بقلم الشيخ / محمد بن علي الحرز
الهجرة الأحسائية إلى أفريقيا:
حياة السفر والترّحال من الأمور المحببة والجميلة التي تتوق لها النفس البشرية، والتي يكتسب من خلالها معارف جديدة، ويأخذ خبرة وتجارب متعددة من حياة المجتمعات والشعوب، فلكل مجتمع بشري طبيعته وتجربته الخاصة التي تشكلت منها ثقافته ومعرفته، يقول تعالى
وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. النساء: ١٠٠.
والأحسائيون كمجتمع عرف بحبه لحياة للهجرة والتكيف مع الثقافات المتعددة ، دون أن تصل لدرجة الذوبان والتماهي التي تفقده أصله وطبيعته التي عرف واشتهر بها، وإنما يستفيد من مكتسبات الشعوب مع الاعتزاز والاعتداد بوطنه وأصله مهما طالت الشقة وغاص في أعماق الزمن .
ومن تلك الهجرات الأحسائية إلى التي نكمل بها سلسلة الهجرة الأحسائية ، هي تلك الهجرة التي خاض بها الأحسائيون القارة الأفريقية ، ولعل أقدم ذكر للهجرة الأحسائية إلى أفريقيا يعود إلى القرن السابع الهجري، ونزولهم الصومال وتأسيس عاصمتها ” مقديشو” ، فقد تأسست المدينة وكان إعمارها سنة 650هـ[1] ، كما يذهب لذلك الأستاذ أنور الجندي، إلا أن الأرجح سابق عن ذلك التاريخ بأكثر من عقد من الزمن فقد تم إنشائها قبل عام 637 هـ، بدليل أن الجامع الكبير الواثب في وسطها وهو مؤسس من قبل الأحسائيين به علامة تشير إلى بناءه كان سنة 637هـ[2] ، فلابد أن يكون إعمار المدينة متقدم على هذا التاريخ ببضعة شهور على أقل التقادير، وكان أول من أستقر بها من الأحسائيين أخوة سبعة[3]
يتحدث محمود شاكر عن كيفية دخول الإسلام إلى تنزانيا: (وذهبت جماعة أخرى من شيراز يعود إليهم الفضل في نقل المذهب الشيعي إلى تلك الأصقاع، وتروي الأخبار أن من أشهرهم رجلاً يدعى الحسن بن علي ذهب إلى شرق أفريقية لأسباب وظروف غامضة مع أبنائه الستة في القرن العاشر الميلادي حوالي عام975م، فتفرقت بهم السفن قبل الوصول، فنزل أحدهم في مدينة مومباسا، ورست المراكب الآخر في جزيرة بمبا، بينما وصل الثالث إلى جزيرة جوهانا أحدى جزائر القمر، أما الأب فقد نزل مع بعض أبنائه الآخرين في مدينة كيلوا”، واستطاع الأب أن يؤسس بعد نزوله بمدة من الوقت حكومة امتدت حتى شملت المناطق التي يقيم فيها أبناءه.
كذلك قدم إليها جماعة من الساحل الغربي للخليج أي من منطقة الأحساء ، وإلى هذه الجماعة الثانية يعود الفضل في نشر المذهب الشافعي في تلك المناطق وهو المذهب الغالب اليوم هناك)[4].
وقد ذكر (وليام هارولد إنغرامز) قصة الأخوة السبعة الأحسائين في أفريقيا الشرقية ضمن كتابه (زنجبار تاريخها وشعبها)، وينسب لهم تشييد مدينة (مقديشوا) قائلاً:
(إن سبعة إخوة فروا من الأحساء، بعد أن استُبعدوا بضغط من شيخ القبيلة المجاورة[5]. ويقال: إنهم عبروا البحر إلى الساحل الأفريقي على متن ثلاثة مراكب. وفي حوالي عام 908م، شيّدوا مقديشو، وبرافا اللتين أصبحتا عاصمتين مهمتين.
وتعد طائفة إمو زيد من الزنادقة بالنسبة إلى قوم الأحساء السنيين التقليديين. وبعد أن أبعدوهم نحو الداخل ، شكلوا صلة وثيقة مع الزنوج، فأصبحوا تجاراً جوّالين في الداخل؛ إذ كانوا يجمعون بضائع من الدولة، وينقلونها إلى الساحل لبيعها. وقد يكون قوم الأحساء هم من قبيلة الحارث[6] العربية الذين عُرفوا باستيطانهم لساحل زنجبار في التاريخ القديم (في عام 924م، بحسب تأكيد الكولونيل ريغبي))[7] .
فقد استطاع الأحسائيون المهاجرون نشر المذهب الشافعي بمعية الدين الإسلامي ليصبح المذهب الغالب لمعظم سكان تنزانيا، ثم امتد دورهم إلى جزر القمر وكينيا وغيرها من المناطق التي وصلت إليها رحالهم في مساهمة واضحة بنشر الإسلام وبسط يدهم في المجاهل الأفريقية.
وقد امتد الدور ليكون خلال الخامس عشر الهجري في رحلة أحسائية إلى (زنجبار) والتي هاجرت إليها أسرة أحسائية تنتمي للبيت العلوي من (سادة الحسن) ؛ لتمارس دورها الديني والاجتماعي في حلقات استمرت فصولها إلى يومنا هذا.
أسرة آل الحسن تاريخياً[8]:
السادة (آل الحسن) من الأسر الأحسائية القديمة، وهي تنتمي للبيت العلوي، ، وترجع بنسبها إلى السيد حسن بن السيد حسين المعروف بـ (الوزير) لتوليه منصب وزيراً للشيخ محمد بن غرير الخالدي[9]، وقد عرفت ذريته بآل (السيد حسن الوزير)، ويظهر أنه كان يسكن الجبيل بالأحساء، فقد كان ممن تقلد منصب العمودية فيها، بعد تنحيته عن منصب الوزارة لشيخ محمد بن غرير بين عامي 1234–1245هـ.، بسقوط دولة بني خالد، صالح الدولة السعودية الثانية.
وعمود نسبه: هو السيد حسن ( الوزير ) بن السيد حسين بن السيد سالم بن السيد أحمد بن السيد عبد الله بن السيد إسماعيل بن السيد حسن بن السيد سالم بن السيد إبراهيم بن السيد علي بن السيد أحمد بن السيد سالم بن السيد أحمد بن السيد جعفر بن السيد موسى بن السيد إبراهيم بن السيد صالح بن السيد علوي بن السيد قاسم بن السيد هاشم بن السيد مساعد بن السيد حسن بن السيد حسن بن السيد سليمان بن السيد إدريس بن السيد يعقوب بن السيد شرف بن السيد يوسف بن السيد ناصر بن السيد حسن بن السيد محمد الأعرج بن السيد أحمد بن السيد موسى المبرقع بن الإمام محمد الجواد (عليه السلام) بن الإمام علي الرضا(عليه السلام) بن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) بن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) بن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) بن الإمام علي زين العابدين(عليه السلام) بن الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام) بن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام[10].
والأسرة تلتقي في النسب مع عدد كبير م نأسر السادة الأحسائيين مثل أسرة سادة اليوسف من سكنة مدينة المبرز، وأسرة سادة الأحمد من مدينة الهفوف، وأسرة سادة الأدريس من البطالية، وأسرة سادة الهاشم، وأسرة سادة البراهيم من الجبيل، وسادة العبد المحسن من القارة.
فإلى السيد سالم بن السيد أحمد يرجع عدد كبير من السادة في الأحساء : من ولديه السيد صالح ، والسيد حسين .
أما السيد صالح فإليه ترجع أسرة العبد المحسن بالقارة.
أما السيد حسين بن السيد سالم : فقد أنجب ابنين : هما السيد علي، والسيد حسن( الوزير ) .
فإلى السيد علي ترجع الأسر التالية :سادة اليوسف ، وسادة الأحمد ، وسادة الصالح ، وسادة العلي، وسادة الهاشم ، وسادة الحسن .
أما السيد حسن ( الوزير ) فقد أنجب عدد من ثلاثة من الأبناء هم :
السيد علي: وقد خلف عبد الله والد السيد محمد والسيد هاشم وذريته منهم.
السيد حسين: وقد أنجب عدد من الأبناء هم : السيد عبد الله ، والسيد صالح، له عدد من الأبناء هم :السيد أحمد( وذريته في إيران والكويت والأحساء )، والسيد عبد الله والسيد حسن والسيد هاشم (الذي هاجر إلى زنجبار وذريته في تنزانيا ودبي وكينيا )، والسيد علي والسيد محمد.
السيد محمد: وهو ممن يقيم بقرية الجبيل له ابنان هما : السيد إبراهيم ، السيد هاشم ، ومن سلالتهما تفرعت أسرتان في الجبيل، هما ( أسرة البراهيم )، و (أسرة الهاشم ) .
وهؤلاء جميعاً يعرفون بسادة الحسن ، نسبة للسيد حسن الوزير.
وأسرة سادة الحسن تقطن بيوتاتها الآن مدينة الهفوف متوزعين في أحيائها.
والشخصية المهاجرة إلى زنجبار هي،تتمثل في شخص السيد هاشم بن السيد صالح بن السيد حسين بن السيد حسن (الوزير)، بالنسب المذكور أعلاه، وهذه الشخصية هي مدار بحث ورقتنا، والمؤسس للوجود الأحسائي الحديث في زنجبار.
الطريق إلى زنجبار:
تبعد زنجبار عن الساحل الشرقي للقارة الأفريقية على مسافة بين (25– 35كم) من تانزانيا، وهي تتألف من مجموعة من الجزر الواقعة في شرق إفريقيا بالمحيط الهادي، كجزيرة أرخييل، وأنغوجا، وتومباتو، وجزيرة مافيا، وجزيرة بمبا، بالإضافة إلى أكبر جزيرة وهي كنمكمزنجبار أو أنغوجا وهي عاصمة زنجبار، وجاءت تسميتها من كلمة عربية محرّفة أصلها (بر الزنج).
وتاريخياً كانت تابعة لعمان لقربها منها، ولكثرة العمانيين المهاجرين إليها قبل أن يأتي إليها الاحتلال التانزاني سنة 1964م – 1384هـ، وتصبح جزء من تنزانيا إلى الآن.
هذه الجزيرة التي تعد آية في الجمال والروعة، لم يكن الطريق إليها بالنسبة للسيد هاشم الحسن الذي عرف في زنجبار بـ ” السيد هاشم الحسيني الأحسائي”، وعرفت فيما بعد به ذريته، ابن الأحساء المحب لبلده ووطنه أمراً سهلاً ويسيراً، وإنما كانت الظروف القاهرة وراء هجرته، ليصنع لنفسه تاريخاً ومجداً جديداً، مغايراً عن المألوف والمعتاد عليه من أبناء الأحساء.
فقد بدأت هجرته سنة 1331هـ، نتيجة لبعض الظروف التي جعلته يشعر بعدم الراحة والاطمئنان ببقائه في الأحساء، فخرج من الأحساء مع أخٍ له إلى دولة الكويت التي هاجر إليها في تلك الفترة الكثير من الأحسائيين وعلى الخصوص من مدينة الهفوف، بسبب الظروف الاقتصادية وتوفر فرص العمل أكثر من الأحساء مثل خياطة المشالح والعبي، والتجارة والغوص، وغيرها من الأعمال والحرف المتداولة في ذلك الزمن.
إلا أن فترة إقامته فيها لم تدم طويلاً سوى بضعة أشهر،حتى قرر الرحيل منها إلىالبصرة، و لم يطب له العيش فيها، فلم يستطع التكيف مع ظروف وأجواء البلاد، فعزم حينها على السفر مع من كان بصحبته أثناء خروجه من الأحساء وتنقلهم معه من الأحسائيين، ، وكانت هجرته هذه المرة بالعبارة إلى (حضرموت) ، وفيها نزل في مدينة (المكلا)[11]اليمنية، واستضافه زعيم المدينة وقربه منه، وخلال إقامته فيها تعرف على بعض أسر السادة الأشراف، القاطنين فيها من المنتمين للمذهب الشافعي،ومن هذه العوائل: (أسرة السادة البوهارون، وأسرة السادة السقاف، وأسرة السادة القرنة، وأسرة السادة البريك) وغيرهم، فكان استقبالهم له جيد،واعتبروه فرداً منهم، وقد احتفوا به وضموه إليهم، فطاب له البقاء في ديارهم، وفيها برز كشخصية تتمتع بالحكمة والشجاعة والحنكة والفطنة، مما جعله محبوباً ومقدّراً وعلماً بارزاً بينهم، فاستمرت إقامته عندهم قرابة ثمان سنوات، يعمل بكد واجتهاد.
ومع إطلالة سنة 1340هـ، عزم بمعية عدد من السادة الأشراف من أهالي (حضرموت) الهجرة إلى زنجبار؛ لما تتمتع به المنطقة من الحياة الرغيدة وطيب أهلها، وكان للعرب فيها مكانة كبيرة وحظوة، وقد هاجر إليها الكثير من العمانيين واليمنيين والأحسائيين، وجعلوها محل سكناهم وإقامتهم.
زنجبار نبذة عامة:
تقع مجموعة من الجزر في المحيط الهندي تابعة لتنزانيا وتحديداً في الشرق من إفريقيا تدعى زنجبار، ومن الدول التي تحيط بهذه الجزر مُمباسة أو كينيا وتنجانيقا ودار السلام ومدغشقر وكذلك جزر القمر. أما مجموعة الجزر الأساسيّة التي يتشكل منها هي أرخبيل زنجبار؛ وهي جزيرة أنغوجا، وجزيرة بمبا، وجزيرة تومباتو، وهناك جزيرة مافيا، ولكنّها لا تتبع لزنجبار كدولةٍ ذات سلطة ذاتيّة. وتبلغ مساحة زنجبار ما يُقارب 2,643 كيلو متر مربّع.
من أهم ما يميز زنجبار عن غيرها من المناطق؛ صفة التسامح الديني وتقبل الآخر وحسن الظن بالآخرين، وهي سياسية انتهجها السيد سعيد وسلاطين زنجبار وصلت إلى حد التفريط اتجاه المستكشفين والمنصرين الأوربيين[12]، وهو أمر استغله الأجانب لصالحهم ، حتى أصبحت زنجبار من أكثر بقاع الأرض من حيث التعددية العرقية والفكرية.
يتحدث ” وليام هارولد ” عن هذه التعددية فيقول : ( تعد زنجبار واحدة من أكثر الأماكن تنوعاً؛ من حيث الجنسيات في العالم، ففي تعداد السكان لعام ( 1910هـ ) تبين أن السكان من غير الأفارقة كانوا كالآتي :
البريطانيون والفرنسيون والألمان والبرتغال والأوربيون النرويجيون ، والإيطاليون واليونانيون والهولنديون واليهود والسويديون ، وعدد من الهنود[13] ، والسنغاليون والزرادشتيون المعروفون بسام ” البارسيون ” ، والعرب والبلوش واليابانيون والصينيون والأرمن ، وعدد من الناس من جزيرتي سيشل وموريشيوس. أما العنصر الأفريقي فيشمل تشكيلة متنوعة من القبائل يتعذر إدراجها كاملة )[14].وهذا يعرفنا عن مدى التعددية العرقية التي كانت تتمتع بها زنجبار في الحقبة التي هاجر فيها السيد هاشم الحسن إليها، مما يجعله يأمن في الجانب العقدي ويشعر بالاطمئنان.
أما في تعداد السكان لعام 1367هـ ، وهي فترة تلت وجود (أبناء أسرة الحسن )، في زنجبار، فقد قسمت نسب السكان كالتالي[15]:
| المجموعة السكانية | العدد | |
| 1 | الأفارقة | 652, 118 |
| 2 | العرب | 977, 13 |
| 3 | الهنود | 107, 13 |
| 4 | القمريون | 764, 2 |
| 5 | القونيون | 598 |
| 6 | الأوربيون | 256 |
| 7 | الصوماليون وغيرهم | 221 |
| المجموع | 575, 149 |
والشيء الملفت في الجدول السابق إن نسبة العرب هي النسبة الثانية من حيث تعداد السكان، وهؤلاء جلبهم في الغالب الصعيد التجاري، وما تتميز به زنجبار من أهمية جغرافية من كونها في طريق التجارة مع الهند، ” هذا النفوذ التجاري جعل الاحتكاك واسعاً، وهذه السيطرة جعلت الصلة قوية بين جنوب الجزيرة العربية، وهذه المناطق[16].
مما يكشف عن مدى التأثير الذي يحدثه هذا التعداد من تأثير ثقافي وفكري على المنطقة.
الوجود الشيعي في زنجبار:
من الجوانب المهمة المرتبطة بما نكتب ولكي ندرك طبيعة البيئة التي عاش فيها السيد هاشم الحسن وأبنائه بزنجبار معرفة التغلغل الشيعي فيها، ومدى رسوخه في المنطقة الأمر الذي جعلها أرضية خصبة تساعده على الاستقرار وترك حياة التنقل والترحال.
إذ يعود تاريخ التشيع في تلك الأصقاع إلى القرن العاشر الميلادي، يقول محمود شاكر عن هذه النشأة للتشيع : ( ذهبت جماعة من شيراز يعود إليهم الفضل في نقل المذهب الشيعي إلى تلك الأصقاع، وتروي الأخبار أن من أشهرهم رجلاً يدعى الحسن بن علي ذهب إلى شرق أفريقية لأسباب وظروف غامضة مع أبنائه الستة في القرن العاشر الميلادي وحوالي عام 975م، فتفرقت بهم السفن، …. أما الأب فقد نزل مع بعض أبنائه الآخرين في مدينة ( كيلوا ) ، واستطاع الأب أن يؤسس بعد نزوله بمدة من الوقت حكومة امتدت حتى شملت المناطق التي يقيم فيها أبناؤه )[17] .
إضافة إلى الشيعة الهنود الذين تعد هجرتهم من أقدم الهجرات إلى زنجبار،وكان لهم نفوذ تجاري واقتصادي في البلاد.
وهنا لا يغفل دور السيد عبد الحسين المرعشي (ت: 1322هـ ) الذي كان لوجوده في زنجبار دور في قوة التشيع واتساع رقعته، يقول شهاب الدين المرعشي النجفي: ( هو أول من سافر إلى زنجبار في إفريقيا لترويج الشرع ونشر التشيع )، وقال في موضع آخر: ( تشيع ببركته جماعة كثيرة من أهالي تلك البلدة)[18].
وهذا الكلام في القسم الأول منه؛ لا يعد كلاماً دقيقاً، إن لم أقل جانب الصواب، لكون التشيع في زنجبار سبق وجود السيد المرعشي بعدة قرون،
كما لا يمكن أن ننسى دور العمانيين الشيعة القريبين من زنجبار، وهي التي كانت خاضعة لدولة عمان منذ عدة قرون، وكان الوجود العماني يشكل قوة في زنجبار بمختلف أطيافهم الفكرية، إضافة إلى التجار الشيعة من مختلف الأقطار مثل الكويت والبحرين والقطيف بالإضافة إلى الأحساء،كانوا على حراك وتواصل دائم مع أهالي زنجبار من أجل بيع اللؤلؤ وغيره.
فخلال سنوات ضعف سوق اللؤلؤ في الأحساء، كان الباعة المتجولون من أبناء الصاغة( عوائل تجار الذهب في الأحساء ) يهاجرون إلى عمان لبيع اللؤلؤ، ومنها إلى زنجبار، لبيع ما لديهم يمارسون خلالها حرفة خياطة العبي لرواج البضاعة هناك، ووجود الطلب عليها، وقد تستمر إقامتهم لعدة شهور[19].
وإنما يمكن القول: إن السيد عبد الحسين المرعشي استطاع أن يؤسس الوجود الشيعي في العصر الحديث، ويرسخ قدمه ويبث الوعي الديني، ككونه قامة علمية، أقامت في زنجبار.
لذا عند وصول السيد هاشم إليها كان التشيع بدأ يأخذ طريقه ومجراه في زنجبار، مما جعله لا يشعر بالوحشة والغربة مع مختلف الأطياف الدينية، وإنما وجد عليه مسؤولية أن يسهم في بث الفكر الديني بما يملكه من معرفة قد تكون بسيطة نوعاً ما، فكان من ثمار احتكاكه بالإيرانيين المقيمين زواجه بواحدة منهم تدعى ( خديجة بنت غلوم )، أنجبت له أبنائه وبناته.
ومن ثم ليكمل الدور ولده السيد عبد المطلب، الذي أخذ يتلقى العلوم الدينية عبر التثقيف الذاتي تارة، والتواصل مع المحافل العلمية في الأحساء والعراق، تارة أخرى، وسنشبع هذه الجانب خلال السطور القادمة.
من قصص زنجبار:
في زنجبار كانت علاقة السيد هاشم وثيقة مع أبناء السادة (البو هارون) وهم أحفاد (الإمام المهاجر) أحمد بن عيسى المدفون في (ظفار) بعمان.
عرف بين أهالي زنجبار بحكمته، ورزانته، ورجاحة عقله، فصادف أثناء وجوده أن وقعت مشكلة بين قبائل من أصول عربية من الحضارمة، وبعض القبائل العمانية واحتدم الخلاف، حيث قتل فيها زعيم الحضارم واسمه (رسام)، حتى كاد يصل إلى نشوب معركة بين الطرفين وتراق فيها الدماء، فما كان من السيد هاشم إلا التواصل مع القبيلتين ومعرفة جذور المشكلة وحلها بالصلح بما يرضي الطرفين.
السيد هاشم في وجه الأسد:
ينقل السيد محمد بن السيد عبد المطلب بن السيد هاشم الحسن، حكاية يرويها، عن السيد حسين الصالح الأحمد العمدة السابق لمدينة الهفوف، عن والده السيد محمد، عن جده السيد صالح، أن جده السيد صالح الأحمد عزم على الذهاب لزنجبار لزيارة ابن عمه السيد هاشم الحسن، المهاجر إلى زنجبار، لغرض توطيد العلاقة وصلة للرحم.
يقول السيد صالح: عندما كان في زنجبار، ذهب في نزهة مع ابن عمه السيد هاشم للوقوف على معالمها التاريخية والأثرية وما تحويه من جمال سياحي وبهاء، فبينما هما يسيران قرب مكان يعرف بـ (بيت العجائب) ، وهو قصر الحكم في زنجبار، وإذا بهم يرون الناس في حالة هروب وهلع شديد، وعندما استفسروا عن الأمر، قالوا إن الأسد الموجود في حديقة الحيوانات القريبة من قصر الحكم، قد فرّ من القفص.
هنا يقول السيد صالح: أرادت أن أتبع الفارين؛ للنجاة بحياتي كسائر الناس، وإذا بالسيد هاشم يقبض على يدي بقوة، وكان السيد هاشم قوي البنية، ويقول: لماذا الخوف والفرار؟ نريد أن نتأكد اليوم من صحة الحديث المروي، بأن السادة لا تأكلهم السباع[20]، فإذا نحن سادة فلن يمسنا هذا الأسد بسوء، وإن كنَّا لا ننتمي إلى هذه الشجرة المباركة فالأفضل لنا أن نموت اليوم.
يقول السيد صالح: فأخذ السيد هاشم يتمتم وهو يقرأ ويقرأ، وما هي إلا لحظات والأسد أمامنا قد أقبل، وعندما أقترب منا، نحى برأسه إلى الأسفل وجلس في هدوء ودعه دون أن يمسنا بسوء.
يقول السيد صالح: فأخذه السيد هاشم وراح يمشي به إلى أن أدخله القفص وأغلق الباب عليه [21].
والقصة معروفة ومتداوله بين كبار السن في زنجبار، وهم يحكونها كلما صادفوا أحد أحفاد السيد هاشم عن جدهم ووقوفه أمام الأسد.
وفاته:
لا يعرف بالتحديد تاريخ وفاة السيد، ولكن المحتمل أنه في حدود سنة1370هـ، والتي سافر فيها إلى بيت الله من أجل أداء فريضة الحج، ووافته المنية في مكة المكرمة، لتكون مثواه الأخير.
ذريته:
خلف السيد هاشم أربعة من الأبناء وأربع من البنات، وهم:
أربع بنات: السيدة شريفة، السيدة علوية، السيدة شيرين، السيدة هاشمية.
أما أبنائه : السيد صالح ، السيد حسن ، السيد عبد الحسين، السيد عبد المطلب.
السيد عبد المطلب والنشأة العلمية:
ولد في زنجبار من أم زنجبارية من أصول إيرانية تدعى خديجة بنت غلوم[22]، حدود سنة 1345 فنشأ وتربى تربية صالحة، محب للعلم والمعرفة، يحمل في داخله طموحاً كبيراً ، وهدفاً سامياً، في بيئة متعطشة وأرض خصبة لبث الوعي الديني، والدعوة إلى الدين.
فكان متميزاً في دراسته، فقد بدأ حياته العلمية في المدارس الحكومية ، وارتقى في المراتب العلمية حتى كرمه سلطان زنجبار لتفوقه، بعدها توجه للدراسة الدينية على أيدي علماء الشيعة والشافعية الموجودين في زنجبار، وأن لم نقف على أسماء أساتذته من الشيعة ، إضافة إلى أنه تعلم وتثقف ذاتياً ساعده في ذلك ذهنيته الوقادة وهمته العالية.
ولكن من المؤكد أنه كانت له عدّة زيارات إلى العتبات المقدسة وبالخصوص النجف الأشرف، مما لا يبعد أنه تلقى بعض الدروس الدينية في الفقه والأصول والعقائد وغيرها.
بل المعروف أنه زار الأحساء عدة مرات، وكان شديد الصلة بالعلامة الأحسائي قاضي محكمة الأوقاف والمواريث السيد محمد بن السيد حسين العلي، وكان يستفيد من توجيهاته وتعليماته، وعلى تواصل دائم معه عبر المراسلات.
كما كانت له مراسلات واستفسارات بينه وبين المرجع الديني الكبير السيد محسن الحكيم(ت: 1390هـ)، في مختلف المسائل الشرعية التي تسجد معه في نشاطه الدعوي والديني ، بل لا يبعد أن يكون وكيلاً شرعياً عنه في زنجبار.
أما من أعلام المذهب الشافعي فقد تتلمذ على الشيخ عمر بن أحمد بن أبي بكر بن سميط ( ت:1396هـ )، وهو كبير الشافعية في زنجبار، وهو علم بارز وكان على علاقة وثيقة بالسيد عبد المطلب.
علاقة الفرع بأصله:
رغم الهجرة عن الأحساء، فإن العلاقة لم تنقطع بين السيد هاشم وذريته بأبناء عمومتهم، وبلدهم الأم الأحساء؛ بل بقي على تواصل دائم، وتمثل أول الأمر بزيارة السيد صالح الأحمد لزنجبار للحفاظ على الرابطة والصلة، كما قام السيد هاشم بتزويج ابنته السيدة شريفة بأحد أبناء عمها السادة الحسن في الأحساء، فكانت ثمرة هذا الزواج بنت واحدة.
أما السيد عبد المطلب فيظهر أنه كان على تواصل تام مع بلده الأحساء وأبناء عمومته ، وعلى الخصوص سماحة القاضي الشرعي لمحكمة الأوقاف والمواريث بمدينة المبرز السيد محمد بن السيد حسين العلي ( ت 1388هـ )، ففي أحد شهور سنة 1375هـ ، قدم من زنجبار إلى الأحساء، وإن خفيت عنا مدة مكوثه أو الغرض الذي جاء من شأنه، ولكنه وبعد رحيله كتب إلى السيد العلي رسالة من زنجبار مؤرخة في 23 / 11 / 1375هـ ، هذا نصها:
” حضرة الفاضل الجليل والعالم النبيل سيدنا ومولانا السيد محمد بن السيد حسين العلي متعنا الله بطول بقائه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه وأزكى وأشرف تحياته على الدوام.
أما بعد: فالداعي لتحرير هذا الرقيم إلى سماحتكم هو أنه منذ وصلت زنجبار لم يتيسر لنا أن نكتب إلى جنابكم كتاباً نعرفكم فيه عن وصولنا، والسبب في هذا القصور هو مما اعتراني من انحراف الصحة – وصلت زنجبار ولم تكن صحتي جيدة لأجل مرض البواسير الذي كانت دائماً أقاسيه وقد زادت علي الآلام في هذه المرة أكثر من السابق، وذلك من أجل المشقات والمحن التي أصابتني في السفر ذهاباً وإياباً- وعند وصولنا هنا، كنا ….عند الأطباء للعلاج، ولكن لم يفد ذلك حتى صرنا مجبورين بالمكوث في المستشفى للعملية الجراحية من هذه الداء المؤلمة التي كنت أكابدها منذ زمن طويل، ولكنها لم تؤثرني مثل هذه المرة- والحمد لله والمنة قد خرجت من المستشفى بحال السلامة بعد أن شفاني الله – الذي ﭽﯰ ﯱ ﯲ ﯳﭼ[23] ، وقد زال عني ما كنت أكابده من الآلام وشيئاً فشيئاً يرجع حالي، وتعود العافية إلى محلها، والحمد لله على هذه النعمة التي أنعمها الله عليّ.
فهذا هو الداعي عن تأخير إرسال الكتاب إلى سماحتكم ، فالرجاء من سيادتكم العفو عني وقبول العذر مني ( والعذر عند كرام الناس مقبول )، وإني دائماً أذكر أحسانكم، وصنيعتكم الجميلة، وشكري لجنابكم لا يقدر.فجزاكم الله خيراً.
ونرجو إبلاغ سلامنا على أنفسك المقدس، وعلى جميع أسرتكم الكريمة، وعلى من يحضر مقامكم الشريف، وعلى من يسأل عنّا.
ومن لدينا الأخوة السيد عبد الحسين والسيد حسن والسيد صالح وأولادنا السيد هاشم والسيد حيدر، والسيد محمد ، والسيد أحمد بن السيد عبد الحسين يهدون إلى سماحتكم جزيل السلام، ويلثمون أناملكم المباركة- والله تعالى يحفظم سيدنا .
الفقير إلى تعالى
عبد المطلب بن المرحوم هاشم بن السيد صالح الحسن الأحسائي”
والذي نستشفه من الرسالة أمور، تعكس شخصية السيد الحسن وبعض جوانب حياته:
– إن السيد عبد المطلب لديه ثقافة دينية وعلمية واحتكاك بالمجاميع الحوزوية، جعلته يفهم ويعرف اللغة والآداب التي عادة ما تستخدم في التخاطب مع الأعلام الكبار من التبجيل والتقديس بما يليق بشأنهم، وهذا السبك للعبارات لم تكن محض صدفه أو عبارات غير مقصودة وإنما تحميل دراية ومعرفة.
– أنه على تواصل دائم مع السيد العلي، وأنه اعتاد في سفراته إلى الأحساء، أنه بعد رجوعه إلى زنجبار أن يبعث للسيد العلي رسالة يطمئنه عن وصوله خاصة وأن الرحلة طويلة ويجوبها العديد من الصعوبات والمخاطر لذا قال في رسالته : ” لم يتيسر لنا أن نكتب إلى جنابكم كتاباً نعرفكم فيه عن وصولنا “، وذلك لإدراكه بأن السيد ينتظر هذا الكتاب من زنجبار.
– ” وإني دائماً أذكر أحسانكم، وصنيعتكم الجميلة، وشكري لجنابكم لا يقدر.فجزاكم الله خيراً ” في العبارة اعتراف بفضل السيد العلي عليه وإحسانه، وهو يظهر كبير ، وهو سابق وليس جديد، والذي يحتمل أنه دعم مادي سواء بشكل شخصي أو من أجل النشاط الديني والاجتماعي التي يقوم به السيد عبد المطلب في زنجبار.
دوره ونشاطه الديني:
– إمامة الجماعة: تولى السيد عبد المطلب إمامة الجماعة والصلاة بالمصلين، وكان يحضر للصلاة خلفه الشيعة وأبناء المذهب الشافعي على حدٍ سواء لما عرفت به منطقة زنجبار من مسامحة مذهبية وتآلف بين الفرق الدينية المختلفة فيها، خصوصاً بين الشيعة وأصحاب المذهب الشافعي[24].
– المشاركة في المناسبات الدينية: يشارك في المحافل والمناسبات الدينية التي تعقد، ومن أبرزها المولد النبوي، الذي يقيمه الشيعة والشافعية من أهالي زنجبار، فكان السيد يلقي ويشارك بإلقاء الكلمات والخطب في مختلف المحافل التي تقام.
– الخطابة الحسينية:عرف السيد واشتهر كخطيب حسيني مفوه، يحسن ويجيد إلقاء الكلمات، وإقامة المجالس الدينية، ويساعده في ذلك صوته الجميل الذي كان يأسر المستمعين ويدر دموعهم على مصائب أهل البيت عليهم السلام.
– المساهمة في إنشاء وتعمير المراكز الدينية: تشير رسالة ،كتبها الحاج ياسين بن عبد الله الرمضان المقيم في شوال سنة 1370 هـ [25] ، من البحرين إلى السيد محمد العلي يخبره بصعوبة الحوالة البنكية من البحرين إلى زنجبار للسيد عبد المطلب، وأنه سيجعها عن طريق ( بومبي ) بدلها، وهذا مؤشر إلى نزول السيد عبد المطلب إلى الأحساء قبل هذا التاريخ وشرح الظروف والحاجة المالية لدعم المشاريع الدينية في زنجبار، فكانت هذه الحوالة المالية استجابة لذلك.
كما يفهم إن السيد عبد المطلب كان شخصية فاعلة ونشطة دينياً، يبحث عن وسائل الدعم المالي لاستمرارية النشاط الديني، في أرض خصبة ومتعطشة للتعليم وبث الوعي، الأمر الذي أدركه السيد الحسن المقيم في زنجبار البعيدة عن المراكز الدينية.
وفي نفس الوقت لا حظ السيد نشاط مراكز التبشير والتنصير الأوربية على الأسر الفقيرة مستغلة الجهل والفقر المتفشي، لتوصيل أهدافها التنصيرية والاستعمارية، فكان دوره لهم بالمرصاد، وما دعم القاضي السيد محمد العلي إلا عن بصيرة بأهمية هذا الدور وإحساس بالمسؤولية لحماية تلك البلاد الإسلامية من براثن الغرب، ففي الحديث ” كلكم راعٍ وكلكم مسؤل عن رعيته”[26] .
مجزرة زنجبار عام 1964م:
من الوقائع والحوادث المؤلمة التي انحفرت في الذاكرة العربية في زنجبار، هي تلك المجزرة الرهيبة التي سالت فيها الدماء العربية على أيدي الأفارقة والقوات التنزانية، قضت بها عل سلطانهم فيها، وتعقبتهم قتلاً واعتقالاً واغتصاباً وتهجيراً، فذهب ضحيتها ما بين ( 5000 ) إلى ( 11000) قتيل غير الجرحى والمهجرين[27].
بدأت الأحداث الدامية في العاشر من يناير سنة 1964هـ، بقيادة جون أوكيلو السفاح المتعطش للدماء، والتي كان الغرض منها إنهاء الحكومة العربية وسلطتهم على زنجبار والذي كان لعدة قرون تحت حكم البوسعيديين العمانيين الذين نقلوا عاصمتهم إلى زنجبار، دعمه فيها الأفارقة من السكان الأصليين ممن لهم نقمة على العرب، فذكرت بعض التقارير المختلفة عدد الضحايا، فمنها تقرير يقول : ” إن ضحايا المواجهات كانوا 7915 ، منهم 1417من الأفارقة والبقية من العرب، كما أفاد التقرير أنه يوم 12 يناير تم احتجاز 14716 من نساء العرب وكبارهم وأطفالهم [28].في نفس الوقت وجه أوكيلو جنوده بعدم التعرض للاوربيين أو الهنود، بل كانت لهم مطلق الحرية بالتحرك في الجزيرة بصحبة الجند لحمايتهم[29].
ويذكر أوكيلو عن فداحة الجريمة التي اقترفها هو وجنده : ( أنه وجه عصبه الثورية لكسر مقاومة العرب بإطلاق النيران في كل اتجاه وقتل كل ما يعرض لهم ” رجلاً، نساء ، أطفالاً، عرجى ومكاسير، حتى الدجاج والمعيز ” ، وصب البنزين على بيوتهم وأحراقها عن بكرة أبيها بحريق عظيم، ثم وجه ضباطه لحصر الضحايا لاحقاً )[30] .
حتى بلغ عدد ضحاياه في يومه الثالث 13 يناير 11 ألف وتسعمائة وخمس وتسعين محارباً، وهلك 1631مدنياً، ولم يمت سوى تسعة من عصبة أوكيلو.
أما المعتقلين فقد بلغ تعدادهم 21ألف وأربعمائة وأثنين وستين، ويضيف أنه مع أن القتال والذبح لم يدم طويلاً ، صارت زنجبار أعنف الثورات في أفريقيا الأستوائية[31]، فقد ارتكبت المذابح بالهوية والمقابر الجماعية التي تقشعر لها الأبدان.
هذه مشاهد بسيطة تصور هول الجريمة التي ارتكبت بحق العرب، وتحويلهم من مواطنين إلى أعداء للوطن أعراضهم مباحة، ودمهم مهدور، وحتى بعد انتهاء المجزرة، بقيت أثارها لعدة شهور ليكون السيد عبد المطلب ومن معه، أحد ضحايا آثار تلك الجريمة البشعة.
فكانت نتيجتها أن فقدت زنجبار ربع سكانها العرب أو أكثر ، أما قتلاً أو تهجير ففي إحصائية أن عدد المهاجرين بلغ بين 5 ألاف إلى 12 ألف، معظمهم من أصل عربي، فالعرب الذين كان تعدادهم في إحصاء 1963م 50 ألف، بلغ تعدادهم بعد المجزرة ما بين 12ألف إلى 15 ألف بسب القتل والتهجير والهروب، وكانت اتجاه الهجرة في بادئ الأمر بين مصر والكويت ودبي، أما عمان لم ترحب بهم إلا بعد انقلاب سنة 1970م[32].
السيد عبد المطلب على طريق الشهادة:
كانت ليلة الثالثة عشر من شهر جمادى الأول لعام 1384هـ، الموافق لشهر سبتمبر لعام 1964م، تصادف وفاة الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام، وقد تجمع الناس في المكان المعروف بـ (محفل العباس)، لإحياء الذكرى وسماع المجلس الحسيني الذي يقرأه السيد عبد المطلب الحسيني الأحسائي، الخطيب البارع، والداعية البارز في البلاد.
بدأ المجلس والناس في حالة وجوم وحزن، والسيد منشغل بعرض المصيبة وما جرى على الزهراء (عليها السلام)من ويلات،وأثناء الخطبة دخل المجلس عدد من العسكر المدججين بالسلاح، يرأسهم أحد ضباط الحكومة التانزانية، وشرع في أطلاق النار على الحضور، وكان ممن أصابهم بالرصاص السيد عبد المطلب في رجله،وهو على المنبر الحسيني.
فصار الناس في حالة هلع كبير، وفوضى عارمة في محاولة النجاة بحياتهم من البطش والرصاص الذي أخذ يخترق المجلس يمنة ويسرى،والذي سقط على أثرها أربعة من الشهداء غير الجرح والمصابين.
هنا بقي السيد عبد المطلب على كرسي القراءة كالجبل الأشم، ودخل في حوار مع الضابط المسؤول، الذي سأل السيد الجريح:
الضابط: ماذا تفعل؟
السيد عبد المطلب: أقرأ مصيبة فاطمة الزهراء عليها السلام، وهي بنت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.ثم أخذ النقاش يحتد بينهما، والسيد الحسن يرد بكل شجاعة وجرأة.
فقال الضابط التانزاني للسيد في حالة غضب: قل لربك أني أقتلكم، ولا أبالي، فقام بإطلاق الرصاص على السيد عبدالمطلب الحسن حتى أصابته أربع رصاصات أخرى في جسده ، كانت فيها شهادته، وعمره حينها قرابة 39 سنة.
وممن استشهد معه في تلك الليلة السيد علي أصغر السيد حسين (75 سنة)، الطفل جمال عباس ( 10 سنوات) ، حجي عبد الحسين رمضان (80 سنة)، وحجي محمد حسن (65 سنة) .
فكانت مصيبتهم مصدر حزن وأسى لدى الجميع في زنجبار، فحضرت جموع غفيرة من السكان من أجل التشييع، وتم الصلاة عليه وعلى الشهداء ، كما صلى عليهم زعيم الشافعية في زنجبار القاضي الشيخ عمر بن أحمد بن سميط[33]، الذي حضر التشييع والدفن.
وكانت من نتيجة هذه الحادثة هجرت أبناء السيد عبد المطلب إلى دبي والإقامة فيها، وهم اليوم ممن يقيم بها.
الشهداء الخمسة الذين قتلوا في محفل أبي الفضل العباس ليلة وفاة الزهراء عليها السلام بزنجبار.
الشهيد السيد عبد المطلب السيد هاشم الحسن
من اليمين السيد محمد بن السيد عبد المطلب الحسن، كاتب المقال محمد علي الحرز ، سماحة السيد حسن اليوسف.
من اليمين السيد حسن اليوسف ، السيد محمد الحسن السيد محمد اليوسف ، السيد محمد السيد بن عبد المطلب الحسن الزنجباري ، السيد عبد المطلب بن السيد أحمد بن السيد عبد المطلب الحسن
وثيقة رقم ( 1 )
وثيقة رقم ( 2 )
وثيقة رقم ( 3 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
[1]– العالم الإسلامي والاستعمار السياسي والاجتماعي والثقافي، الأستاذ أنور الجندي، دار الكتاب الإسلامي: بيروت ، الطبعة الثانية : 1983م: 365.
[2]– وثائق تاريخية وجغرافية وتجارية عن أفريقيا الشرقية. المسيوجيان، ترجمة يوسف كمال، مطبعة القاهرة :القاهرة ، الطبعة الأولى:1345هـ – 1927م : 186.
[3]– الجمهورية الصومالية «الإقليم الجنوبي أو صوماليا»،الأستاذ عبد المنعم عبد الحليم، مطبعة القاهرة : القاهرة ، الطبعة الأولى: 1960م :199.
[4]– تانزانيا ، محمود شاكر ، مؤسسة الرسالة : بيروت ، الطبعة الأولى: 1391هـ – 1971م: 13.
[5] لم يذكر اسم القبيلة، ولعله تخمين من الكاتب لأن حقيقة الأمر في سبب هجرتهم غير معروف ولعله التجارة.
[6] هذا تخمين من الكاتب وهو غير صحيح لأن هذه القبيلة يمنية لم تشتهر في الأحساء.
[7]– زنجبار تاريخها وشعبها، وليام هارولد إنغرامز، ترجمة : د. عدنان خالد عبد الله ، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة : أبو ظبي ، الطبعة الأولى: 1433هـ – 2012م: 77.
[8]– خالص الشكر الجزيل لسماحة السيد حسن اليوسف الذي كان هو لدافع لكتابة هذا بما قام به من جهد طيب عبر توفير بعض الوثائق والمعلومات المهمة للبحث وإتاحة اللقاء بالسيد محمد بن السيد عبد المطلب الحسن، كما أشكر السيد محمد بن السيد عبد المطلب الحسن الذي استفدت منه كثيراً لمعرفة تاريخ الأسرة في زنجبار.
[9]– هكذا ورد تعريفه في وثيقة كتبة بأمر من أمير الأحساء الشيخ محمد بن عريعر أمير الأحساء وشيخها.
[10]مشجرة النسب أرسلها لنا مشكوراً سماحة السيد حسن بن السيد محمد اليوسف، من أهالي مدينة المبرز في 22ربيع الثاني 1439هـ .
[11]– مدينة المكلا عاصمة إقليم حضرموت وهي ثالث أهم مدينة يمنية بعد صنعاء وعدن. تطل المدينة على البحر العربي، ويقسمها خور المكلا إلى نصفين.
[12] التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لسلطنة زنجبار الإسلامية في شرق أفريقيا 1221 – 1367هـ / 1806 – 1947م ، ناجية محمد الصالح الخريجي، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتورة في جامعة أم القرى، سنة 1413هـ – 1993م : 61.
[13]– وكان المسلمين منهم أغلبهم من الطائفة الشيعية، وتكمن أهميتهم في الناحية التجارية. زنجبار تاريخها وشعبها ، مصدر سابق:31.
[14] – زنجبار تاريخها وشعبها ، مصدر سابق: 30.
[15] – التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لسلطنة زنجبار ، مصدر سابق:170.
[16] تنزانيا ، مصدر سابق: 7.
[17] تنزانيا ، مصدر سابق: 13.
[18]– إحقاق الحق وإزهاق الباطل، القاضي نور الله الشوشتري، مكتبة آية الله المرعشي النجفي: قم، الطبعة الأولى: 1409هـ:1/149.
[19] لقاء مع الباحث أحمد بن حسن البقشي في 27 جمادى أول 1439هـ .
[20]– في إشارة إلى الحديث المروي عن الإمام علي الهادي عليه السلام: ( لحوم ولد فاطمة محرَّمة على السباع ) ، راجع: الخرائج والجرائح ،قطب الدين الراوندي(ت: 573هـ)، مؤسسة الامام المهدي عليه السلام :قم المقدسة، الطبعة الأولى:1409هـ :1 / 405.
[21]– لقاء مع السيد محمد بن السيد عبد المطلب الحسن في منزل الحاج السيد محمد والد سماحة السيد حسن اليوسف في 22 ربيع الثاني سنة 1439هـ .
[22] أنظر وثيقة رقم ( 1 ) في نهاية البحث.
[23] الشعراء:80.
[24] لقاء مع السيد محمد بن السيد عبد المطلب الحسن ، مصدر سابق.
[25] راجع وثيقة رقم ( 3 ).
[26] بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي ، مؤسسة الوفاء : بيروت ، الطبعة الثانية: 1403هـ : 75 / 38.
[27] ثورة زنجبار 1964م هل العرب مواطنون ي أفريقيا أم مستوطنون؟، د. عبد الله علي إبراهيم ، دار المصورات للطباعة : الخرطوم، الطبعة الأولى: 2016م: 20
[28] – ثورة زنجبار 1964م مصدر سابق: 16.
[29] ثورة زنجبار ، مصدر سابق: 17.
[30] المصدر السابق: 17.
[31] ثورة زنجبار، مصدر سابق:18.
[32] ثورة زنجبار ، مصدر سابق: 21.
[33]– أفادنا بقصة شهادته وبعض معالم حياته أبنه السيد محمد بن السيد عبد المطلب الحسن في 22 ربيع الثاني 1439هـ.
Alahsa Turath تراث الأحساء






