الرئيسية / مقالات / ملامح الحياة الاجتماعية لسكان مدينة الهفوف(الجزء الأول)

ملامح الحياة الاجتماعية لسكان مدينة الهفوف(الجزء الأول)

بقلم الدكتور / محمد جواد الخرس

د. محمد جواد الخرس

أحدث اكتشاف النفط هزة عالمية أتت على الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية في مجتمعات دول العالم.

وما مجتمع مدينة الهفوف إلا واحد من تلك المجتمعات، ونتعرض هنا لتلك الهزة التي طالت تركيبتها السكنية، وأنماط حياة سكانها الاجتماعية، في مراحها الأولى بعد اكتشاف النفط، كما نتابع آثارها في مرحلة الطفرة الاقتصادية التي مرت بالبلاد، وما بعدها.

عند الحديث عن ملامح الحياة الاجتماعية لسكان مدينة الهفوف قبل اكتشاف النفط، يلزم الأمر الانسلاخ من كل ما خلعته الحياة المدنية علينا في سنواتها الماضية، وأن نعود إلى حياة الدهاليز وبيوت الطين، حياة ملؤها البساطة والعفوية.. إلى حياة تضمخت أجوائها بعبق الماضي السحيق.

فعلى الرغم من أن إيقاع الحياة لا يزال منذ الأزل منذ الأزل يسير بخطى حثيثة نحو الأمام كسنة جارية، إلا أن ذلك الإيقاع ليس على نحو إيقاع حياتنا اليومية العصرية، التي ما إن تكاد تدهشنا أساليب حياتية حديثة حتى يجيء ما هو أحدث منها ليُنسينا تلك الدهشة بدهشة أخرى أعظم منها.

أما في الماضي، أيام حياة الآباء والأجداد فقد كانت الحياة على النقيض منها، كانت عربة الحياة فيها تسير ببطء، فالجديد تحت الشمس قليل جداً، اليوم كأمس، وأمس أمثاله بين الأيام كثير، إلا قل وندر.

عليك أن تتخيل أن ما يرثه الأبناء آنذاك من أجدادهم من بيت أو أثاث، أو وسيلة نقل سيضل هذا الابن يستفيد من منافعها سنين طويلة، ثم يورثها لأبنائه من بعده. وحتى يتم وصف حياة آبائنا الماضين وأجدادهم، فإنه من الأهمية بمكان أن تكون حول واقعهم الاجتماعي والاقتصادي والعلمي، وهذا لن يكلف كثيراً من العناء؛ لأن ما يلزم وصفه هو قليل بحد ذاته.

كان لي اكتشاف النفط انعطاف كبير في حياة سكان مدينة الهفوف، تداعت تأثيراته على أفرادها جيلاً بعد جيل بشكل تصاعدي، غير أن أثره على الجيل الأول كانت له مفارقاته الملحوظة بين القديم والحديث، إذ كثيراً ما يؤرخ الأجداد عن أحداث ماضيهم بالفصل بين المرحلتين.

فنجد من كان يورد في سياق حديثه عند الحكاية عن أيامه السافة كلمة “اكتشاف النفط” وهم قلة، وبعض منهم كانوا يكتفون بالإشارة إلى آثار اكتشافه كدخول بعض التقنيات الحديثة في حياتهم مثل الكهرباء، والغالبية يختصرون المقام في سياق الحديث بقولهم: “أيام أول”: وأيام أول تلك تعني قبل اكتشاف النفط.

وفيما يلي بعض ملامح التغيرات التي طرأت على أحياء مدينة الهفوف بعد عهد النفط:

1- هدم أسوار الهفوف وذلك في بداية عام 1377هـ.

2- فتح شوارع رئيسية، وتعبيدها بالإسفلت عام 1376هـ، أشهرها الشارع الملكي، والشارع العام المار بمحاذاة القيصرية؛ حيث أُقيم على أساسات سور الكوت، كما فُتحت بعض الشوارع في حي الكوت، والنعاثل، والرفعة.

3- دخول التيار الكهربائي في بعض الشوارع والمنازل إلى 500منزل عام 1377هـ، بتأسيس من شركة أهلية شاركت فيها بلدية الأحساء بمبلغ 100000ريال، وكان مجموع ما رصدته البلدية لإنارة شوارع الهفوف والمبرز مبلغ 160000ريال.

4- دخول شبكات المياه في 1230منزل وذلك عام 1377هـ، بتأسيس من شركة أهلية.

5- بناء سوق للخضار، والفواكه، واللحوم، وكذا عشرين محلاً تجارياً عام 1377هـ من قبل البلدية.

6- فتح المستشفيات.

7- تأسيس بعض الصناعات الضرورية مثل مصنع للثلج من قبل الشيخ ياسين الغدير عام 1377هـ، ومصنع النسيج.

ولم تنته تداعيات النفط وتأثيراته على الحياة الاجتماعية لمدينة الهفوف، بل حدثت طفرة اقتصادية من عام 1395هـ، وحتى 1415هـ؛ على أثر ارتفاع أسعار النفط الخام، حيث تدفقت على أثره سيولة مالية كبيرة، وتم توظيفا في مشاريع تنموية عملاقة شملت جميع القطاعات الحيوية في البلاد.

وخلال هذه الفترة تغيرت فيه الملامح الحياتية لسكان مدينة الهفوف بشكل كبير على نحو إيجابي، اجتماعياً واقتصادياً وعلمياً، مع احتفاظهم الكامل بجميع ملامحه الثقافية سواء منها المنبثقة من عمق ولائهم الديني الإسلامي، أو مما اكتسبته من خصائص عائلية توارثته الأجيال كابراً عن كابر، وأبرز تلك الملامح ما يلي:

1- تأسيس صندوق التنمية العقارية من قبل الدولة لإقراض المواطنين لبناء الوحدات السكنية.

2- التوسع في النطاق العمراني حيث تم وضع خطة شبكية تمثل قاعدة أساسية للامتداد العمراني في الناحية الشمالية والجنوبية والغربية لمدينة الهفوف والمبرز، وذلك على طريق الظهران، وطريق الرياض القديم والجديد، وطريق قطر، وطريق الإستاد الرياضي، وتعبر الأحياء السكنية النامية في هذا النطاق العمراني أكثر تحضراً من ناحية المظهر العام والتخطيط والبناء؛ حيث الميادين الفسيحة والشوارع العريضة التي قد يصل عرضها ما بين 40-60 متراً، كما تتميز بوجود تناسق بين المباني من حيث الارتفاع والنظام المعماري.

3- زيادة في الطاقات الكهربائية المتاحة للمستهلكين. وكذلك شبكات المياه، وذلك لتغطية الزيادة العمرانية الواسعة.

في نهاية عام 1415هـ، بدأت أسعار النفط الخام في التراجع، مما أدى إلى انحسار أكبر طفرة اقتصادية مرت بها البلاد في تاريخها الحديث، وبذاب هذا العهد تلاشت فرص الكسب السريع، وعادت معدلات النمو الاقتصادي إلى معدلاتها الطبيعية، إلا أن آثارها العصرية على الصعيد الاجتماعي لا زال سارية المفعول، بل وفي حالة نمو مطرد مع إيقاع الحياة المتسم بالتغيير والتطوير المذهلين؛ لأن الأيام عودتنا بأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء أبداً.

مفردات بيئتهم المنزلية:

مصادر مياه الشرب:

قُبيل اكتشاف النفط كان المصدر الوحيد للماه لسكان مدينة الهفوف عيون ماء للشرب تتوسط بيوتهم، يأخذون منها حاجتهم عن طريق الدلو، إذ عادة ما تتوسط العين مجموعة بيوت تلتقي زواياها في جانب العين، وعادة ما يبلغ عمق البئر أربع قامات، وتطوى جدرانها (تُليّس) بالجص البكري، مع أخذ الاحتياط عند نزول أحدهم وذلك بعمل تجاويف في جدار العين من الجانبين لتساعده على تسلق الجدار.

أما أعلى البئر فيُبنى بطريق تُعطي جميع المساهمين فرصة الاستفادة من منافعه، فتجد كل واحد منهم قد حجز منظر كل منهم عن الآخر ببناء، وقد وضع كل صاحب بيت صخرة (فرش) على الزاوية التي تخصه ليضع الدلو عليها، غير أن أصوات احتكاك الدلو في العين وخرير الماء المتدفق منه عند سحبه مليئاً بالماء أمر مألوف بينهم، وكذا التنبيه بعدم سحب الماء منه عند سقوط بعض الحيوانات كالقطط أو الدجاج حتى يأتي من يخرج الميتة، بعدها على كل بيت أن ينضح عدد من الدلاء لتطهير العين شرعاً.

وبعد اكتشاف النفط انتهت فاعلية الأعيان، وتلاشت معانة جلب الماء بالدلو، بدخول شبكات المياه إلى المنازل؛ حيث تم تمديد المواسير (الأنابيب) في البيوت في الدور الأرضي فقط وفي مكانين أثنين لا ثالث لهما، إلا ما قل وندر إلى جنب العين لملاءمة ذلك من حيث المكان قديماً، وآخر عند أقرب مكان جنب موقد الطبخ، ولم تنته تلك الألفة المعهودة فيما بينهم على مصادر المياه بعد إدخال الشبكة، بل تجددت من خلال عفوية الطلب باستخدام مصادر الطرف الآخر لقوة تدفقه، أو لحرارة وسخانة الماء عنده على سبيل المثال.

أما في عهد الطفرة الاقتصادية فقد كان لمستوى دخل الفرد أثر على نوع ومستوى وحدته السكنية، ومن مظاهرها وفرة المياه عبر شبكات توزيع المياه. ومما يميز هذه الفترة بعد تجديد أماكن السكن للبعض، هو زيادة عدد نقاط استخدام المياه، فبعد أن كانت في بيوت الطين لا تزيد في البيوت الصغيرة عن نقطتين أو ثلاث وفي البيوت الكبيرة أربع أو خمس، نجدها في المساكن الجديدة زادت بشكل مضاعف؛ لزيادة عدد دورات المياه من جانب، فبعد أن كان لا يزيد عددها عن دورة مياه واحدة، ومسبح، صار في البيت الواحد بما لا يقل عن أربع دورات مياه، ومن جانب آخر كثرتها في نفس الوحدة. وعليه تجد في الوحدات السكنية الصغيرة والمتوسطة مالا يقل عن 12 نقطة تقريباً.

تبريد الماء والفواكه والألبان في فصل الصيف:

حيث لا توجد ثلاجات كهربائية لتبريد الماء والفواكه والألبان إلى حين تناولها، كانت سكان مدينة الهفوف يبردون الماء، بوضعه في قلة خزفية (مصخنة)[1] ، وعادة ما توضع هذها لقلال على كرسي من الخشب، ونظراً لنداوة المكان؛ فإنه يتكون تحت كرسي المصاخن رطوبة يُستفاد منها في تبريد الفاكهة والتي لا تتعدى آنذاك الرطب، والتين، والخوخ، والجح، والبطيخ، والطروح، كما يوضع إلى جوارها دبة[2]  للبن بعد خضه وتجهيزه للشرب، أو اللبن الزبادي (الروب)، وعادة ما يكثف هذا الجو الرطب باستخدام الخياش؛ حيث تبلل بالماء على الدوام وتغطى بها الفاكهة.

وتطور الحال إلى الأفضل بعد وفرة الثلج الذي كان يُشترى من البقالات الكائنة في الحي، فكان من الطبيعي أن يكون أفضل مكان له تحت كرسي المصخنة للتبريد أيضاً، ويغطى كغيره بالخيشة حتى لا يذوب، أما إناء الشرب فقد يكو من المعدن (طاسة) أو من الخزف، هذا إذا كان الماء يسكب من المصخنة مباشرة،أما إذا تم تبريد الماء في (الحب)[3]  فيغرف منه بواسطة (الطاسة)، أو, كاس معدن، وقبل ذلك كان يستخدم من الفخار.

ولم تقصر لمسات التقنية بعد اكتشاف النفط على دخول الماء فقط، بل تلاه دخول الكهرباء إلى المنازل، وهذا بحد ذاته أدخل لماست ترفيهية لم تكن معروفة، ولعل أهمها الثلاجات الكهرباء لتبريد الماء بدلاً من المصاخن (القلال)، وإن كانت الاستجابة لم تكن سريعة إلى تلك الدرجة؛ مراعاة للناحية الصحية، وتجنباً لحالات البرد، وأخرى لكون طعم الماء من المصخنة ألذ وأشهى من قارورة البلاستيك أو الزجاج عند الكثيرين، وعليه فقد بقيت مصاخن الماء إلى جنب الثلاجة، والحجة أيضاً تبرد بلفها في خيشة تحت كرسي المصاخن، ولكن هذه الظاهرة بدأت تتبدد شيئاً فشيئاً؛ حتى حلت محلها الأجهزة الكهربائية بشكل كامل.

مستودعات الأكل:

قُبيل اكتشاف مكان هناك عدد من المستودعات (المخازن) التي تُحفظ فيها الأمتعة والمواد الغذائية وهي:

1- مستودع للحبوب والرز والسمن.

2- مستودع للسمك المجفف (الحساس) والربيان.

3- مستودع للتمور، وكان يُسمى بالجندوج: وهو مستودع للتمور، وسُمي بالجصة؛ لأنه معمول من مادة الجص على هيئة غرفة صغيرة مقسمة من الداخل بحواجز قصيرة يوضع في كل جزء نوع من التمر مثل الخلاص، الرزيز، والشيشي. وفي واجهة الجصة يوجد أربع فتحات سعة الواحدة منها 60 في 80 سم، وفي أسفل الواجهة من الخارج حوض صغير مبلط ومحكم الغطاء يصب فيه عسل التمر (الدبس) وذلك من خلال فتحات صغيرة، ويُحفظ في المستودع المذكور مالا يقل عن 1500 كغم من أنواع التمور؛ لأنها تعتبر مصدراً غذائياً هاماً في حياتهم، وكذلك ليعينهم على تأمين غذائهم في حالات الحصار، بالإضافة إلى الحبوب والسمن والوارد ذكره.

أما بعد اكتشاف النفط فقد ظلت مستودعات الأكل كما هي إذ لا علاقة للتقنية بها، ولكن كمية التخزين قد قلت ليسر توفره في الأسواق، كما أن كثرة تناول الودمة (الحساس – المشاق) بدأت تتلاشى؛ وذلك لليسر المالي من جهة فصار تناول اللحوم سواء منها الحيواني أو الطائر أكثر يسراً هذا فضلاً عن إمكانية أكل السمك غير مجففاً؛ وذلك يعود لنشأة شركات صناعة الثلج على أثر دخول الكهرباء، وإمكانية نقله من الساحل إلى داخل المدينة دون أن يتّلف. أما (جندوز) التمر و (الجصة) فقد ضلتا على حالتيهما لأهمية التمر بالنسبة لهم إذ تكاد أن لا تخلو وجبة منه خصوصاً في وجبة الغداء.

وقد ترتب على زيادة دخول الأفراد في عهد الطفرة الاقتصادية، وفرة المواد الغذائية في الأسواق مم أدى إلى عدم الحاجة للتخزين من أجل تأمين الأكل لفترة طويلة، وإن كان هناك تخزين، إنما من أجل اليسر والسهولة في التناول، بدلاً من الذهاب إلى مراكز البيع بالجملة أو التجزئة في كل حين.

أما التمر فلا يزال يحتل مكانته من حيث التخزين، ويصل الحد إلى التسابق لاقتناء الأفضل، وربما التفاخر ولو من باب المزاح. وهو لا يزال ملازماً للقهوة العربية عند إكرام الضيوف، وعلى وجبة الغداء كذلك. وفي هذا العهد اختلفت طريقة التخزين عن السابق، فبدلاً من الجندوز أو الجصة، صار يخزن في الصنايق المعدنية، إما نثراً أو في أكياس بواقع 5كجم، في الواحدة أو أقل حسب الرغبة، ويودع الصندوق في مكان دافئ، ويوضع عليه ثقلاً إسمنتياً كفيلاً بضغط التمر إلى حد خروج شيء من دبسه؛ لضمان جودته عند الأكل إذ الأجود هو التمر الذي يكون مكسوا بدبسه عند الأكل.

الغرف السكنية:

هناك أسماء متعددة لكل عنصر سكني في البيت حسب موقعه، فهناك (الحوي) وهو فناء البيت، تكتنفه عدة غرف، والغرفة المباشرة إلى الفناء تُسمى (دار)، أما إذا كان في داخلها غرفة أخرى سميت (ليوان) وإذا كان في داخل (الليوان) غرفة صغيرة سميت (مخيشة) وعندما تكون الغرفة كبيرة سميت (الليوان الداخلي)، وأخذت الغرفة الأولى أسم (الليوان الطالعي)، أما إذا كانت الغرفة يصعد لها بدرج فتسمى (كندية) أما أسقف المنازل فبعضها مبني بخشب (الكندل) والبعض بجذوع النخيل.

كان لأسباب أمنية أملتها ظروف الحياة في الأحساء القديمة من جهة، وللحالة الاقتصادية بشكل عام من جهة أخرى، أثر كبير في تصميم المساكن والطرقات، حيث من الأهمية بمكان أن تظل عدد المساكن محدودة كافية لعدد السكان بشكل يسهل السيطرة على وضعها الأمني بالحراسة، والتسوير كما دلت على ذلك خرائط المؤزخين عن الهفوف، حيث يشيرون إلى وجود سور حول الكوت وسور حول أحيائها المتمثلة في الرفاعة، والنعاثل، وهذا مما لا شك فيه قد أثر على عدد المساكن في البيت الواحد؛ حيث تجد الغرفة أو الغرفتين يسكنها جل أفراد الأسرة يجلسون فيها، ويأكلون، وبعضهم يضيفون فيها.

أما استخدامها للنوم عند القيلولة (الظهر) أو أيام البرد فهو أمر طبيعي؛ حيث يكتفي بفرش المراقد عند النوم، وتطوى بعده لتوضع في مكان مخصص لها إما في الليوان الداخلي في الغرفة، أو في إحدى زواياها، وعندما نقول بيت فإنه البيوت آنذاك تتفاوت في كبر مساحتها ما بين 600 ذراع، و150 ذراع تقريباً، بما فيها المطبخ الذي لا تعدو مساحته أكثر من أربعة أو ستة أذرع، ودورات المياه على كل حال هي دورة مياه واحدة فقط إما في حوش الماشية، أو إلى جانب الطريق المؤدي إلى خارج البيت، ومساحته لا تعدو أكثر من مساحة المطبخ أو أقل.

وفي ضل هذا الضيق والنقص في عدد المساكن، كانت الكثير من الحاجات مكبوتة، ومعطلة داخل الخواطر والنفوس، عير أ،ه صار لها متنفساً فيما بعد، عند تحسن الأحوال الاقتصادية، وذلك بالبحث عن مساكن أوسع، خاصة منها تلك المنازل انتقل منها ساكنيها إلى الأحياء الجديدة في الثليثية، والمزروعية، الصالحية، والفاضلية..

أما في عهد الطفرة الاقتصادية، ومع تطور الوحدات السكنية، تلاشت مسميات مساكن (أيام أول)، وحلت محلها الأسماء الجديدة، فالحوي الذي كان مفتوحاً إلى عنان السماء كمتنفس للهواء المطلق، تطل من خلاله أشعة الشمس منقية أجواء البيت بإحدى أيسر الوسائل الطبيعية، حلت محله (الصالة): وهي لا تعدو أنها غرفة من غرف البيت من سقف ونافذ ولا يميزها غير كثرة الجلوس فيها، ومكان تجمع العائلة فقط، أما مسميات (الدار، المربعة، الليوان، والكندية) فقد انتهت تماماً، وسد محلها جميع مسمى (حجرة) أو (غرفة) دون مراعاة موقعها من حيث المكان، بعد أن كان لك موقع مسمى خاص بها.

أما أرضيات الغرف فقد غطيت بـ(الموكيت)، ومن فوقه أحياناً يوضع السجاد، بحيث لا ترى لأرضي الغرفة لا أسم ولا رسم، كل مكان مفروش عدا دورات المياه والمدخل والتهويات. أما خزائن الملابس فبدلاً من صندوق (السيسم) و(الكبتات) الفردية، فقد حلت محلها أطقم غرف النوم المصنوعة من خشب موحد الألوان والموديلات.

وفي خضم تحديث المساكن اختفى (الوجاغ) من المجالس الذي يعد أحد أبز رموز التراث العربي، ومعه اختفت أيضاً (دلال القهوة النحاسية، والمحماس، والمنفاخ) ولم يبق غير (المبخر، والمرش) للطيب، وذلك لعدم منافاتها مع متطلب الحفاظ على المجلس نظيفاً من الدخان وروائح الحطب المحروق، وما يترتب عليه من رماد وما شابه، إذ من الممكن أن يعد (الجمر) داخل البيت ويوضع بعد ذلك في (المبخر)، ولعل هذا التحول يعد من أبرز آثار المدينة على مفردات التراث العربي الأصيل.

أثاث المساكن:

قبل عهد النفط، تتراوح تأثيث المنازل حسب الإمكانيات المادية، فالميسور كان يضع في غرفة نومه سرير (كرفاية) وإلى جورها (صندوق منجم – سيسم) دولاب لحفظ الملابس والعطور، وكذلك النقود، والبعض منهم كان ينام على الأرض وملابسه يضعها في (سحارة) صندوق خشب كبير.

أما فرش المجالس فالميسور مالياً كان يضع مراتب ومساند وتكيات من القطن. وأرضية المجلس مغطاة بالسجاد الإيراني، والأقل مستوى يضع مراتب ومساند وتكيات محشية بليف النخيل، والأرضية مغطاة بـ(المدة) حصير مصنوع من أعواد الأسل، والبعض الآخر يكتفي بـ(المدة) دون أي مراتب أو مساند أو تكيات.

وكان من العناصر الرئيسية في المجالس (الوجاغ) المكان الذي تعمل فيه القهوة، حيث لا يخلو المكان من مجموعة دلال عادة ما تُلمع عند الصفارين لتبدو زاهية للعيان، وبعض منها تضل قديمة، وإلى جوار الدلال (المنفاخ) ويستخدم لإشعال النار، و(المحماس) لتقلية القهوة فيها، و(الهاون) وهو إناء نحاسي سميك يُستخدم لدق الهيل والقهوة، وتطور الأمر إلى وضع مطاحن القهوة اليدوية. هذا بالإضافة إلى (المبخر)، و(المرش) لرش ماء الورد، و(الإبريق) للوضوء ولغسل اليدين قبل الأكل وبعده.

أما بعد اكتشاف النفط فقد ترجم السكان رغباتهم الملحة في توسيع مساكنهم؛ حيث صارت الغرفة الواحدة التي يسكنها في الماصي أسرة بكاملها، تختص بفرد واحد أو اثنين. أما من يحث مسميا مرافق البيت فقد ضلت موروثاً عائلياً لم يتغير؛ حيث لازالت مسميات (الحوي، والليوان، والمربعة، والكندية، وسطح البارقة، والدهليز، والروشن…إلخ) إذ لا داعي للتغيير فالبيت هو البيت، ولك ما طرأ عليه ربما لم يزد عن أعمال ترميم لها، فبدلاً من أنها كان تمطوية بالطين المخلوط بالتبن، طويت الجدران منها بالجص، وتطور المر في بعض منها بالصبغ، بالنورة المخلوطة بالألوان لاسيما الأزرق الفاتح منها، أما ما تم ترميمه بالطابوق والأسمنت، فصار من الطبيعي أن يصبغ بأنواع أكثر حداثة.

أما مكونات مجلس الضيافة لدى العائلة من (دلال قهوة نحاسية، ووجاغ، ومرش، وأبريق، ومبخر) فقد ضلت شامخة الحضور في ضيافتهم لدلالتها التراثية التي تعكس عمق الثقافة التي حملوها عبر الأجيال، إذ لا زال آبائنا الذين لحقوا عل فترة الانتقالية تلك وما داخلها من ملامح تغيير، يتذكرون اهتمام محمد بن حسين بن عبد المحسن الخرس بإعداد القهوة، وحمس حب القهوة, وطحنها، وكذا الهيل لكل دله قهوة يقوم بإعدادها في مجلسه، حيث الوجاغ في صدر المجلس إلى جانبه.

كما لفت انتباه الضابط العراقي العثماني لما زار الأحساء، وقد وجد الوجاع في صدر مجالس الأحسائيين عن يمين صاحب المجلس ومن يساره صباب القهوة، فاستشهد بقول الشاعر:

* لنا الصدر دون العالمين أو القبر *

المطبخ:

قبل عهد النفط كان يسمى بالموقد، حيث الطبخ بالحطب وسعف النخيل وسعف النخيل وجذوع النخل وكربه، هذا بالإضافة إلى (القصل) أعواد الفاكهة كالرمان والتوت والتفاح، وكذا حطب (الغضا) وهو من أشد حطب الطبخ تحملاً وقوة.

ولتجهيز مكان النار، عادة ما تعد حفرة النار من الفخار وعمقها لا يتجاوز 10سم، وذلك لحفظ حرارة النار عن التسرب إلى داخل الأرض، وهو عمل الميسورين بينما البعض يكتفي بالجزء السفلي من (المصخنة) إذا انكسرت فيضعها، محيطاً بها بثلاث صخور مستقرة على الأرض؛ لوضع القدر عليها حال الطبخ.

أما آنية المطبخ فلا تتعدى النحاس سوء منها القدر أو (الملاس) المغرفة، أو الصحون، أو الصواني، وإذا علا تلك الأواني بعض القدم من كثرة الاستخدام أُخذت إلى أحد الصفارين لتجديدها بالشناذر (يربها).

وكان تعمد بعض ربات البيوت آنذاك لاستخدام الدلو المصنوع من الجلد بعد استهلاكه بشك لا يقبل الانتفاع به أكثر من ذلك، كان تجعل منه محفظة للبهارات، وبعض الحبوب، والملح بعد أن تجعل كل واحد منها في كيس منفرد به.

ولعل أبرز مظاهر التغيير في حياتهم ايومية بعد اكتشاف النفط هي استبدال مواقد الطبخ بالوسائل الحديثة بدلاً من الحطب وجذوع النخيل وكرها وسعفها، فقد تم الاستعانة بـ(الدوافير) التي تعمل بالكيروسين والهواء المضغوط، بالإضافة إلى (الكولة) وهو من الوسائل الطبخ الحديثة، وهذا الإحلال كان جارياً في طبخهم اليومي، أما عند الولائم والضيافات فلا محيص عن الطبخ بالحطب؛ نظراً لقوة ناره، وأثره المميز الزاكي على رائحة الأكل.

أما في عهد الطفرة الاقتصادية فقد أبعدت المطابخ الحديثة في المساكن الجديدة، كل ما من شأنه أن يعيق نظافتها بشكل سريع ودائم، أو يعكر رائحة جو البيت من كيروسين (جاز)؛ لذا حلت الأفران التي تعمل بالغاز المضغوط، وبعض منها بالكهرباء بدلاً من الدوافير.

أما (الكولة) فقد ظلت منافساً قوياً عند الذين لازالوا يستمعون بطبخ بعض الأنواع عليها كـ(الهريسة) على سبيل المثال، أو من أراد أن ينضج الرز خصوصاً (الكبسة) بنار هادئة.

الإنارة:

قبل عهد النفط إذا خيم الليل على تلك الدور المتراصة فيما بينها ذات الدهاليز المتعددة، أحال المنزل إلى ظلام دامس، وكانوا يعمدون إلى وسائل بدائية لتبديد الظلام ووحشته، ومن تلك الوسائل ما يلي:

1- (سراج بو سنارة): وهي الوسيلة الأقدم استخداماً، ومن ثم صارت أقل مستويات الإنارة عندهم، وتُصنع محلياً من صفيح التنك عن طريق الحدادين، يحث توضع فتيلة في إناء يُصب فيه كيروسين، وتحكم فتحة الإناء بشيء من التمر، ويستزاد من الفتيلة بعد احتراق الجزء المشتعل عن طريق سحب ما هو في داخل الكيروسين.

2- (سراج الفنر): وهو من الصناعات الهندية، التي كان أكثر تطوراً من سراج بو سنارة؛ حيث يمتاز عنه بوجود زجاجة حول النار، وبوجود مكان في قاعدته للكيروسين محكمة الإغلاق بدون وضع التمر، كما أن به قضيب معكوف من جانبي السراج تكفي لحمله وتعليقه.

3- (الأتريك): ويعتبر في زمانه نقلة حضارية في مجال الإنارة؛ حيث يمتاز عن سراج الفنر بقوة إنارته وجماله، فهو لا يستخدم فيه الكيروسين فقط بل يُشحن معه هواء يدفع بواسطة قضيب معدني لعدة مرات، وقد استعيض فيه بدلاً من الفتيلة بقماش (الشيشة) إذا أشعلت بالطريقة الصحيحة أعطت هذه (الشيشة) وهجاً قوياً يكفي لإنارة فناء البيت وبعض دوره.

بعد هذا… من كان يُصدق أن لمبة تضيء الدار بضغطة مفتاح، لا قاز، ولا فتيلة، ولا دخان، مظاهر إعجازية أذهلت الجميع، وعلى أثرها اختفت وسائل الإنارة القديمة (سراج بو سنارة، وسراج الفنر، والتريك)، ولم يكن آنذاك توسع في الاستهلاك إذ يكفي لإنارة الغرفة لمبة واحدة من 100، أو 60 شمعة (وات). أما عند خياطة المشالح في الليل فكانوا يشعلون لمبة 200 شمعة (وات). وفي الفترات الصباحية لا تستخدم الإنارة الكهربائية مادام في الإنارة الطبيعية كفاية.

أما في عهد الطفرة الاقتصادية فقد توسع سكان المدينة في استهلاك الكهرباء حتى صار من أبرز ما يلفت النظر إليه في هذا العهد؛ وذلك وفقاً لتقنيات المسكن الجديدة، وكثرة الغرف فيها، وجمال واجهاته، مقارنة بالمساكن القديمة، حتى لقد تحولت الإنارة ليست فقط من أجل الإنارة فقط، بل صارت وسيلة من وسائل التجميل، وعنصراً من عناصر ديكور المنازل خاصة في الواجهات والأسوار.

التكييف:

قبل عهد النفط في أيام الصيف لا تكاد المروحة اليدوية المصنوعة من سعف النخل وجريده تفارق الأيدي، وفي الظهر عادة ما يتم اللجوء إلى الدهاليز؛ لأنها مكتنفة من كلك جانب بالغرف المبنية بالطين فتكون أقل حرارة، وربما اكتشف الواحد منهم من خلال سُكناه في ذلك البيت مكاناً يتميز ببرودة عن غيره؛ لكونه يمرر تيارات هوائية باردة فلا يفرط فيه وقت الظهيرة، أما النوم ليلاً، فلن يكون هناك بديلاً أحسن من سطوح المنازل، وبين البرادين(عند دخول الشتاء، وعند مغادرته) يستفاد من (الحوي) فناء البيت.

إن دخول الكهرباء قلل من استخدام المراوح اليدوية (المهفات)، إلا عند اللذين لم يزالوا يرون لهواء الدهاليز المشبعة برطوبة الأرض المرشوشة بالماء متعة لا تُجارى، فهذه الفئة لم تعتني بدخول الكهرباء وما ترتب عليها من إمكانية استخدم المراوح السقفية؛ حيث أنه هوائها حار وناشف مقارنة بهواء الدهاليز.

غير أن الوضع تغير بفعل دخول المكيفات الصحراوية التي وفرت بعضاً من مزايا هواء الدهاليز، وناسبت الرغبات نظراً لليونة هوائها المشبع برذاذ الماء، ولكن هذه الرغبة غير محققة على الدوام خاصة في أيام الرطوبة.

أما في عهد الطفرة الاقتصادية فلم يعد دخول الكهرباء حدثاً كبيراً في خواطر أبناء الحاضرة؛ إذ صار من إحدى بديهيات الحياة، فحالة الانبهار تلك قد زالت مع أبناء الجيل الجديد، وكذا المخضرم الذي عاش المرحلتين، وفي هذهالفترة (عهد الطفرة الاقتصادية) باتوا يتحرون فرصة التمتع بالمقتنيات الحديثة كيفما كانت، وبأي سعر، خصوصاً إذا كان ذلك متعلقاً بتكييف الجو وتبريده، هروباً من حرارة أجواء الأحساء اللاهبة، التي لا تدع للساكن فيها أيام الحر فرصة الغفلة عن التذمر منها كل حين، وربما تكون فاكهة المجالس التي عادة ما يُفتتح بها مجالسهم عندما يكون الحديث غير موجه إلى أمر بعينه، فالحرارة قاسية فيها، وكثيراً ما يعزون أنفسهم بإنتظار جني الرطب كثمرة من ثمار جوها المحرق.

فمن أبرز موارد الاستفادة من الكهرباء، ويسر الوضع المالي، توجهوا للتكييف في بداية عهد الطفرة، وتوسعوا في استخدام المكيفات الصحراوية والقليل منهم استخدم مكيفات الفريون (الشباك) مراعاة لمحدودية طاقة عداد الكهرباء الموصل إليه من شركة الكهرباء، خاصة في بداية عهد الطفرة؛ حيث زيادة عدد المساكن دون وجود طاقة كافية لتلبية الاحتياجات تلك؛ لذا مُنيت المساكن عندئذ بقطع في التيار يكاد أن يكون بشكل يومي، وفي فترة الظهيرة بالذات؛ لأن الجميع سوف يستخدم التكييف.

فكان البعض يلجأ إلى النخيل، ومنهم إلى مغارة جبل القارة لمن أراد برودة أكثر، والآخر للاستحمام في عيون الماء الباردة مثل (الجوهرية، والعظيمي، وفريحة، وبرابر، والخدود)، فضلاً عن برك النخيل الواقعة بالقرب من عين الخدود، أو التي في القرى الشرقية مثل (الجبيل، والبطالية، والشهارين)؛ لكونها أقرب القرى لمدينة الهفوف، وتمتاز مياه هذه القرى وما حولها ببرودة الماء في فصل الصيف، بعكس القرى الشمالية حيث أنها تمتاز بالحرارة.

دورات المياه:

الفرق بين دورات مياه أيام زمان وحالياً كبير، فقبل عهد النفظ لم يكن هناك غير الأحواش، حيث توضع في أحد الأماكن البعيدة عن النظارة سواء بارتفاع معين أو بجدار، والبعض منهم يضع باب صغير على المختلى، ولحك ما هناك عبارة عن فتحة في سقف بيت الخلاء دعمت جوانبها بجذوع النخل من الجانبين تحت رجلي المختلي، وعليه أن يأتي بالماء في إبريق قبل الدخول، وفي الليل لا بد من أخذ (السراج) للإنارة، ويسمى بـ(الفنر) عند الكويتين.

أما حمام السباحة، فهو منفصل عن المختلى، وتكون أرضيته مبنية من الأسمنت، وعادة ما يكون بجوار العين، أو (الجليب)؛ ليأخذ الواحد منه حاجته من الماء، والتي لا تتعدى دلوين أو ثلاثة، وعادة ما يكون فيها كرسي صغير (تخت) للجلوس عليه، وإلى جواره المنظفات التي لا تزيد عن الصابون (الرقي)، والليفة، والسدر، وقطعة من الفخار أو حجرة سوداء خاصة للتنظيف الجسم، وخاصة الرجلين (مدعكة الحفة).

وإلى جوار المسبح أحياناً يستخدم لغسيل الأواني؛ وذلك لقربه من مصدر الماء. وماء الغسيل هذا يذهب إلى مجاري خاصة تُدعى بـ(البالوعة).

حظائر الحيوانات:

قبل اكتشاف النفط يكاد أن لا يخلو بيت من حوش توجد به أبقار وأغنام وطيور ودجاج، تشكل مصدر كبير من غذائه، ومن لم يكن عنده (حوش) حظيرة حيوانات بشكل خاص كان مشتركاً مع أحد جيرانه.

وقد استمرت هذه الظاهرة بعد اكتشاف النفط، حيث لم تغادر (أحواش) الغنم والبقر والدجاج تلك البيوت؛ لاعتمادهم الكبير على منتجاتها الغذائية، بل مع وفرة وسائل التغذية بشكل أفضل زاد الاهتمام بها لما في ذلك من زيادة في إنتاجها بشكل يُغطي حاجته وحاجة غيره، حتى لتجد عند الظهيرة في بعض سكك الحاضرة حركة وجلبة يهدون بعضهم وجيرانهم اللبن الخاثر.

أما فقي عهد الطفرة الاقتصادية تلاشت حظائر الحيوانات من البيوت البتة، واستعاض أبناء العائلة بدلاً منها بمنتجات الألبان الطبيعية من المزارع النموذجية، ومن كامن له عادة تربية الحيوانات كالأبقار والغنم، فقد أودعها في مزرعته ويأخذ حليبه منها يومياً إلى البيت ليعد منه اللبن الزبادي، واللبنة، والجبن الأبيض.

الملابس

الملابس الرجالية:

قبل اكتشاف النفط كانت ملابسهم الرجالية لا تعدو الثوب والغترة والطاقية والعباءة (البشت)، وبعض منهم يلبس العقال وغالباً للآباء الذين عاشوا في الفترة المتأخرة، وقد كانت ملابسهم فضفاضة واسعة، تأقلماً مع المناخ الحار الذي يسود في غالب أيام السنة.

وكان إلى جوار الثياب تُلبس بعض الملابس الخاصة، مثل (الزبون، والصاية) وهي ملابس تلبس على الثوب، وتكون مفتوحة من الأمام، قابلة للشبك بواسطة الأزرار، وهي عادة ما تُلبس في المناسبات الخاصة كالأعياد، والأعراس، والزيارة الرسمية، أما للمشايخ وعلماء الدين فهي من اللباس الرسمي الملازم له، وهناك أيضاً (السديري) وهو أكثر استخداماً في الحياة العامة لآبائنا في الماضي.

ومن الملابس الكثيرة الاستعمال (الوزار) الإزار وذلك كملابس داخلية تحت الثوب، وكملابس للعل بعد أن يرتدي على الجزء العلوي من جسمه (فانيله)، وكان كثير منهم يُفضل هذا اللبس عند عمله في خياطة المشالح في منزله، أما في مجالس الخياطة فكانوا يرتدون الثياب فوق (الوزار)، وبما خلع الغترة واكتفى بالطاقية على رأسه.

وتُفصّل الثياب الجديدة عادة لمناسبة الأعياد، وفي الغالب يُكتفا باثنين فقط طول السنة، إذا استخدم معه الملابس القديمة، وربما إذا قصر وضاق ثوب بعض الأبناء في وقت نموهم لا تستنكف الأمهات من حفظه لأخيه الأصغر للبسه مادام ذلك ممكنا، أو إهدائه إلى الآخرين.

وأقمشة الثياب متعددة، فهناك السواحل، والبفت، والبوال، والململ، والديسي.

أما أنواع الغتر، فهناك (الشماغ) وهو غالب لبسهم وعادة ما يخصص اللون الأزرق منها للمشايخ وعلماء الدين لمن أراد منهم لبس الغترة، والشال الكشميري، و(الترمة)، وهي غترة صوفية بيضاء.

أما من حيث المشالح (البشوت) فهناك عدة أنواع، منها بشت الوبر، وبشت النجفي، وبشت البوشهر وغيرها. أما أحذيتهم فكانت في الغالب من الجلد (الزبيرية)، والبعض يلبس نعال من ليف.

وبعد اكتشاف النفط لم يدخل تغيير كبير الملابس الرجالية، إذ استمرت ملابسهم التقليدية من الثياب، والغتر والشماغ، غير أن هناك إضافات جديدة على تفصيل الثوب، فمنن الأعلى عند الرقبة لم يكن هناك ما يسمى بالطوق (الكلر) كما لم يكن هناك جيب في الصدر ظاهر، وإنما مسستر في الداخل، وأزرة الثوب كانت من القماش، والكم أوسع بكثير، أما خبنات الثوب سواء في كمين أو الأسفل فقج كانت لا تتجاوز 2سم تقريباً.

وقد كان ملاحظاً على الثوب ضيقه من أعلى نسبياً واتساعه بشكل واضح من الأسفل، أما الملابس الأخرى فقد اعتادوا لبس العقال بشكل أكثر من ذي قبل، كما دخلت بعض الأقمشة واختفت أخرى من الأسواق أو قل الطلب عليها، فثياب السواحل تبدلت بالكيمري، والبوغزالين. أما الوزار فقد استعماله عدا المخايطة لمناسبته لجلسات المخيطين الطويلة والمتنوعة حسب مرحلة خياطة البشت، من البروج والهيلة والمكسر…إلخ.

وفي عهد الطفرة الاقتصادية استمرت ظاهرة لبس الملابس ذات اللمسات المطورة عن الثياب القديمة، غير أن مسألة كيها، ونظافتها بشكل واضح، بات أمر لا يمكن التنازل عنه البته، وقد تطور وضع البعض إلى الرغبة في إرسال ملابسه إلى المغاسل الحديثة إمعاناً في كيها بشكل أفضل، خصوصاً الغتر منها.

تنظيف الملابس:

كان هناك أشبه بالصابون، فقد كانوا يستخدمون بعض النباتات البرية ممثلة في ورق نبات الشنان البري، ويضيفون عليه أوراق نبات الريته حيث كانت تُعطي رغوة تُساعد على التنظيف، وكانوا يلجئون إلى ضرب الثياب على دكة الغسيل أثناء التنظيف إمعاناً في الحصول على أفضل نظافة ممكنة، وكان أغلب الغسيل يتم في عين (أم خريسان ، والحقل، الخدود، والبحيرية).

أما بعد اكتشاف النفط، فقد صار الغسيل في عين أم خريسان والحقل، أحداث سالفة يتنهدون لذكرياتها المضمخة بالعفوية والبساطة، والتي لم تخل قط من عناء وشقاء، فالماء قد توفر بشبكات المياه داخل البيوت، الغسيل اليدوي في الطشوت، ومن بعدها الغسالات الكهربائية، وما صاحبها من استخدام مساحيق الصابون، حلت محل الضرب بالثياب على دكة العين، والشناذر.

وشيئاً فشيئاً دخل ذوق كي الثياب إلى مزاج الكثيرين بعد أن كانت الثياب تلبس مكسرة، وقد بان في منتصف الثوب حز حبل الغسيل بشكل غير مستنكر وطبيعي؛ لأن الغالب من محيطه يُشاطره ذلك.          ……………..يتبع

المصدر /

 

شاهد أيضاً

عبدالله باشا السعدون في مواجهة فساد السلطة العثمانية في الأحساء

بقلم المهندس/ مصطفى طاهر الغزال اتسمت فترة الحكم العثماني الثاني في الأحساء (1288م -1331هـ/1871م – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *