بقلم / سلمان بن حسين الحجي
كانت معرفتي بالدكتور أحمد اللويمي تزيد عن خمس وعشرين سنة وكانت بالدقة مع تأسيس قافلة التقوى عام: 1414هـ وكنتُ في حينها عضواً في اللجنة الثقافية التي يترأسها الدكتور اللويمي، وكانت مدة تجربتي في تلك القافلة وفي تلك اللجنة ثلاث سنوات، وقد أحدث الدكتور قفزة في وعي الحاج من كثرة الأنشطة الثقافية المقدمة وعمقها، حتى وصل الأمر إلى أن بعض الحجاج كان يقول “ ما برزت في تلك القافلة إلا اللجنة الثقافية هل الحج كله ثقافة؟ (حيث كان ذلك الحاج يرى تميز الزاد الثقافي على خدمات يراها أهم من الثقافة كالسكن، والتغذية، والنقل). وأتذكر من الطرائف مع أستاذنا أبي مصطفى في قافلة الحج بأن سأله أحد الحجاج: كم الساعة تسير الباصات إلى المشاعر المقدسة؟ فأجاب الدكتور الساعة الثالثة (طبعاً تم إبلاغ الحجاج بذلك مسبقاً)، وإذا الساعة عدّت ذلك الوقت بربع ساعة، فبدأتُ أنظر إلى الدكتور وأنا مبتسم، فتبسم أبو مصطفى ثم قال: هذه طبيعة الكثير من العرب (قالها من التذمر من عدم الالتزام بدقة السير، وهو المعروف عنه احترام المواعيد ودقتها).
وهناك محطات متعددة كانت لنا لقاءات وتواصل مع أستاذنا الدكتور اللويمي من أهمها:
* رجوعنا إليه في الاستشارة عن بعض كتاباتنا للاستفادة من فكره مرة بالتشجيع ورفع المعنويات، وثانية بالتعبير عن وجهة نظره الإيجابية بمقالة كما علق على كتاب آباء وأجداد الجزء الأول، ومنها بالنقد البناء بشكل مباشر أو على شكل كتابة مقالة عن اقتصاد الأسرة نشرت في جريدة اليوم، ومنها بتقديم مقدمة لبحث قوافل مؤسسات الحج، ومنها المشاركة معه في بحث عن إدارة الأوقاف مع أستاذنا الدكتور عبد العزيز البحراني، والأستاذ عبد اللَّه البحراني، إضافة لبعض المشاريع الثقافية الأخرى.
* كنتُ مشاركاً معه في ندوة نظمتها اللجنة السداسية لمهرجانات الزواجات الجماعية بالأحساء.
* كنتُ معه في جلسات ثقافية دورية يحضرها الشيخ حسن بن عبد الهادي آل أبي خمسين، والمهندس سعيد بن عبد اللَّه الخرس، والأستاذ يوسف بن أحمد الحسن، والأستاذ محمد الحرز، والأستاذ أمير آل أبي خمسين.
* حضرتُ معه في لقاءات تجمع بعضاً من أعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك فيصل.
* الرجوع إليه أيام عضوية المجلس البلدي فيما يرتبط بتخصصه والأمور البيئية، وكان بوابة لرجوعنا إلى المرحوم الدكتور حسن الخرس، كما أننا بالمجلس البلدي أثناء دورتنا قمنا باستضافته في أحد اللقاءات العلمية. وأتذكر في هذا موقفاً كان الدكتور رئيساً لأحد المراكز الانتخابية للمجلس البلدي في دورته الأولى، وفي أثناء فرز الأصوات كان صوتي بارزاً في المركز الذي يشرف عليه الدكتور، وعند تسليم الأصوات واطّلاع المهندس فهد الجبير على النتائج لفت نظره عدد المصوتين لي، فقال للدكتور أحمد اللويمي: من هو سلمان الحجي حتى يأتي بهذه الأصوات لا مخيمات ولا برنامج انتخابي؟ في حينها اتصل عليّ الدكتور أحمد يبارك لي الفوز، ويبلغني عن ذلك الحوار الذي تم مع المهندس فهد الجبير.
* يعتبر من الشخصيات العلمية التي ترجمتها في كتاب هكذا وجدتُهم، ص: 391.
* رشحني في أحد اللقاءات للمشاركة في حفل بمجلس حسيني بمدينة العمران ليلة النصف من شهر شعبان.
* إضافة للزيارات المتبادلة بيننا، وتواصل مستمر ورحلة إلى قطر بصحبة الدكتور عبد العزيز البحراني، والأستاذ عبد اللَّه البحراني، وغير ذلك.
أما عن ملخص ما لفت نظري في أستاذنا الدكتور أحمد اللويمي فيمكن إيجازها فيما يلي:
* كفاءة علمية في مجال تخصصه، وكانت له مساهمات واضحة في بيئة العمل ومنها النقلة النوعية في جمعية البيطرة.
* يستثمر الفرص العملية للارتقاء بفكره ومزاحمة المختصين ومعرفة المستجدات العلمية، وهذا بارز في معظم السنوات بفصل الصيف (وقت الإجازة السنوية) ورحلاته إلى مواقع المؤتمرات العلمية بأمريكا وبريطانيا وغيرهما.
* شخصية تستثمر وقتها بدقة في الجانب الثقافي مع الكتاب، ومع القلم، ومع الحوار، ومع المشاركة العلمية، ومع العلماء، ولهذا له نتاج علمي متنوع وهذا يجسد قيمته الثقافية.
* غيور على أفراد مجتمعه وقد بذل قصارى جهده لبناء كوكبة من الكوادر ودربها على أهمية البحث العلمي والكتابة.
* تتميز شخصيته بالثقة بالنفس والجرأة والصدع بوجهة نظره والتحليل للأحداث الاجتماعية والتعبير عن النتائج من دون الإسقاط الشخصي أو دوافع الأمراض الاجتماعية.
* في الجانب الشخصي طيب القلب، واف لأصدقائه، كريم نفس.
* يخلص في النصيحة، بالمقابل يتثبت قبل أن يعطي قراراً على أي شخص أو حدث اجتماعي.
* فكاهي يحب الطرفة والتعليق عليها ولنا معه جلسات في ذلك الشأن تترك لحين وقتها المناسب.
* يتميز بتواضعه وتواصله مع أرحامه وأصدقائه.
فيما بعد طلبتُ منه أن يكتب ملخص نكاته العلمية وقدم لنا ذلك في يوم السبت بتاريخ: 9/1/1439هـ.
دروس وخواطر من حياتي:
المقدمة:
عصارة تجارب الإنسان تصبح ملك أبنائه وإخوانه ومجتمعه، لما تحتضن من التجارب والخبرات والمهارات التي فيها مخزون لا يقدر بثمن للأجيال القادمة. إن ركام التجارب هذه بها ينطلق القادم من الأجيال، بما يأخذ من الماضين الذين بذلوا ما بوسعهم في إعداد المسار وتحضير الطريق للقادمين من بعدهم.
اتبعتُ في إعداد هذه المذكرات المقتضبة التركيز على مفهوم القيم والعبر التي استنتجتُها من خلال رحلتي ومسيرتي. ابتعدتُ قدر المستطاع – إلا ما استوجبت الضرورة – عن السرد التاريخي، وكما يتبين للقارئ الكريم التركيز في هذه المذكرات هو على عصارة الخبرات والتجارب والمفاهيم والعبر والمهارات والرؤى التي تراكمت في مسيرة حياتي. شملت هذه الخواطر المسيرة الأولى من حياتي في هجرتي من دار الأهل إلى الأحساء، ومن ثم أيام دراستي الجامعية. وتم التركيز على التجارب والعبر المختلفة في الأيام الأولى من هذه المسيرة. وتم بعد ذلك التطرق إلى رحلتي العلمية الأولى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك تجاربي وما واجهتُ خلال برنامج الماجستير. كما شملت هذه الخواطر على تجربتي في التدريس الجامعي وخبراتي التي أهديها إلى أبنائي من أعضاء هيئة التدريس الملتحقين توّاً لهذا السلك.
وكان لتجربتي في الحقل الثقافي سهماً مهمّاً من هذه الخواطر التي تمثل جزءاً لا يستهان به من تجاربي وخبراتي في الحياة. التوجه الثقافي كان له الأثر الأبرز على تجربتي في المجال العلمي، كما كان لمجالي العلمي نفس الأثر وأعمق على توجهي الثقافي. آمل أن تساهم هذه الخواطر في دعم المتطلعين والباحثين الذين يرغبون استثمار هذه الخبرات والمهارات لتطوير حياتهم وشحذ مهاراتهم. كما أرجو اللَّه أن تكون هذه الخواطر طريقاً يساعد في تأسيس البصيرة المستقبلية لمجتمعنا الغالي.
واللَّه ولي التوفيق والسداد.
الدكتور أحمد محمد اللويمي
1/1/1439هـ
سني الطفولة والصبى والشباب:
ولدتُ في مدينة المحمرة (خرمشهر) بين خمسة إخوان وثلاث أخوات من أمي وأبي وأخت من أبي في عام: 1957/1377 تقريباً. مدينة المحمرة أو ما تعرف باللغة الفارسية خرمشهر أي مدينة الخضرة الزاهية لكثرة نخيلها وما يضفي الشطان كارون وشط العرب عليها من جمال. تقع مدينة المحمرة على ضفاف نهر كارون المعروف بغزارة مائه والذي يصب في شط العرب، وهي تقع في أقصى جنوب إيران متاخمة لحدود البصرة.
تعرف هذه المدينة بعروبتها لكثرة من يقطنها من الجاليات العربية من العشائر العربية الممتدة من الأهواز وعبادان، وكذلك عدد كبير من الجالية الأحسائية والعراقية والبحرانية. الجالية الأحسائية التي كان يمثل والدي أحد أهم أقطابها، لما يمثل من دور في نشر تعليم القرآن الكريم، وحضوره الأدبي في الأدب العربي خصوصاً أدب أهل البيت A في المستوى القصائد الشعبية. كان للأحسائيين في المدينة حضور بارز من خلال حسينياتهم كحسينية الوجيه المعروف عبد الزهرا الهودار، والمعروف بالزهرائي ومسجد الشيخية مقلدي أحد مراجع الخط الشيخي في كرمان. ومن الحسينيات القديمة جدّاً في المحمرة حسينية (الجهاريك) وتعني الأربعة عشر، وقد أشرف على بنائها وتأسيسها الخطيب الأحسائي الشهير الملا أحمد الرمل. كما كان للأحسائيين فرقة إحياء الاحتفالات وبالذات الأعراس، لما تتمتع به من لون خاص في تقديم الأناشيد والمواويل وغيره من المنولوجات المضحكة، حيث يكثر الطلب عليها في موسم الربيع، وقد اصطحبني أخي الكبير الملا كاظم في صباي لكثير من هذه الاحتفالات. وتميزت الجالية الأحسائية بحضورها الفاعل والبارز بين الجاليات العربية في المحمرة لتفوقها في الجوانب العلمية والأدبية والخدمية.
ما كانت تعانيه الجالية العربية في المحمرة القطيعة شبه الكاملة مع الناطقين باللغة الفارسية بالرغم من المذهب الواحد، وكما يبدو هو من إفرازات بث الفرقة بين العرب والفرس. وكان للعرب مرجعيات دينية مشهورة ومعروفة بعلمها ومرجعيتها، حيث بيت الخاقاني وعلى رأسها سماحة الشيخ طاهر الخاقاني J، والشيخ سلمان الخاقاني، وهما يمثلان المرجعية الكبرى للأخبارية في إيران ودول الخليج. وأما الأصولية فمرجعيتهم الأولى بيت العدناني وعلى رأسها سماحة العلامة السيد محمد علي العدناني J والذي توفى في أواخر الستينيات، وكانت له جنازة مهيبة في تشييعه إلى النجف الأشرف. وخلفه أخوه السيد شبر، إلا أنه خالف مسار هذه الأسرة العلمية بالرجوع إلى مرجعية النجف الأشرف بالعدول بعد وفاة المرجع الأعلى السيد الحكيم إلى مرجعية السيد شريعت مداري. وكان السيد شبر يجذب مستمعين من دول الخليج والعراق، وكان له برنامج فقهي يبث من راديو عبادان، وقد تسبب في إثارة فتنة كبيرة بين الأخبارية والأصولية أدت إلى بلبلة عظيمة، كان نتاجها افتراق العوائل والقطيعة والتدابر بين الناس.
ترعرعتُ في منزل والدي، ولم أفطن عليه، حيث توفي F وأنا في الرابعة من عمري إلا أن العناية بي والاهتمام الأكبر كان بعد والدتي يعود بالدرجة الأساس إلى أختي الكبرى زهراء (أم سعيد). والدتي رحمها اللَّه شكلت السند الأكبر في توفير مواردنا بعد وفاة والدي من خلال مختلف الأنشطة بالدرجة الأساس بيع بعض الأمور للنساء في المنزل، بالإضافة لما كانت تقوم به أخواتي زهراء، وصفية، وفاطمة من دور مهم في خياطة العبي النسائية وقراءة القرآن كختمات في أيام شهر رمضان. بعد سنوات من المعاناة وتذوق شظف العيش، تمكن أخي الأوسط جواد F من الالتحاق بالبنك كموظف، مما لعب دوراً مهمّاً في تحسين حياتنا المعيشية.
منذ وقت مبكر كان اهتمامنا بالتعليم أمر حيوي وحاسم بالرغم من معاناتنا المعيشية. وقد تجلى ذلك في التحاق أخي جواد بالمدرسة العراقية التي كانت تعمل تحت واقع اتفاقية ثقافية بين إيران والعراق، حيث المدارس العراقية في مدينة المحمرة والأهواز، والمدارس الإيرانية في النجف والكاظمية.
أختي العزيزة زهراء حرصت على التحاقي بالمدرسة، وعملت من خلال علاقاتها على تسجيلي في المدرسة الابتدائية. ما زالت أطياف الصور لأيامي الأولى وبالذات أول يوم التحقتُ بالمدرسة في الابتدائية تجول في خاطري، قضيتُ سني الابتدائية كطالب عادي وبالذات في السنة الأولى إلى الخامسة. وقد رسبتُ في السنة الثانية، مما استدعى إعادة هذه السنة. وما زلتُ أتذكر من الأسباب التي أدت إلى فشلي في هذه السنة ومن أهمها مرافقتي لشاب كان من جيراننا، وكان إنساناً فاشلاً أدى به الأمر في نهاية المطاف إلى الطرد من المدرسة. كما أن بعض الأفكار الخرافية السائدة آنذاك في المجتمع كانت تؤثر علي بشكل كبير. وأتذكر في إحدى الاختبارات الشفهية سألتني المعلمة ما هو نوع الطعام الذي تعد عائلتك؟ ومن سذاجتي الطفولية قلتُ لها: يكره إعداد هذا النوع من الطعام في يوم الأربعاء مثلاً. وطبعاً تسببت هذه الإجابة في رسوبي، وكلما أتذكرها لا أستطيع التوقف عن الضحك.
المدرسة العراقية من الابتدائية وحتى الثانوية مدرسة تجمع بين الذكور والإناث. أتذكر في الثانوية هذا الاختلاط كان يثير الكثير من المشاكل نتيجة عدم رشد الكثير من الشباب والشابات في العلاقات مع بعضهم، وخصوصاً بعض الأسر التي كانت تجاهر باتباعها لأسلوب الحياة الغربية التي كانت طاغية آنذاك من السفور الفاضح والعلاقات بعنوان الحب والعشق وغيره من الأمور المثيرة للضحك في تصرفاتهم. وعندما أنظر الآن إلى تلك الأحوال السابقة لا أراها إلا تصرفات المراهقة وطغيان الإغراءات والشهوات، التي كانت تضخ عبر الإعلام آنذاك بشكل مكثف. وعندما أستطلع أحوال الزملاء الذين رافقتهم أيام الثانوية أراهم والحمد لله في أتم رشد وتوازن.
لم تكن الإجازة الصيفية بالنسبة لي وأخي إبراهيم فترة للنقاهة، بل فرصة لكسب المال للاستعانة به في مصاريف المدرسة. ولذلك منذ أيام الابتدائية والمتوسطة والسنة الأولى من الثانوية كان الصيف موسم عمل وكدح. عملتُ في الأول في محل حدادة، وبعد ذلك في محل يركب الزجاج على النوافذ، وأطول عمل قمتُ به هو في منجرة. العمل الصيفي أشعرني منذ نعومة أظفاري بأهمية الكسب وقيمة المال الذي تكسبه من عرق جبينك. كل مستلزمات المدرسة كانت من القيمة والثمن ما كان يجعلنا في المنزل نتوارث الأقلام والدفاتر وبعض الملابس.
منذ السنة السادسة للابتدائية بدأتُ أشعر بأهمية التفوق والإعداد الجاد في التحضير للامتحانات والتحصيل العلمي بشكل عام. في الصف الثالث المتوسط نلتُ جائزة التفوق في المدرسة. ولكن إذا ما قورن مستوى تحصيلي العلمي بأخي إبراهيم فهو كان متفوقاً عليّ بدرجات.
قضيتُ سنين مراهقتي وما بعدها بقليل بالنشاط المكثف من خلال علاقات واسعة مع أصحابي في المدرسة وبعض الجيران. كان لعب كرة القدم في حارتنا من أهم تلك الأنشطة، وكنتُ المفضل كحارس أو مدافع ولم أنجح كمهاجم. كما كنا نحب لعب ما يعرف بلعبة السبع حصيّات، حيث ترتب سبع حصيّات مسطحة على بعضها، ويحاول واحد من الفريق ضرب الحصيّات لإسقاطها وله ثلاث محاولات. عند إسقاطها يهرب أعضاء الفريق ويطاردهم الفريق الآخر لضرب أحدهم بالكرة. كانت لعبة مشوقة وفيها الكثير من الضجيج، مما يؤدي بعض المرات إلى تدخل الجيران لمنعنا من الاستمرار.
كان بيتنا يعيش شيئاً من النظام الفطري، حيث كنتُ وأخي إبراهيم نتناوب على الإفطار، ولشراء الفطور لابد من الذهاب إلى المخبز مبكراً والوقوف بعد ذلك لفترة عند بائع الحليب أو بائع الفول (الباقلاء المجففة). وكان فطورنا المفضل الفول أو الشلة المعروفة في ايران بغزارة الحبوب و الخضروات فيها.
كانت مدرستي تبعد حدود العشرة كيلو مترات عن البيت، وكان المشي هو الوسيلة الوحيدة، حيث نمشي لحدود النصف ساعة ذهاباً وإياباً شتاءً وصيفاً تحت المطر وفي البرد القارس وأيام الحر الحارق. ما كان يخفف عن حرارة الشمس أن مدينة المحمرة كانت مدينة معروفة بكثافة أشجارها لذلك وجود الظل الممتد لكيلومترات أمراً طبيعيّاً.
من أهم التجارب التي مازالت منطبعة في ذهني هو التخطيط المتقن للتحضير لأيام الامتحانات مع أصحابي المقربين. حيث برنامجنا يبدأ الفجر في إحدى الحدائق العامة إلى ما قبل الظهر، وبعد الغداء والراحة البسيطة أمشي من بيتنا إلى حديقة معروفة بجوار الجسر المعروف الذي يربط بين ضفتي نهر كارون. المسافة كانت بحدود العشرة كيلومترات ويستغرق المشي حدود النصف ساعة. وكنتُ أبقى في المذاكرة إلى حدود الساعة التاسعة مساءً. من الطرف الكثيرة التي كنا نواجهها أيام المذاكرة وخصوصاً في المساء جلوس بعض السكارى بجوارنا، وكان بعضهم يتمتع بحس الفكاهة، مما كان يساعد في تخفيف هموم المذاكرة الطويلة والمملة.
أصحابي أو الشلة في الليالي العادية كنا نقضي وقتنا في التنزه على ضفاف نهر كارون، حيث كان هناك رصيف طويل على طرفيه الكراسي والحدائق الجذابة بزهورها. وكانت المطاعم الطافية في النهر من الأماكن التي تجذب المتنزهين. كما عرفت مدينة المحمرة بكثرة دور السينما، وكان متعارفاً أن تعرض أغلب دور السينما فلمين متتابعين في يوم الجمعة الإجازة الرسمية للمدارس الوحيدة في الأسبوع. وكانت السينما من الأماكن التي تجذبنا في أيام المتوسطة وأوائل الثانوية.
أهم ما يمكن الإشارة له من العبر والدروس من حياتي قبل الهجرة إلى الأحساء هي:
- الحاجة وشظف العيش أيقظ فينا الوعي المبكر بالتدبير والتفكير بالتخطيط للحياة، وهناك من له الفضل في خلق الشعور بالرجولة المبكرة.
- العمل الصيفي يعني التدريب على المهارات في الحياة وكسب مهن مفيدة بجانب الدراسة، لما لها من الدور في تطوير ذهنيتي كطالب تساعده على هضم بعض القضايا في المنهج.
- الاختلاط المبكر مع الناس وبالذات ذوي المهن كان له دور بارز في معرفة أشكال الناس وألوانهم، وحدد لنا قيمة وطبيعة التربية والبيئة المنزلية التي نعيشها.
الاعتماد على الذات:
لعل من الصعوبة بمكان أن يطلب من شاب قليل الخبرة والدراية أن يبادر لسفر مجهول الطريق والوسائل. وهكذا كان حالي حيث اقتضت الضرورة في العام الأول من الثانوية العامة أن أبادر للرحلة التي كانت بمثابة الأساس لحياتي المستقبلية. في عام: 1393/ 1974 اقتضت: ضرورة في تجديد الأوراق الرسمية وتحديث الوثائق الخاصة بالأحوال المدنية للسفر، الى الوطن، وهو بقدر ما كان سفر تحدّ كان اختباراً شاقاً لهذا الشاب الذي يريد أن يختبر حظه ويقرر مصيره. من الغرابة عندما أنظر إلى ذلك الوقت أرى ملامح أفتقدها -مع الأسف- في شباب اليوم وهو القدرة على بعد النظر والعزيمة والإرادة في المضي قدماً في صناعة المصير. لم تكن رحلة مريحة، حيث تبدأ من مدينة المحمرة بسيارة أجرة وبعد ذلك تعبر البر المحيط بالبصرة، حيث الطريق الترابي والوعر، وعند بلوغ شط العرب نركب عبارة لبلوغ الشاطئ الآخر من النهر، وبعد ذلك لابد من ركوب سيارة أجرة متهالكة من موديلات الخمسينيات والتي تعتبر رائجة في العراق آنذاك للذهاب الى منفذ الحدود العراقية الكويتية والمعروف بصفوان. ثم تستمر الرحلة بسيارة أجرة أخرى إلى مدينة الكويت. وبعد أخذ قسط من الراحة تستمر الرحلة بسيارة أجرة أخرى إلى السعودية عبر منفذ الخفجي إلى الدمام. تستغرق رحلة مثل هذه يوماً كاملاً من الصباح الباكر إلى الوقت المتأخر من الليل. هذه الرحلة البدائية تعلمتُ منها الحرص والعناية بحفظ الميزانية والاهتمام بالتخطيط لمراحل السفر. ولعل الأهم من كل ذلك العناية الفائقة في تحديد نوع الناس الذين تريد أن تختار رحلتك معهم، فليس من الراحة والأمان أن تختار سائق أجرة لاعتبار رخص الأجرة فحسب، بل النظرة في التعرف على من هذا الذي ستقطع معه الفيافي لساعات طويلة مهمة.
العلم أم الوظيفة إغراءات أرامكو؟
أرامكو تعتبر الحلم الكبير والوحيد للجميع في السبعينيات من القرن الماضي، فهي المهنة المضمونة لأي شاب مهما كان، وإن لم يمتلك حتى أي شهادة. إغراء الوظيفة ذات المزايا العالية والمستقبل المالي الواعد كان التحدي الذي يجعل من أي شاب في ذلك الوقت من التفريط بالدراسة الجامعية. لا شك هذا التزاحم بين الإغراءات الوظيفية والرغبة في الدراسة الجامعية كانت من أهم العوامل التي دفعت بالأعداد الكبيرة من الشباب للانخراط في أرامكو على تحمل أتعاب الدراسة والمستقبل الوظيفي المجهول. واجهتُ الإغراءات ذاتها، ولم يكن تجاوز الأمر بالنسبة لي بذلك العسير، لأن موضوع الدراسة الجامعية بالنسبة لي كان بمثابة ضمانة لا يمكن أن أبدلها بأي شيء. لا أدري من أين تغلغل هذا الشعور عندي، ولكن على ما أظن مثل هذا الاندفاع والإصرار على الدراسة الجامعية يعود للفضاء العام الذي عشتُه أيام المتوسط والثانوية في بيتنا. كانت القراءة والمطالعة من الأمور الروتينية، ولعل من أهمها تلك الجلسة المسائية التي كنا نتحلق حول إحدى أخواتي التي تقرأ لنا كل ليلة مقطعاً من قصة مختارة التي كنا نتابعها بشوق وحماس. هذه القراءة لم تكن تسلية بقدر ما هو حفر في اللاوعي ببناء التطلع والنظر إلى الأعلى والاستغراق في حلم تحقيق ما بلغته شخصيات تلك القصص التي كنا نستمع إليها بشوق. التعليم الجامعي بالنسبة لي كان البعد الآخر من بناء شخصيتي التي ارتكز فيها ضرورة التميز وحتمية التطلع إلى الأفضل. ربما يضعف الإنسان أمام الإغراءات والإحباطات ويفضل الوظيفة الواعدة على خشونة الدراسة الجامعية وتبعاتها ولكن العزم ولله الحمد كان راسخاً.
أيام البكالوريوس والبيئة الجامعية في الجامعة الفتية:
في بدايات استقراري في السعودية عند الانتهاء من الثانوية العامة عام: 1395/ 1975 استوطنتُ مدينة الدمام، وكان الوقت قد فات للانضمام للجامعة. التحقتُ بشركة تويوتا في قسم المبيعات في الدمام. وأمضيتُ تمام السنة في قسم مبيعات الجملة وعيني على فتح الجامعة أبوابها بلهفة وحرقة وتطلع.
فتح باب القبول في كليتي الزراعة وكلية الطب البيطري بجامعة الملك فيصل بالأحساء عام: 1976/ 1396 والتحقتُ في البداية بكلية الزراعة ولكن بنصيحة أحد المسؤولين في القبول وبيانه لمنافع تخصص الطب البيطري انتقلتُ إلى هذه الكلية. كان مبنى الجامعة كله ينحصر في مبنى مؤقت من المباني المتنقلة، ولكن بحجم ضخم، حيث افتتحه الملك خالد. وكان يتكون من فصول دراسية ومختبرات ومكتبة مركزية ومطعم كبير يتسع لمئتي طالب. وكانت هناك قاعة للمحاضرات، ويتوسط المبنى حديقة يتم استخدامها في أوقات الربيع. المؤسف أن هذا المبنى احترق بالكامل في عام 1409هـ نتيجة نشوب حريق في أحد المختبرات.
كان يوفر لكافة الطلاب دون استثناء سكناً داخلياً وقد سكنتُ السكن الداخلي في الثليثية والمعروف بالخوارزمي. كانت دفعتنا الثالثة من دفعات الطب البيطري، وتتكون من أحد عشر طالباً ثلاثة أو أربعة منهم عرب من فلسطين، والأردن، ولبنان، والسودان. وكانت المكافأة الشهرية في البداية: 800 ريال تم رفعها إلى ألف ريال. المكافأة بالنسبة لي كانت مصدر الدخل الوحيد لعدم وجود أحد من الأسرة بجواري ليعينني، بل كنتُ حريصاً على التوفير منها للإجازة الصيفية للاستعانة بها في سفري لزيارة الأهل في المحمرة، وإعطاء شيء منها للوالدة.
الأساتذة الذين لهم الدور الأكبر في تعليمنا وفي تحببينا لهذا التخصص هم علماء معروفون في هذا المجال ومن أهمهم: الدكتور إسماعيل رضا F (مصري) أستاذ علم الفيروسات والمناعة المعروف بسعة علمه وشخصيته الكبيرة التي تدخل في قلبك المهابة والحب. ومن أساتذتي العظام الدكتور سيد طاهر F (مصري) أستاذ علم التشريح العيني والمجهري والذي يعتبر أحد عباقرة هذا العلم في سعة علمه وتسلطه على المادة العلمية. ومن أساتذتنا المحبوبين الدكتور عوض الكريم F (سوداني) أستاذ علم وظائف الأعضاء. والدكتور آرثر (بريطاني) أستاذ علم الولادة وأمراض الجهاز التناسلي الذي أضاف ولأول مرة فصلاً للكتب الدراسية العالمية فصلاً عن الجهاز التناسلي للإبل. ولا أنسى أستاذي الغالي الذي وافته المنية هذا العام: 2017 الأستاذ الدكتور رمضان عمر F (سوداني) رمضان أستاذ الجراحة والعبقري في جراحة الإبل. وكان أستاذنا في علم الطب والعلاج هو الدكتور محمود العمروسي (مصري) الذي زرتُه في مؤتمر الجمعية المصرية للماشية في أسيوط عام: 2001 ورافقتُه فيما بعد في مؤتمر المنظمة العالمية للماشية في ألمانيا – هانوفر: 2004 م.
كانت الدراسة في الكلية تتم بجدية كبيرة، وتتبع المنهج الغربي في الاعتماد على المناهج الدراسية المعتمدة التي كانت توزع مجاناً علينا. وبفضل جهود الدكتور السيد طاهر تم إنشاء مشرحة متكاملة، كان لها الدور في تمكيننا من الاطلاع على تشريح الحيوان بشكل جيّد.
كانت دراسة مرحلة البكالوريوس بالنسبة لي مسألة تحدّ وقضية وجود وبقاء، ولذلك كان موضوع التحصيل العلمي والمتابعة مسألة أساسية. انكبابي على التحصيل كان يتم عبر التخطيط الذي جربتُه واحترفتُه أيام الثانوية العامة. حيث البرنامج الصارم في المذاكرة الذي يبدأ من بعد عودتي من الجامعة إلى ما بعد العشاء، وأخصص الوقت فيما بعد إما للقراءة أو مشاهدة التلفزيون. أما للاختبارات النهائية فكان الاستعداد مبكراً قبل شهر من الموعد، حيث أتم المراجعة بشكل جاد لتكون ليالي الامتحان فقط للمراجعة الخفيفة والراحة والنوم المبكر.
هذا الانضباط والالتزام آتى أكله بتحقيقي أعلى معدل تراكمي على دفعتي بتحقيق درجة الامتياز. وبفضل هذا التميز ولله الحمد والمن اختارني مدير الجامعة معيداً في الكلية والذي على أثره تم تعييني في قسم الأحياء الدقيقة.
دراستي الجامعية بوابة للانفتاح والاندماج مع المجتمع الأحسائي، كانت مرحلة البكالوريوس بالنسبة لي بوابة واسعة انفتحتُ من خلالها على المجتمع الأحسائي. لم أكن على معرفة بالمجتمع الأحسائي بشكل تام لترعرعي ونشأتي خارج الأحساء وبالتالي كان اندماجي بالمجتمع أمراً ضروريّاً لرحلة الاتصال بالجذر. كانت الدفعات من الطلاب الذين عاصرتهم في كلية الزراعة والطب البيطري متنوعة من مختلف قرى ومدن الأحساء. هذا التنوع الجغرافي والثقافي كان بالنسبة لي كتاباً حيّاً مفتوحاً للاطلاع على ما فاتني من تاريخ الأحساء وثقافته وعاملاً محفزاً لمزيد من الاطلاع والقراءة حول تراث الأحساء وتاريخها.
الانفتاح عبر الزملاء كان أيضاً بوابتي للولوج إلى المجتمع الثقافي والديني في الأحساء الذي مكنني من الوصول إلى كافة طبقات المجتمع وشرائحه. هذا الانفتاح الواسع يعود بالدرجة الأولى لبساطة هذا المجتمع وكرمه، ومن جانب آخر حبي للثقافة والانفتاح للتعرف على هذا المجتمع الذي كان بالنسبة أصل لابد من معرفته بشكل أفضل. الانفتاح على المجتمع والانخراط الواسع في العلاقات مع شتى الطبقات هو الغذاء الذي له الأثر البالغ في تنمية وجداني وخبراتي الحياتية، وما أنا عليه اليوم من الوعي والدراية والحصيلة الثقافية.
تحديات أيام الماجستير: المشرف، مهارات البحث العلمي، اختلاف في الفهم والثقافة:
عام: 1402/ 1983 حصلتُ على منحة لبرنامج الماجستير من جامعة الملك فيصل بصفتي معيداً في قسم الأحياء الدقيقة والطفيليات بكلية الطب البيطري بجامعة الملك فيصل وبفضل الاتفاقية المنعقدة مع جامعة كورنيل Cornell University والتي تعد من الجامعات المتقدمة في الولايات المتحدة، توجهتُ هناك ولأول مرة في حياتي إلى دولة أجنبية. كانت هذه الرحلة العلمية المهمة قفزة نوعية في حياتي على مستويات عدة من أهمها:
* اكتشاف القدرات المختزنة: لا يمكن للمرء أن يعرف حقيقة إمكاناته ويتعرف على مخزون قدراته إلا في مواقف التحدي. عندما عزمتُ على الرحيل انتابني الخوف الشديد من إمكانية الفشل بسبب مستوى الجامعة والتجربة الأولى للدراسة في جامعة أجنبية بنظام تعليمي مختلف تماماً عمّا سلف من دراستي. إلا أن التجربة التي خضتُها في السنة الأولى من برنامج الماجستير على مستوى البحث والمقررات الدراسية كانت مذهلة بالنسبة لي بإزاء المخاوف والرهبة التي عشتُها. ولا أنسى كلمة أستاذي وصديقي العالم الدكتور شارلز ريكارد رحمه اللَّه نائب عميد كلية الطب البيطري عندما أبدى إعجابه لتطور قدراتي في المناقشة عند طرح النتائج الأولى لبحث الماجستير. هذا الكشف عن قدراتي في تجاوز أغلب الصعاب الدراسية في المقررات التي سجلتُها وتجاوزتها بنجاح أظهر جانباً مهماً مغموراً في لاوعي بمقدرتي على التخطيط والتحمل وبعد النظر والبرمجة المسبقة لتجاوز الصعاب.
الدروس المهمة التي يمكن الاستفادة منها من هذه التجربة تكمن في أن الإنسان لا يمكن أن يتعجل القرارات ويرتب عليها أثراً على أساس الحدس والشعور غير الناضج. وهكذا على أثر هذه التجربة الثمينة في حياتي كنتُ بعد ذلك أواجه التحديات لشعوري بالثقة أني قادر على المواجهة وتجاوز التحديات، والتي ظهر لي أهميتها فيما بعد من جديد خلال برنامج الدكتوراه.
* اكتشاف حجم العجز في القدرات: يظن الأغلب الأعم منا أن قدراته وإمكاناته بلغت حد التمام ولا حاجة أن يبذل أي مجهود نحو الاستمرار في التطوير والمضي نحو التكامل. هذا الوهم ينتاب الإنسان في مرحلة من مراحل حياته نتيجة قلة خبرته وتجاربه الحياتية. عندما بدأتُ ببرنامج الماجستير جهلي بما سأواجه جعلني أظن أن ما لدي يمكنني من تجاوز العقبات. ولكن بعد برهة وجيزة من الزمن تبين حجم المهارات التي أفتقر إليها على عدة مستويات مثل: مهارات البحث العلمي، والقدرة على تحمل أعباء النظام التعليمي الذي يواجه الطالب بحجم هائل من المتطلبات والكمية الكبيرة من الواجبات والتحضير الذي لا تكترث بإمكانية الطالب من عدمه. هذا الاكتشاف المذهل في الحجم المطلوب من المهارات والإمكانات التي يستلزم بناؤها وتطويرها لصناعة النجاح يعد من الفتوحات المهمة التي نلتُها في تجربتي هذه. ولابد من الإشارة إلى حجم المزايا التي يتمتع بها أبناؤنا اليوم من وجود الخبرات والكفاءات المتاحة في المجتمع في استعدادها لتقديم النصح والمشورة، ولكن في ذلك الوقت وجود مثل هذه الإمكانات يعد ضرباً من الخيال، وبالتالي يواجه الإنسان مصيره في رحلة الدراسة ويطور قدراته بما يمتلك من قدرة الحدس والتخطيط وبالإمكانات الذاتية.
* إعادة بناء الأولويات: من الأمور التي تطرأ على حياة الإنسان هو اكتشافه لأهمية التخطيط في ظل قلة الإمكانات وحتى ضيق الزمن، عندما بدأتُ ببرنامج الماجستير اكتشفتُ أهمية النظر لجدولة الوقت باعتبار أقل ما يملك وأثمن ما لدى المبتعث هو الزمن. لابد من النظر إلى أهمية ما تنجز على ضوء الوقت المتوفر وأهمية الانجاز السريع والمتقن. وهكذا وتحت ضغط الضرورة والحاجة الماسة للزمن أهم درس يترسخ في وجدانك هو خطط أولوياتك. وبهذا يصبح الزمن أوله من الأهمية والحراجة كآخره وبالتالي لم يعد هناك شعور بأن لديك فائضاً من الزمن لتهدره.
التحديات التي واجهتُها في باكورة برنامج الماجستير عديدة ومختلفة، وكان لها الدور الكبير في صقل شخصيتي العلمية والبحثية ومن أهم هذه التحديات:
- المشرف: من القضايا التي سببت لي الكثير من الأذى والإزعاج في خلال دراستي لبرنامج الماجستير المشرف الذي وافق على انضمامي إلى مختبره. هذا المشرف الذي توفى عام: 1997م حيث علمتُ من بعض أعضاء هيئة التدريس في جامعة كورنيل عندما التقيتُ بهم في برلين عام: 2004م. جوردن كامبل مشرفي الاسكتلندي الأصل أمريكي الجنسية من أهم ما كان يتصف به شدة غروره واعتداده بنفسه لدرجة -كما علمتُ فيما بعد– أنه يعمل على التصحيح اللغوي لخطابات الأساتذة والعميد والوكيل ظنّاً منه الأعرف باللغة الإنجليزية.. كما صرح نفسه مراراً أنه الأعرف كذلك علميّاً من كافة أعضاء هيئة التدريس في الكلية. هكذا بدأتُ رحلتي العلمية في هذا الجو والفضاء القلق. وما زاد الطين بلة إمكاناتي العلمية التي لم تنضج بعد وخصوصاً في مجال مهارات البحث العلمي وتصميم التجارب الذي جعلتني في موقف لا يحسد عليه. جوردن كامبل لم يمتلك القدرة على تفهم أنني آت من عالم ثالث فيه الطالب لا يتدرب على مهارات البحث العلمي، أو تحضيره لبرامج الدراسات العليا، وبالتالي كان يعاملني بمثل ما كان يعامل أي طالب أمريكي. كان الموضوع بالنسبة لي تحدياً كبيراً في مواجهة هذا المتعجرف، إما بإثبات قدراتي وإمكاناتي أو الهروب بجلدي من هذه المعمعة. وكما أسلفتُ الخوف من الفشل والعودة خال الوفاض دفعني إلى المواجهة وإثبات الوجود، وقد زاد ثقتي بالسعي في هذا الاتجاه ما تكشف لي خلال الدراسة من إمكانات التعلم والتطوير واكتساب المهارات. وهكذا مضت السنوات الثلاث في كرّ وفرّ حتى وفقنا اللَّه بتجاوز هذه العقبة الكؤود. دروس جمة نلتُها من هذه المواجهة غير المختارة من أهمها: لا تخل الساحة بسهولة ولا تستصغر نفسك، فقط لأن هناك من يراك غير جدير حسب رأيه. أنت فقط القادر على تحديد مصيرك. هذا الشعور الذاتي والثقة التي تتولد مع المحاولة والثبات حيوية في تقرير مصير الإنسان. اليوم لما يمتد بصري في الزمن أرى كم كان لهذا الشعور الفطري الذي انتابني في إثبات الوجود من أثر بالغ على ما أنا عليه اليوم، وكم كان له من الدور البالغ في تشكيل شخصيتي في رحلتي العلمية و الاجتماعية.
- مهارات البحث العلمي: من أهم ما يجب أن يتمتع به طالب الدراسات العليا هو قدرته العالية في مهارات البحث العلمي، ولعل أشد ما يعانيه طالبنا المبتعث آنذاك هو فقره الشديد لهذه المهارة الحيوية التي غالباً ما تكلفه مستقبله في مسيرته العلمية. عندما بدأتُ البحث الخاص بالماجستير طلب مني المشرف التصميم للمقترح البحثي باختيار الفكرة وتحديد مبرراتها وأهدافها، وبعد ذلك العمل على وضع البنى الأساسية لتنفيذ هذه الفكرة. بالنسبة لمبتدئ جاء من بيئة علمية لا تكترث بمثل هذه المهارات – وما زالت غير مبالية – أصبت بصدمة كبيرة، ولكن ما خفف الأمر علي وجود أستاذة زائرة من جامعة تورونتو في كندا، السيدة الدكتورة آن مكل التي ساعدتني في بلورة الفكرة والتي تعد استمراراً لدراستها بعد الدكتوراه. بفضل هذا الدعم غير المباشر بدأتُ بمسيرة البحث وبالاستناد على قدراتي والاتصال المستمر مع البعض من الطلاب والفنيين المتعاونين في القسم والمختبرات الأخرى تم تجاوز أهم مرحلة في العمل، وهو بناء الهيكل العام للعمل وتجاوز المرحلة الحرجة في تنفيذ التجارب الأساسية للبحث. من التجارب التي شكلت تحديّاً كبيراً وتطلبت عملاً مرهقاً هو متابعة نمو البكتيريا التي تعد بطيئة في تكاثرها لعمل ما يعرف بالرسم البياني لنمو البكتيريا. وقد تطلب إنجاز هذا العمل متابعة البكتيريا بشكل متواصل وبذلك كنتُ أفيق منتصف الليل تحت درجة حرارة 2- لأذهب للمختبر لأخذ العينة. وبهذا تأسست أهم البنى الحيوية في التفكير العلمي ومهارات التخطيط في البحث العلمي. ومن أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة المهمة هي:
- لا يوجد حل سحري في البحث العلمي بل الحلول تأتي بالتخطيط والقراءة والمحاولة.
- لا يمكن أن تحصل على نتائج ناجحة من المحاولة الأولى، ولذلك البحث العلمي مبني على الصبر والتكرار وإعادة الاختبار.
- البحث العلمي متعة وفن فيه تتطور ملكات الإنسان وقدراته النفسية، ويختبر تحت مطرقته مدى احتماله وبعد نظره وقدراته الذهنية في معالجة العوائق والتحديات.
- التعلم لا يتحقق إلا بالأخطاء، ومن رحم الأخطاء تولد المعرفة وتتمظهر الحقائق.
- اختلاف في الفهم والثقافة: الأخطاء الفادحة والقاتلة في حياة المرء هو الانطلاق في تقييم الآخرين من واقع فهمه المحدود ومخزونه الثقافي المتشكل من بيئته المحدودة واطّلاعه المحلي المتخلف. هكذا كانت مواجهتي الأولى مع البيئة الأمريكية وبالذات مع الزملاء من الأمريكان في القسم، ومن تعرفتُ عليهم من الأمريكيين في أيام دراستي هناك. لقد انطلقتُ في التعامل مع هذه البيئة الجديدة بسذاجة فهمي وإدراكاتي المسبقة دون الأخذ بعين الاعتبار البون الشاسع في طبيعة التفكير والخلفيات التي تأسست عليها ثقافة هذا المجتمع. أدى هذا الاندفاع غير المتقن إلى بعض الصدامات، وإثارة بعض المواقف التي انتهت على أثرها إلى شكل من أشكال العزلة نتيجة تولد عازل يمنع الآخرين من التواصل الإيجابي. هذا السلوك طبيعي في جانب كبير منه لغضاضة التجربة وحماس الشباب والعيش في بيئة محلية لم تمكن الإنسان من التعرف على الثقافات الأجنبية.
كما أسلفتُ ليست الأخطاء عار على صفحة حياة الإنسان، بل إن لا يستثمر الإنسان أخطاءه هو العار الشديد الذي يجعل من حياة الانسان عاراً دائماً. هذه التجربة الاجتماعية أثرها إلى درجة عميقة يمكن أن أقول: إنها قلبت شخصيتي رأساً على عقب، فهي البدايات التي تعلمتُ فيها التسامح مع الآخر والتأمل في طبائع المجتمع الأجنبي والتوقف عن إصدار الأحكام الغبية المرتجلة. من هذه التجربة المهمة يتضح أنّ في معاملتك مطلوب منك وبكل حيوية فهم عقلية الآخر قبل أن تنخرط في علاقة مفتوحة فيها الصدام يغلب على الوئام. الجانب المهم الآخر في هو استثمار العلاقات الاجتماعية في أيام الابتعاث، فهي الزاد المهم بجانب الخبرات العلمية التي يتزود بها الإنسان فيها تتشكل عقليته، ويعاد صياغة أفقه ونظرته إلى الحياة والسبل في الحركة المثمرة والناجعة فيها.
قصة الدكتوراه وبديهية الفشل والنجاح:
بعد انتظار طويل من عودتي من رحلة الماجستير جاءت رحلة الدكتوراه إلى بريطانيا، وقد قضيتُ في التدريس بعد عودتي من الماجستير ثلاث سنوات في الجامعة بالأحساء. غادرتُ بعدها إلى مدينة برمنجهام في عام: 1990/1410 وكان موافقاً لشهر رمضان المبارك الموافق لشهر أبريل. التحقتُ بمختبر الدكتور كلايف سويت الذي قضى على ما يزيد من: 15 عاماً في البحث العلمي على فيروس الإنفلونزا وبالخصوص البحث عن العوامل الوراثية لإثارة الحمى عند المصاب. مشروعي البحثي تركز على إيجاد العوامل الوراثية المثيرة للحمى في الفيروس من خلال توليد أجيال جديدة من فيروسين، أحدهما يولد حرارة عالية، والآخر ضعيف القابلية في إنتاج الحرارة. بالنسبة لي كانت تجربة مملوءة بالحماس بناءً على الخبرات التي راكمتُها في خلال دراستي في الولايات المتحدة وخبرتي التدريسية الثلاث في الجامعة. السنة الأولى من برنامج الدكتوراه مضى بسلام، وتم الحصول على المعلومات المطلوبة بسلاسة. وما جاءت السنة الثانية حتى اصطدم البحث بعائق كبير، تمثل في فشل الطرق المتبعة في التصنيف الوراثي للفيروسات بالرغم من المحاولات المختلفة. وبعد ستة أشهر من الإحباط المتواصل وزيارة أحد الباحثين في هذا المجال في المركز الوطني للأبحاث في لندن تم التوصل إلى أسباب الفشل.
المهم في هذه التجربة يمكن الإشارة لها في عدة نقاط:
- المخزون النفسي والفكري الذي تم تطويره في أيام الماجستير كان لي العون الكبير في مواجهة هذه المعضلة وبفضل هذا المخزون تجاوزت المحنة.
- الشعور الباطني بالثقة والقدرة بأن ما أواجهه أمر عابر، وإن إمكاناتي هي أكبر بكثير جعلتني أشعر بالثقة بأن علاج هذا الأمر ما هو إلا زمن كنتُ أرى بصيصه متمثلاً في وجداني.
- استفدتُ من هذه التجربة في تطوير إمكاناتي العلمية، حيث الحاجة المركزة للقراءة والمتابعة للتعرف على كافة العوامل والعناصر التي قد يكمن فيها الحل.
- كان لهذه المعضلة البحثية دور بارز في تطوير قدراتي المعنوية من خلال المواظبة على جملة من الأدعية والمداومة على بعض الصلوات. هذا الجانب ما زال مطبوعاً في نفسي وأرى فيه مخزوناً ثميناً فيما أنا عليه اليوم من الثقة بالله.
الدرس العلمي المهم الذي يمثل حجر الزاوية في تجربتي في دراستي أيام الدكتوراه هو بناء مفهوم الاستقلال العلمي من خلال تطوير قدراتي العلمية التي تمكنني من استمرار البحث العلمي في بناء البنى التحتية لكتابة المشاريع، واستحداث الأفكار والقدرة على النشر والحضور الفاعل في اللقاءات العلمية.
كيف تكون متميزاً في الحركة عكس التيار؟
كما أسلفتُ أن البنية التحتية المهمة في مشروع الباحث بعد الدكتوراه وخصوصاً للباحث الذي يزاول عمله في المجال الأكاديمي هو بناء وتطوير مهاراته البحثية من خلال جانبين مهمين:
الأول: القدرة على امتلاك الأفكار السيالة لمشاريع مستمرة في البحث العلمي، ويفضل أن تكون في دائرة خط بحثي ذو عنوان عريض واحد منعاً من تشتت في حقول متنوعة ومواضيع كشكولية لا تعبر عن خبرة مركزة في جانب من جوانب التخصص.
الثاني: الملكات والمهارات البحثية وخصوصاً في مجال الكتابة العلمية المتقنة والمهارات البحثية في تصميم المشاريع لإقناع الممولين بجدوى المشروع المقترح ومهارات التنفيذ وإدارة الطاقم البحثي.
كان تأسيس المهارات البحثية التحدي الأكبر بعد عودتي من البعثة في بيئة أكاديمية تفتقر إلى أبسط مقومات البحث العلمي، من نقص فادح في الإمكانات البحثية وندرة في الكفاءات البحثية التي يمكن للباحث الاستعانة بها، والأشد من هذا وذاك هو انعدام تام لبرنامج علمي يستقبل الباحثين الجدد، ليرشدهم بهوادة، ويمسك بيدهم نحو المسار الصحيح.
بدأتُ في هذا الفضاء فضاء الدعة والكسل واللامبالاة والاتكال على الآخرين وبالذات المتعاقد، ليطبخ لك البحوث ويلصق اسمك دون تعب ولا عناء بالسباحة الكؤود المعاكسة للتيار. وقد بذلتُ وبسعي دؤوب في هذا الاتجاه من خلال تركيز الأفكار والاستعانة بذوي الخبرة في البحث عن التمويل، وكانت أولى إمارات النجاح لاحت حينما توصلتُ لفكرة مشروع بحثي طويل الأمد. وبعد عامين من عودتي أفلحتُ جهودي في الحصول على منحة علمية من وزارة الخارجية الأمريكية – منحة فولبرايت للباحثين – ويممتُ وجهي باتجاه كاليفورنيا عام: 1999 لقضاء تجربة علمية ثمينة في مختبر الدكتور جيم كولر رئيس مركز أبحاث التهاب الضرع في جامعة كاليفورنيا – ديفز- ووفقتُ بفضل اللَّه أن أنجز مشروع قياس الإفرازات المناعية في حليب الأبقار في الصحة والمرض باستخدام تقنية حديثة ومتطورة، كان لها ولحد الآن الأثر الكبير على المجال العلمي في هذا الحقل. كانت هذه الرحلة وبفضل الإيمان بمفهوم الخط البحثي الطويل الأجل إلى إنتاج علمي له قيمة علمية راسخة. الحركة عكس التيار والتأسيس الطويل الأجل هو المنهج الذي يمكن الإنسان من الحركة الواثقة في بناء خبراته وإكساب الباحث أدوات الملاحة في المسيرة العلمية. وقد تجلى ذلك بأبهى صوره في تأسيس مختبر للتقنية الحيوية بكامل أجهزته وإمكاناته لحين تقاعدي من الجامعة.
التدريس الجامعي فن الهيمنة وبناء الطريق للمعرفة:
أمضيتُ في التدريس الجامعي ثلاث سنوات بعد عودتي من برنامج الماجستير على مرتبة محاضر، ومنذ عودتي من الدكتوراه عام: 1995م لحين تقاعدي عن العمل عام: 2017م. تركز تدريسي على مستوى طلاب البكالوريوس في كلية الطب البيطري، وفصل دراسي واحد في كلية الطب على تدريس مقرر علم المناعة. وأما تدريسي لطلاب الدراسات العليا على مستوى الماجستير والدكتوراه كان تدريسي لمقرر مناعة متقدمة بالإضافة للإشراف على المشاريع البحثية وكتابة الرسائل العلمية.
تجربتي في مجال التدريس تشربت وتغذت بشكل كبير من تجربتي الثقافية وخصوصاً الجانب الخطابي في إلقاء المحاضرات الذي شكل جزءاً كبيراً من تجربتي الثقافية. الاستراتيجية التي تم اتباعها في التدريس كانت ترتكز على محورين مهمين هما:
أولاً: فك رموز المعلومة وتفكيك محتواها العلمي للطالب، كي تتبلور له في شكل جذاب ومشوق، يشده ويثير فيه حب الاطلاع والمتابعة للإلمام التام بها.
الثاني: الاعتناء بالطالب ومتابعته من خلال التشديد على انشداده للأستاذ خلال التدريس وطرد كل ما قد يشتت انتباهه.
تم الاعتماد على جملة من المهارات التدريسية والتي تم تطويرها على مدى السنوات لتحقيق هذين المحورين الاستراتيجيين من أهمها:
- من الخطأ الفادح الظن أن كثرة معلومات الأستاذ وإحاطته بالمنهج كفيل بجعل الطالب ينجذب للأستاذ، بل ذلك جزء يسير من متطلبات التدريس الناجح. وإنما المهارة الأولى هي مهارة إيصال المعلومة.
- الأستاذ الناجح هو ذلك الذي ينجح في خلق الجذب بينه والطالب، فما دام الطالب لا يشعر بالأمان والاستئناس بالأستاذ لن ينفتح عليه ويصبح جهد الأستاذ هباءً منثوراً.
- تجربتي أثبتت أن العلاقة الأبوية مع الطلاب من خلال إشعارهم أنهم هنا ليسوا للنجاح، بل للتعلم وكسب المعرفة وتطوير القدرات يصبح أمر النجاح بالنسبة لهم أمراً مسلّماً، ولكن ضمان التعلم هو الغاية والمقصد.
- الأستاذية لا تنحصر في حصة أو فصل دراسي أو مرافقة طالب لحين إتمام مشروعه الدراسي، بل علقة تحط في قلب الطالب، فيتعلق بها ولا تغادره مادام حيّاً. حيّاً بما كسب من ذلك الأستاذ، وجنى من ثمار المعرفة، وتخلق بأخلاق العالم العامل المنتج للمعرفة.
- حرصتُ على أن يكون للطالب كيان في كسب المعلومة بالدور الفاعل والمتحرك في تبنيها ومناقشتها وفهمها لتكون حجم القناعة التي تتولد في قرارة نفسه من صنيعة جهده وسعيه.
النشاط الثقافي وأخطاء الاندفاع غير المدروس:
منذ أيام المراهقة وشعوري بأهمية الثقافة والانخراط في أنشطتها المختلفة وخصوصاً القراءة كانت قضية حيوية. أتذكر في أيام الثانوية وبالذات السنة الأولى منها انضممتُ عضواً إلى المكتبة العامة في مدينتي المحمرة، حيث كنتُ أستعير الكتب بلهفة وشغف. كما انتبهتُ مبكراً إلى أهمية المحاضرات العلمية، وبالذات محاضرات أستاذنا الكبير المربي الشيخ أحمد الوائلي، وفيما بعد الشهيد السيد محمد باقر الصدر، والمفكر علي شريعتي، والعلامة الشيخ مرتضى المطهري. هذه الرغبة الجامحة في الاندفاع نحو الثقافة دفعتني لتأسيس مكتبتي الخاصة منذ الأيام الأولى للجامعة، وكذلك الإصرار على اقتناء أحدث المحاضرات للعلامة الشيخ الوائلي. هذا الاندفاع الثقافي كان بالنسبة لي الذراع الثاني بجانب تطوير كفاءتي العلمية في التخصص، ونتيجة لذلك كنتُ من السنة الأولى في الجامعة مندفعاً للمشاركة الثقافية في الاحتفالات الخاصة بمواليد أهل البيت A ومن بعد ذلك في مختلف البرامج الثقافية من ندوات ومحاضرات. والتركيز على المشاركة بمختلف الكتابات الثقافية في الصحف والمجلات وغيره من المطبوعات.
منذ المراحل الأولى في الاتجاه الثقافي كان منهجي هو الابتعاد عن الدخول في القضايا المذهبية الطائفية والخوض في مواضع الخلاف لقناعة فطرية بعدم جدوى مثل هذه الحوارات العقيمة. كان تركيزي المبدئي على بناء الوعي والاتجاه بالطرح الثقافي نحو محاولة تأسيس مفاهيم ذات صلة بالحياة وكيفية تأصيل تراث أهل البيت A في القضايا المعاصرة.
من الأمور الثقافية المؤسفة التي خضتُها وبشكل مفرط في فترة عودتي من الماجستير، والتي امتدت من عام: 1407م إلى: 1409م هو الاندفاع غير المدروس والممنهج في المشاركة في الاحتفالات والبرامج الدينية، وما زاد الطين بلة امتهاني للخطابة الحسينية التي جعلتني أغوص دون تفكير في هذه القضايا. شعوري بالأسف ينطلق من الإفراط في الاندفاع الذي جعلني أعيش جملة من الصراعات نتيجة المعالجات الثقافية للمفاهيم الثقافية التقليدية دون الأخذ بنظر الاعتبار تجذر هذه القضايا في الثقافة الاجتماعية الكلاسيكية. هذا الاندفاع المفرط تسبب لي في إرهاق نفسي واستهلاك جم طاقتي الجسدية والذهنية، ناهيك عن التأثير المحدود للطرح الثقافي الحاد في تغيير مفاهيم المجتمع. وقد جاء سفري لبرنامج الدكتوراه في بريطانيا فرصة مهمة للنقاهة، لإعادة النظر في تفكيري العملي الثقافي وأسلوبي في الحركة الثقافية في المجتمع من أهمها وعلى رأسها: الحركة المدروسة والمتأنية في الطرح الثقافي، بالإضافة لتخفيف الظهور الاجتماعي بقدر المستطاع منعاً من ضياع الجهود والتركيز على النشاط المجدي. ومن أهم المشاريع التي تبنيتُها في ذلك الوقت تحضيراً لما بعد العودة هو الانكباب على التأليف باعتباره الميراث الأهم لأي مشروع ثقافي فيه يحفظ هذا الجهد ووسيلة ضامنة تنقل الأفكار للأجيال القادمة. التصحيح في الاتجاه الثقافي شمل أيضاً الانفتاح على المجالس الثقافية الواسعة في الأحساء والرياض. حيثُ شاركتُ حضوراً ومشاركاً بكثافة في مجلس الشيخ أحمد آل مبارك أحد أعلام المذهب الشافعي في الأحساء. كما لبيتُ الدعوة التي وجهها لي الأديب الدكتور راشد المبارك ممثل المنظمة العربية للتربية والتعليم في المملكة، والذي كان له منتدى ثقافي مهم في الرياض والذي يستضيف المثقفين والإعلام. وكان النشاط المرادف للحركة الثقافية الهادئة هو المشاركة المكثفة في الصحف المحلية والمجلات العربية كمجلة العربي، والكويت، والمجلة العربية، والقافلة، والمواقع الإلكترونية المنوعة.
هذا الانفتاح والتنوع كان له الأثر البالغ في اتساع دائرة إدراكي للتنوع الثقافي، وتقييم نظرتي للمفاهيم الثقافية اللازم العمل عليها. التصحيح الذي انتهجتُه في إعادة المنهج الثقافي والنظرة للعمل في هذا المجال كان له أثر بالغ في تحقيق الأمور التالية:
* العمل على مفهوم نشر ثقافة السلم الاجتماعي والابتعاد عن تشويش الجو بالمناوشات الثقافية غير المجدية وذات الأجل القصير.
* العمل في فضاء هادئ يسمح بدراسة الظواهر الاجتماعية للتعرف على الجذور المؤسسة والمغذية لهذه الظواهر.
* التحرر من الثقافة المذهبية المغلقة، وتبني المفهوم النقدي المنفتح في دراسة القضايا الفكرية دون التحرج من مرجعتيها، وما تتشح في العقل العامي من وشاح القداسة.
* الاستناد في عملية النقد والمراجعة على المنهج العلمي في الأدوات والغاية، لتحقيق الغاية القصوى التي هي: تقديم رؤية جديدة لدورنا في الحياة وأثر انتمائنا الفكري على منهجنا وقراءتنا للحياة.
* المساهمة الفاعلة في دفع المجتمع نحو البحث في قضاياه في فضاء من الحوار الهادئ بعيداً عن أجواء التشنج والمهاترات.
وتستمر الحياة ويتجلى جمالها في ألاّ تهادن ولا تتكاسل ولا تستسلم للتحديات، فجمال الحياة يتجلى في أن تطبع على أفقها بصمة راسخة خالدة.
Alahsa Turath تراث الأحساء