مدروسة مركزا على ضرورة إنجازها، مرتبا لأولوياتها، في نظام لا يخترم من أي فرد كائن من كان، فجنى ثمارا يانعة سمتها الإتقان، والإيجابية، تلقتها جماهيره من طلاب حوزويين وجامعين، ومراكز بحثية، في بلاد العرب والعجم، بل وحتى بلاد الغرب في أخر مطاف تنامت فيه نتاج تجربته، فقد اعتمدت إحدى الجامعات الغربية وهي Islamic College في بريطانيا، أحد كتب الشيخ كمقرر لطلابها بعد أن ترجمته إلى اللغة الإنجليزية، وهو كتاب “مدخل إلى علم الحديث” مع كتاب “دراية الحديث” للشهيد الثاني وهو من الكتب المعتمدة في الحوزات العلمية منذ أمد بعيد، وأما تاريخ الترجمة وإدخال كتاب الشيخ الفضلي إلى هذه الجامعة فكان الاصدار الأول في عام 2002م، والاصدار الثاني في عام 2011م، ولا زال التنسيق يجري في اقتناء مقررات أخرى[2].
و قد بلغ عدد كتبه التي ألفها بما فيها المقررات الدرسية الحوزوية/الجامعية، 75 كتابا، وحوالي 15حوارا علميا منشورا في الدوريات المختلفة، وحوالي 155 مقالة ودراسة منشورة في الدوريات المختلفة، مضافا عليها 130 تقريضا لمؤلفات آخرين[3].
قصة نجاح آية الله الفضلي بدأت أول ما بدأت في حراك علمي بين دارس ومدرس في الوسطين الحوزوي والتعليم النظامي – في المدارس، ومن ثم إلى الجامعات- حيث في الحوزة كدارس في مرحلة السطوح تلتها مرحلة البحث الخارج، ومدرسا فيها في الوقت ذاته، كثقافة درجت عليها الحوزة، بل وتحرص عليها كأسلوب من أساليب تنمية كفاآتها العلمية عبر الجهد الذاتي، وفي الجامعة كطالب في مرحلة البكالوريوس في كلية الفقه بالنجف في عام 1959م، ومن ثم طالب في مرحلة الماجستير منذ عام 1968م وحتى 1971م في جامعة بغداد، وكأستاذ في كلية الفقه بعد تخرجه فيها بدرجة البكالوريوس[4]. و في العام ذاته أي عام 1971م التحق بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة ليبدأ منها مشواره نحو درجة الدكتوراه حيث ابتعث إلى جامعة القاهرة وتخرج فيها عام 1975م، وفي العام ذاته أيضا رجع إلى جامعته في جده ليبدأ مرحلة التدريس بعد التخرج، وهناك أسس قسم اللغة العربية في كلية الآداب بالجامعة، وكان أول رئيس له، كما كان له دور كبير في تأسيس قسم المخطوطات في مكتبة الجامعة المركزية فيها، ولما أن بلغ عام 1989م، تقاعد من الجامعة بعدما أتم 18 عاما فيها، و في العام ذاته التحق بالجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن كمدرس لمادة المنطق، وتاريخ التشريع الإسلامي وأصول الحديث، وأصول علم الرجال، وعلم الكلام، وفي عام 1991م بدأ الشيخ يمارس ظهوره كمحاضر في المواسم الثقافية، حتى شكل بثقله العلمي، وما يكتنزه من خبرة علمية وعملية في ميدان العلم والمعرفة ونشر الثقافة، رافدا جديدا مؤثرا لجيلها الصاعد، ومن جملة ما أعتنى به عنايته بالمؤلفين والكتاب، واحتضان طاقاتهم، ورعايتها.
حينما أتعرض لسيرته، ليس فقط من باب الوفاء لحقه كعالم أحسائي استفدت من تجربته الشيء الكثير كما استفاد منه أبناء جيلي الذين عاشوا جمال علمه وخلقه، وإنما للضرورة الملحة ليقرأه طلاب العلم المعاصرين والقادمين في المستقبل بإذن الله، وعندما نقرأه سنقرأه كناجح قادر على أن يورث صنعة النجاح في المتطلعين إليها ولو من خلال قراءة بعض السطور عن تجربته، فتجارب الحياة علمتنا أن لكل واحد فينا لديه من المؤهلات والملكات ما يمكنه أن يكون كأمثال الشيخ الفضلي في إخلاصه لدينه، و إنسانيته، لكن ربما يحتاج إلى نموذج، يستطيع من خلاله محاكاة نجاحه، يستنسخ منه امتيازات شخصيته في إطارها العام، وأما بصمته الفكرية فهي حتما ستخرج بشكل تلقائي، من وحي ذاته، ولن يستطيع استنساخ تجربة الشيخ الفضلي، كفضلي آخر مهما حاول؛ لأن البصمة الفكرية لها من الخصوصية الغير قابلة للاستنساخ، كما هو الحال لا يستطيع أحد منا أن يستنسخ بصمة إبهام الآخرين، وسأعرض لمسألة استنساخ امتياز تجربته ومدى إمكانيتها في المبحث الثالث من هذه المقالة.
لهذا الغرض سأتجول ما استطعت، وأسعفتني الذاكرة في عرض مشاهداتي ومسموعاتي عن هذا العالم الفذ، وسأعتصرها مكتفيا بالإشارات دون التفصيل لأن المقام يطول، فنحن سنظل بحاجة إليه حتى بعد رحيله في العديد من جوانب تجربتة العريضة، وهنا سأقف فقط على ساحل تجربته ككاتب، ولن أتعرض إليه كخطيب بارع، ومرب فاضل، وأستاذ عرفته أروقة الجامعات كما عرفته أروقة الحوزات، ولا كمناقش للرسائل العلمية في درجاتها العليا في مرحلة الماجستير والدكتوراه، أو منظر للأنشطة الاجتماعية، وقارئ فذ لما تخبئه الأيام من مفاجآت، أو كأديب متذوق، وناقد للأعمال الإبداعية: قصة، ورواية، و شعرا، ومؤرخ، وفيلسوف، ومتكلم، نحن هنا على ساحله كمؤلف عشق القلم، والدفاتر، والكتب، والمراجع على شتى مشاربها الفكرية.
فقد كان الفقيه المتبحر في العلوم الإسلامية على شتى أصنافها، وقد تم تأبينه من أعلام عصر الفقهاء منهم واللغويين، وعبارات التأبين من ذوي الإختصاص اللغوي والأدبي، لا تقل أسفا على فقد هذا الطود العلمي الرفيع من علماء الحوزات العلمية في المجال الشرعي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
[1] – الأستاذ حسين منصور الشيخ، الدكتور عبدالهادي الفضلي: تأريخ ووثائق، (البحرين: مداد للثقافة والإعلام، 1430هـ – 2009م)، ص170.
[2] – إفادة من الأستاذ فؤاد بن الشيخ عبدالهادي الفضلي في تاريخ 24 -4-2013م، عبر رسالة الكترونية، بأنه زار الجامعة في بريطانيا عام 2011م، وكان في استقباله مدير لجنة المقررات بالجامعة، ووجد الكتاب مترجما، وطلبوا مجموعة أخرى من كتب الشيخ الدراسية لترجمتها وطباعتها وإدراجها ضمن مقررراتهم، وقد أفادوا بأن الكتاب قد طلب من مؤسسات علمية كالجامعات والمعاهد ومن أساتذة أفراد في عدة مناطق في العالم وأكثر من أمريكا واستراليا، و اسم الجامعة وبيانات نشر الكتاب بعد الترجمة هو:
Introduction to Hadith, Abd al-hadi al-Fadli, Including Dirayat al-Hadith by al-Shahid al-Thani, Translated by Nazmina VirJee, 1st edition, 2002, 2 st edition ,2011, ISAS Press, Islamic College, UK
[3] – الأستاذ فؤاد الفضلي، مصدر سابق، رسالة الكترونية، في 24 -4-2013م.
[4] – حسين منصور الشيخ، الدكتور الفضلي: تاريخ ووثائق، (البحرين: مداد للثقافة والاعلام، 1430- 2009م)، ص 104.
Alahsa Turath تراث الأحساء
رحم الله الشيخ الفضلي فقد كان قامة فكرية يندر مثلها و ترك ارثا ثقافيا و علميا نفتخر به