بقلم الأستاذ / عبدالله الذرمان
عني بعض أهل التاريخ و الأدب بالكتابة عن الأحساء ، و كان من ضمنهم الأستاذ سليمان بن صالح الدخيل النجدي الذي صنَّفكتيبا سمَّاه تحفة الألباء بتاريخ الأحساء تناول فيه تعريفا مختصرا بأماكن في شرق شبه الجزيرة العربية و كان منها الأحساء فتحدث عن تاريخها و مدارسها و مساجدها و غير ذلك ، و النبذة حوت فائدة في جوانب عدة ، و في الوقت نفسه تجنى المؤلف على أهلها في بعض المواضع لا سيما عند الحديث عن عاداتهم و صفاتهم فأبقى تشويها تاريخيا ما زال قائما إذ لم تصحح بعض معلوماته ما عدا المقال الذي سطّره الأستاذ عبدالله بن أحمد الملحم في مقال نشره في صحيفة الجزيرة سنة 1428ه ، و أؤكد على أن أهل الأحساء ليسوا ملائكة و لا مثاليين فلا يقعون في الممارسات الخاطئة ، لكن النظرة الفاحصة و الشواهد التاريخية تثبت أن ما كتبه مؤلف الكتاب غير صحيح ، و لا يتماشى مع ما عرف عن أهلها و قال به البعيد قبل القريب.و أنقل للقراء الأكارم بعض النصوص حملت بين ثناياها تجنيا :
النص الأول:
( ما كان الأحسائيون على مثل ما كان عليه النجديون من الكرم ، و الشجاعة، و الثبات ، و الإقدام ، و النخوة ، و الإباء ).
النص الثاني:
( و هم لا يهتمون بالنظافة ).
النص الثالث:
( و ليس لهم اعتناء بأنفسهم لا من جهة الصحة و لا المأكول و الملبوس ).
النص الرابع:
( و أكثر أهلها ما بين إباضية و مبتدعة ).
النص الخامس:
( أصبح أهلها كلهم ( إلا قليلا منهم جعفريون ) حنابلة المذهب، و قد حسنت ديانتهم و صفا معتقدهم ).
و النصوص المذكورة عبارات مرسلة ، و لا مستند عليها ، و فيها تعميم غير مقبول. وقوله : ( ما كان الأحسائيون على مثل ما كان عليه النجديون من الكرم ، و الشجاعة، و الثبات ، و الإقدام ، و النخوة، والإباء ).
أقول: المقارنة تحتاج إلى معايشة و استقراء ، و في كل مجتمع الخير و الشر ، و الصفات الحميدة و الصفات الذميمة.
والعلامة محمود شكري الألوسي عالم بغداد جعل أهل الأحساء كأهل نجد في الخصال المذكورة قال في كتابه : تاريخ نجد: (أخلاق أهل نجد هي أخلاق العرب المحمودة و هي : الوفاء و الغيرة و صيانة العرض، و محاماة الدخيل ، و صدق اللهجة، و الشجاعة و الفروسية ، و مراعاة الحقوق و العهود ، و الذكاء المفرد ، و الحلم ، و سرعة الانتقال ، و حسن الخلق و الخُلُق ، و هكذا سكنة الخطة الأحسائية..).
و أما الكرم فإن الوثائق الشرعية دالة على صفة السخاء و العطاء في مجالات عديدة ، و بلغ الكرم مبلغا كبيرا ، فالميسورون من الرجال و النساء وقفوا و حبّسوا و سبلوا آلاف العقارات الزراعية و البيوت و الدكاكين في أوجه الخير التي يحتاجها المجتمع آنذاك و كان من أبرزها :
-إطعام الطعام.
-سقيا الماء.
-رعاية الفقراء من الأسرة.
-رعاية الغرباء و أبناء السبيل.
و من صور الكرم مجانية التعليم في المدارس الأهلية القديمة فقد وُجدت في الأحساء بعض المقومات التي جذبت العلماء و طلاب العلم ، حيث حرص كثير من علمائها القادرين على استضافة طلاب العلم و تسخير الإمكانات كافة ؛ من أجل تفريغهم لطلب العلم لا سيما في الجوانب الشرعية ، قال الأستاذ أحمد البشر الرومي الكويتي: (من المعروف أن في الأحساء آنذاك زمرة من الفقهاء المشتغلين بتدريس علوم الدين و اللغة، ويُضيّفون الطلبة على حساب ما يتقاضونه من ريع الأوقاف المكونة من النخيل و العقارات الموقوفة لهذه الغاية)، و قال الشيخ عبدالله بن عمر ابن دهيش عن شيخه الشيخ عيسى بن عبدالله العكاس: ( كان في بيته أكثر من ثلاثين طالبا من المغتربين من أهل نجد و عمان و قطر يقوم بنفقتهم من المأكل من ماله الخاص ) ، و في الأربطة كانت الاستضافة و التدريس بدون رسوم أو مقابل.
وأما النخوة فصفة عُرف بها أهل الأحساء فيما بينهم و مع من خالطوهم ، بل كان لبعض المدن و القرى و الأحياء و العوائل عبارات نخوة و منها :
-أولاد فضل.
-أولاد عامر.
-أهل العليا.
و قوله: ( و هم لا يهتمون بالنظافة ) فإنه كلام مرسل ، و كتابات بعض الرحالة إليها عكس كلامه قال أحدهم في وصف قرية الجشة: ( قرية صغيرة جدا …محاطة بالكامل بالأسوار و هي قرية مربعة طول ضلعها الواحد 300 ياردة ، و بكل جانب باب ، طرقها ضيقة ، و لكنها نظيفة ..).
و تداول أهلها كلمات دالة على أماكن مخصصة لقضاء الحاجة ، و من الكلمات التي رصدها من زارها كلمة السنداس و معناها :المرحاض.و أشارت عدة وثائق إلى سماح الواقف من الاستفادة من مكان الاغتسال جاء في وثيقة مسجد الشيخ محمد بن عبداللطيف الجعفري في سنة 1313هـ: ( و أذن لعامة المسلمين … بالبئر على من أراد الانتفاع من شرب و غسل و اغتسال و سائر أنواعه و سقي دواب و ملي جرار و أواني شرب ، و وضوء ، و الميضأة على من أراد الوضوء ، و سائر الانتفاع و المغتسل على من أراد الغسل من واجب و مستحب و تبرد و تنظيف ).
و كانت بعض المنازل في المبرز تحتوي على آبار ، جاء في إحدى الوثائق الشرعية : ( من جميع البيت المشتمل ..على دهليز و حوشين و إيوان و غرفة و بئر ماء ) ، و قدَّم وليم بلجريف لنا وصفًا لأحد المنازل في مدينة المبرز: ( و كانت غرف المنزل من النوع الصغير المفروش بالحصير ، أما نوافذه فقد كانت من النوع المنخفض ، و كان حوشه صغيرا ، كما كان به بئرا أيضا).
و اشتهرت الأحساء بكثرة العيون المائية ، و قد استخدمت في الاستحمام ، و تنظيف الملابس ، و في بعضها مكان مخصص للنساء.
و قوله: ( و أكثر أهلها ما بين إباضية و مبتدعة ).
أقول : لا يوجد أحسائيون إباضية و إنما عاش بعض العمانيين في مدد زمنية مختلفة للتكسب و هناك طلاب علم عمانيين من الحنفية و الشافعية وفدوا للتحصيل العلمي ، و أما التعميم بكلمة مبتدعة فغير مقبول و مردود.
و قوله : ( أصبح أهلها كلهم ( إلا قليلا منهم جعفريون ) حنابلة المذهب ، و قد حسنت ديانتهم و صفا معتقدهم ).
أقول : حنابلة المذهب كلام غير صحيح ، و لا يتفق مع الوثائق التاريخية ، بل هو قول دال على بُعد الأستاذ سليمان عن الأحساء و مجتمعها و جاء ما سطره عن سماع ، فالأحساء بلد المذاهب الفقهية الأربعة عند أهل السنة بالإضافة إلى المذهب الجعفري عند أهل الشيعة ، و كان لكل مذهب أتباع و علماء و مدارس ، و كان المذهب الحنبلي أقل المذاهب أتباعا قديما و في المدة القريبة من المؤلف كان منتشرا في حي النعاثل و حي الرفعة قال السيد محمد رؤوف الشيخلي : ( أما خارج الكوت فالنعاثل كلها حنابلة ) ، و لا غرابة في ذلك فالنعاثل كانت مقرا لكثير من الأسر النجدية كـ الطوق و المزروع و الحسين و الباهلي.
و قوله : حسنت ديانتهم و صفا معتقدهم ، كلامه عام و مرسل ، و لم يقدم شواهد تبين أوجه التحسين ، و كون وجود خلاف في بعض المسائل لا يلزم منه هذا الوصف ، و أهل الأحساء لهم دور كبير في الدعوة و الإرشاد و التدريس ، و إقامة حلق القرآن الكريم ،و بناء المساجد في داخل الأحساء و خارجها كالبحرين و الهند ، و كان بعض النجديين في ساحل عمان يُرسلون لبعض علمائها رسائل للاستعانة بهم في التصدي لموجات التنصير ، و لهم علاقات وطيدة بأئمة الدولة السعودية و حكامها كالإمام فيصل بن تركي و الإمام عبدالله بن فيصل و الإمام سعود بن فيصل و الإمام عبدالرحمن و الملك عبدالعزيز ثم من بعده أولاده الملوك البررة.
المصدر / صحيفة الأحساء نيوز
Alahsa Turath تراث الأحساء