صحونا مبكرا في صبيحة اليوم التالي استعدادا لبداية رحيلنا في ساعة مبكرة ، ولكننا كنا جديدين على الطرق والأساليب المتبعة في الجزيرة العربية ، وترتب على ذلك أن أصابنا الإحباط وخاب أملنا . فلم نر ولو مجرد أثر أو حتى إشارة إلى الإبل التي رأيناها بالأمس ، أو حتى القادمين الجدد إلى العقير . كانت زوارق الدهو لا تزال راسية في الميناء وبلا أي عمل ، وكان الشاطئ مثلما تركناه بالأمس عند غروب الشمس تتناثر عليه بالات الجوالات والاكياس ، ولم يكن عليه أي كائن من الكائنات الحية أو البشرية . وبدأت الشكوك تراودنا حول إمكانية أو احتمال بداية الرحلة في ذلك اليوم ، وبناء على ذلك قصدت إلى حيث يقيم الأمير لكني استنكر حنث الأمير في وعده . واعترف لي الأمير بعدم وصول الإبل ، ولكنه احتج مؤكدا أنها سوف تصل خلال وقت قصير ، اقترح على في الوقت نفسه أن الحمير ستكون أكثر إراحة لنا في الركوب، كان ذلك اقتراحا مشئوما ؛ إذ كان من الواضح أنهم لم يتخذوا أية ترتیبات بشأننا، وأنه حتى في حال وصول الإبل فسوف يتعين علينا ركوب دواب الحمل ( الحمير ) – وهذا هو ما حدث بالفعل . وحتى عندما كنت أتحدث مع الأمير في شرفة القلعة شاهدنا خمسة من الجمال تتحرك متثاقلة عند خط السماء وهي تنزل منحدر التلال الرملية ، وتعجب الأمير بشيء من الارتياح الواضح قائلا : “ها هي الإبل قادمة ، ونظرا لضعف الأمل في استعجال قدوم بقية القافلة عن طريق الانشغال بالحديث مع الأمير سارعت بالعودة إلى معسكرنا کي أبلغهم بأمور رحيلنا .
ومع ذلك ما إن هدأنا واستقر حالنا ورضخنا لانتظار غير مسمى حتى رأينا موكبا مهيا برئاسة الأمير ومعه مدير الجمارك وآخرون ، جاءوا إلى معسكرنا ليعلنوا وصول الإبل . وجاء معهم شخص يسر الخاطر ولكنه من النوع الثرثار ، هو سلطان ابن سويلم الذي أبلغني أنه شقيق عبد الرحمن أمير القطيف ، كما كان يحدثنی أيضا عن مهمة سرية سوف يوفده فيها ابن سعود نيابة عنه إلى مسقط ، وهنا بدأت أرض المعسكر تشهد العشرات من الجمال وعشرات من الحمير بصحبة الحمارين وحداة الإبل من الرجال والنساء ، وترتب على ذلك مشهد من مشاهد الفوضى التي لا يمكن وصفها ، برکت الجمال وتناثرت أمتعتنا هنا وهناك ، وقامت مجموعة من النساء الماهرات في تصنيف الأمتعة إلى أحمال تناسب قدرات الدواب المختلفة ، ورحن تصدرن قراراتهن على شكل صراخ وصياح كان ينبعث من خلف خمرهن السوداء المصنوعة من الموسلين الأسود السميك ، ويطلب من الجميع التزام الاحترام العام والطاعة .
وفي الوقت نفسه جرى تحميل الأمتعة الخفيفة على الحمير ، في حين بقيت الأحمال الثقيلة على الأرض بعد تصنيفها على جوانب الجمال استعدادا لتحميلها عليها ، ثم خيم السكون والهدوء على المكان من جديد نظرا لإبعاد الدواب والرجال غير المطلوبين عن المكان . وأنزلوا خيامنا ووضعوا الأحمال بدلا منها وأصبح الجميع على استعداد لبدء المسير . وجرى حجز ثلاثة من الجمال الواعدة کی نركب عليها ، في حين كانت بقية الإبل تزمجر وتكشر عن أنيابها في أثناء نهوضها ، أمام استبداد الرجال الذي لا يطاق ، واستأنفت الجمال مسيرها في اتجاه التلال الرملية في المدقات نفسها التي سارت فيها الحمير التي كانت قد سبقت الجمال .
وراح الأمير وهو يشير في اتجاه الركب الراحل مهنئا نفسه على حظه السعيد يوبخني حزنا منه على نفاذ صبري في الصباح قائلا : “كل ما ينتهی بخير فكله خير” ، ومع كل ذلك فالفرق طفيف بين الفجر والظهيرة . وطيبت خاطره بكلمات طيبة وساعة أعطيتها له هدية ، وقبل ظهر اليوم السابع عشر من شهر نوفمبر ركبنا الجمال وبدأنا رحلتنا إلى الداخل .
كانت جماعتنا مكونة منا نحن الثلاثة الذين كنا نركب الجمال بالإضافة إلى طباخ ورجل آخر يجيد الأعمال اليدوية اسمه أحمد ، انتقيناه عندما كنا على سطح قارب الاهو ، والذي هجرنا دون أن يحصل على إذن منا أو الحصول على أجره عندما وصلنا إلى جيشه disha إضافة إلى حرس مسلح مرافق مكون من أربعة أفراد ، وفرهم لنا أمير العقير ، إضافة إلى خمسة عشر حمارا يقوم على أمرها ستة من الحمارين ، فضلا عن اثنين وعشرين جم لحمل الأمتعة وتحت إمرة شخص يدعى عليا
من فخذ ابن شريب) من قبيلة مرة ومعه ثلاثة رجال أحدهم رجل عجوز هرم ، ركب المسافة بطولها وراح يتمتم لنفسه طول الوقت ، فضلا عن امرأتين ، وكلهم ينتمون إلى الفخذ نفسه . وركبنا نحن وحرسنا الحرس المرافق لنا على الطريق بطولها ، أما البقية باستثناء العجوز ، فقد تناوبت المشي والركوب ، أما النساء اللواتي حظين بإعجابنا المهارتهن التي تشبه مهارة القردة ، عندما كن يتسلقن جم” بعد أخر ليعدلن الأحمال ولشد الأحبال عندما لا يكن ماشيات ، فضلا عن أن مشيهن كان أكثر من ركوبهن .
للإطلاع على كامل الملف للمذكرات عن الأحساء من كتاب قلب الجزيرة العربية سجل الأسفار والاستكشاف(الجزء الأول) اضغط هنا
Alahsa Turath تراث الأحساء