الرئيسية / شخصيات تاريخية / الراوية الحاج علي بن عبد الوهاب المرزوق

الراوية الحاج علي بن عبد الوهاب المرزوق

أ. سلمان حسين الحجي

بقلم الأستاذ/ سلمان حسين الحجي

الراوية الحاج علي بن عبد الوهاب بن علي بن حسن بن علي بن حسن بن مرزوق ، من مواليد فريج الكوت بمدينة الهفوف عام 1345هـ ، تعلم قراءة القرآن الكريم في السابعة من عمره على يد عمه الملا عبد الله المرزوق . وأما القراءة والكتابة فتعلمهما على يد عمه الآخر الملا أحمد المرزوق ، وبعدها انتقلت أسرته عام 1352هـ إلى فريج الرفعة الشمالية ، لم يتمكن من الالتحاق بالدراسة الأكاديمية بسبب ظروفه المعيشية ، وواقع الانكماش الاقتصادي آنذاك ، إلا أنه كان مولعاً بقراءة  الكتب الإسلامية والتاريخية والأدبية . كما كان  يهوى الشعر، ويطربه نتاج عمالقة الشعر بالساحة العربية من المعاصرين والقدامى . كما أنه يحفظ  قصائد الشعراء البارزين كابن المقرب ، وهاشم الكعبي ، والسيد حيدر الحلي ، وغيرهم . عمل في بداية حياته بمهنة الحياكة ببيئة اشتهر فيها تزايد أعداد ديوانيات الحياكة ، والعاملين بها ، وكانت البداية لدى أسرة القرين من أهالي فريج  الرفعة الشمالية ، ثم عمل في  ديوانية الهلال وموقعها بفريج الفوارس ، واستمر في تلك المهنة حوالي خمسة عشر  عاماً ، ثم بدأ مشروع عمله الجديد بمهنة البناء  لمدة تزيد عن أربعين عاماً. وفي أثناء ممارسته لمهنة البناء عين على وظيفة حكومية بفرع وزارة الحج والأوقاف بالأحساء ، واستمر عمله الحكومي على وظيفة مهندس بناء لمدة اثنين وعشرين عاماً ، ثم بدأ ينتقل في دهليز الجهاز الحكومي من موقع لآخر وكان من أهمها قسم الصيانة، والإشراف على المباني ، وواصل عمله في الخدمة الحكومية إلى سن التقاعد ، وكان ذلك عام 1420هـ تقريباً.

فتح مجلسه لاستقبال الأقارب والأصدقاء والجيران من أيام شبابه ، ولا زال كذلك بمجلسه الحالي الواقع بحي اليحيى بمدينة الهفوف . وممن يتردد على مجلسه الباحثون، وكُتاب التاريخ ، والمهتمون بالشأن التراثي باعتباره مصدراً من المصادر التاريخية الشفهية ، كذلك يرجع إليه المتابعون للساحة الاجتماعية في العقود السابقة ، والمتشوقون للتجارب الأدبية آنذاك ، والموثقون لطرائف الجيل الماضي في مقدمتهم خاله : محمد علي  المرزوق . إضافة لهذا وذاك يتمتع الحاج المرزوق بعلاقات اجتماعية واسعة ، ومهارة في التعامل ، كما يتفنن في تمرير وجهة نظره لمناظريه ، ويشوق جالسيه بمخزون فكاهي لا ينضب ، ويتمتع بدماثة الخلق، وغير ذلك من السمات البارزة في شخصه .

وأما عن أبرز ما لفت نظري في شخصية أبي سعيد المرزوق ما يلي :

  • حافظة قوية على مستوى القرآن الكريم ، والأدعية ، والخطب البلاغية ، وقصائد الشعر العربي والشعبي .
  • ذاكرة قوية لمعلومات ثرية عن تاريخ الأحساء .
  • استحضار الكثير من الأحداث التاريخية والقصص والأشخاص عن فريق(فريج) الرفعة الشمالية .
  • تفنن في النقاش العقدي وإيضاح الحقائق بطريقة ماهرة .
  • بناء ذاته ، وتحد لواقعه ، وقدرة على تعلم بعض المهن بشكل ذاتي .
  • مهارة في بناء العلاقات ، ووفاء لأرحامه وأصدقائه .

يصفه شيخ المؤرخين جواد بن حسين الرمضان :

فقدنا أبا سعيد بموته كما فقدناه قبل ذلك بصعوبة تواصلنا معه حيث أتعاب الشيخوخة وكلفة صعود درج منزله الخارجي  ، ولقد استفدنا منه واستمتعنا بحديثه واسترجعنا معه الذكريات رحمه الله ، نعم الرجل ، وهو من القلائل من كبار السن ( جيل القدامى ) من يجيد الكلام ببلاغة وفصاحة  ، وقوة الذاكرة وحضورها ، فقد كنتُ أقول له : صفاتك الموجودة فيك متوفرة في صعصة بن صوحان بن حجر بن حارث العبدي .  يمتاز الحاج أبو سعيد بالأخلاق والسخاء والتواضع  والنفس العالية ، رجل بكل ما تعني  الكلمة من معنى لو حاصل له تعليم كان نبغ وأصبح من المشهورين على مستوى الأحساء ،  كان ماهراً في مهنة الحياكة ، وفي مهنة البناء ، وفي مهنة  الخياطة ، وفي القراءة الحسينية ، وفي كل مهنة عمل فيها ، تميز وترك بصمة فيها إذا جلس مع المشائخ فهو شيخ لديه من المعرفة الدينية الكثير ، وإذا جلس مع الشعراء فهو شاعر، وإذا جلس مع الخطباء الحسينيين فهو خطيب ، وهو اجتماعي بتميز ، وأعتبره شاهداً على العصر بمجتمعه ، يعرف معلومات قرن كامل من جيله ، وجيل من سبقه ، إضافة لما يقرؤه  في التاريخ ، ولأنه من أسرة برز منها المتعلم، ومعلم القرآن الكريم ، والماهر في حجته . وقد استفاد منه الباحثون لأن تاريخ الوضع الاجتماعي المعاصر كان متوفراً لديه إلى مئة سنة ، كما كانت لديه معلومات كثيرة عن أهل حارته فريج الرفعة الشمالية (  بالقرب من أخواله ) . عمه الملا أحمد بن عبد الوهاب المرزوق يمتاز بالحفظ ، وكان يقرأ الفخري في حسينية آل أبي خمسين ، وعمه الملا عبد الله بن عبد الوهاب المرزوق .

يصفه رئيس منتدى الينابيع الهجرية الأستاذ ناجي بن داود الحرز :

كما تسمعون أنتم ، كما تقرأون كنتُ أسمع وأقرأ عن شخصياتٍ استثنائيةٍ  عابرةٍ للزمن ، في شتى مناحي الإبداع والتفرّد ، ولم يكن يراودنا الحُلُم لأكثر مِن أنْ نستمتع بالمزيد مِن أخبار تلك الشخصيات ، ونستفيد مِن المزيد مِن تجاربهم في الحياة .

​أمّـا أن يجد واحدٌ منا نفسه فجأة أمَام شخصية مِن تلك الشخصيات الفـذّة ، وجهاً  لوجه ، ويعيش بجانبها ما يربو على الثلاثة عقود من الزمن الجميل ، فذلك حلم لم يخطر لي ـ  أنا شخصيّاً  ـ  على بال .

​ولكن القَدَر أبى ـ  ولله الحكمة البالغة ـ إلاّ أن يعوضني عن الكثير من الخيبات ، والمرارات ، بالتوفيق لحلاوة رفقة   ومصاحبة  ومحبة الرجل الاستثنائي في إيمانه ،  وفي ورعه و في تقواه ،  وفي أخلاقه ،  وفي سلوكه ،  وفي نبوغه ،  وفي علمه ، و في فكره ، الحافظ والراوية والملا والشيخ والأستاذ  أبو سعيد علي بن عبد الوهاب المرزوق ،  أحد أعلام واحة الأحساء ، وأحد شواهد عظمتها .

​قد يقول قائلٌ : إنك تبالغ في إطرائك لهذا الرجل   الذي لم يدخل مدرسة ، و لم يحصل على شهادة ، ولم يؤلف كتاباً، ولا شك بأني سأعذر من يقول ذلك ، لأنه – وبلا أدنى شك- لم يقترب من هذا الرجل بالقدر الكافي لمعرفته ، واستكشاف ما ينطوي عليه من معارف جمـّـة ، وتجارب غنيّـة ، وسجايا سامية . سيتمنى هـو حينئذٍ كما تمنيتُ أنا ـ  وما زلتُ أتمنى ـ أن يجد ولو القليل من تلك المعارف والتجارب والسجايا ، طريقَهُ إلى قلوب وضمائر الكثير من المتستّرين  خلف الألقاب المزيفة والعناوين الجوفاء.

​ويكفي هذا الرجل الذي لم يدخل مدرسة، ولم يحصل على شهادة، ولم يؤلف كتاباً, نشأتُهُ في أسرة عريقة واعية، وملازمتُهُ  منذ نعومة أظفاره للكثير من العلماء الأعلام، والأدباء، والفضلاء المرموقين، فقد تعلم القراءة، ودخل مدرسة الحياة باكراً، بوعيٍ كامل، وبذهـنٍ متوقد، وبألمعية نادرة .

توفي الحاج علي المرزوق في صباح يوم الإثنين الموافق 8/3/1439هـ ، ودفن في مقبرة البغلي ( الخدود ) ليلة الثلاثاء الموافق 9/3/1439هـ ، بعد الصلاة على جثمانه من قبل المؤمنين يتقدمهم سماحة الشيخ محمد بن صادق الشهاب.

شاهد أيضاً

عبدالله باشا السعدون في مواجهة فساد السلطة العثمانية في الأحساء

بقلم المهندس/ مصطفى طاهر الغزال اتسمت فترة الحكم العثماني الثاني في الأحساء (1288م -1331هـ/1871م – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *